وهؤلاء يزعمون أن ذلك القياس إنما يفيد الظن، وقياسهم هو الذي يفيد اليقين، وقد بينا في غير هذا الموضع أن قولهم هذا من أفسد الأقوال، وأن قياس التمثيل وقياس الشمول سواء وإنما يختلفان بالمادة المعينة فإن كانت
[ ٢ / ٤١ ]
يقينية (في أحدهما كانت يقينية) في الآخر وإن كانت ظنية في أحدهما كانت ظنية في الآخر. وذلك أن قياس الشمول مؤلف من الحدود الثلاثة، الأصغر والأوسط والأكبر، والحد الأوسط فيه هو الذي يسمى في قياس التمثيل علة ومناطًا وجامعًا [ومشتركًا ووصفًا ومقتضيًا]. فإذا قال في مسألة النبيذ: كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام، فلابد له من إثبات المقدمة الكبرى، وحينئذ يتم البرهان، وحينئذ فيمكنه أن يقول النبيذ مسكر، فيكون حرامًا قياسًا على خمر العنب، بجامع ما يشتركان فيه من الإسكار، هو مناط التحريم في الأصل، وهو موجود في الفرع فيما به (يقرر) أن كل مسكر حرام، به يقرر أن السكر مناط التحريم بطريق الأولى، بل التفريق في قياس التمثيل أسهل عليه لشهادة الأصل له بالتحريم، فيكون الحكم قد علم ثبوته في بعض الجزئيات. ولا يكفي في قياس التمثيل إثباته في أحد الجزأين لثبوته في الجزء الآخر، لاشتراكهما في أمر لم يقم دليل على استلزامه للحكم، كما يظنه بعض للطالبين، بل لابد أن يعلم أن المشترك بينهما مستلزم للحكم والمشترك بينهما هو الحد الأوسط. وهذا ما يسميه الفقهاء وأهل أصول الفقه المطالبة بتأثير الوصف في الحكم؛ وهذا السؤال أعظم سؤال يرد على القياس وجوابه هو الذي يحتاج إليه غالبًا في تقدير صحة القياس، فإن المعترض قد يمنع الوصف في الأصل، وقد يمنع الحكم في الأصل، وقد يمنع الوصف في الفرع، وقد يمنع كون الوصف علة في الحكم ويقول: لا نسلم أن ما ذكرته في الوصف المشترك هو العلة أو دليل
[ ٢ / ٤٢ ]
العلة، فلابد من دليل بدل على ذلك من نص أو اجتماع أو سبر وتقسيم أو المناسبة أو الدوران عند من يستدل بذلك، فما دل على أن الوصف المشترك مستلزم للحكم إما علة، وإما دليل العلة: هو الذي يدل على أن الحد الأوسط مستلزم الأكبر، وهو الدال على صحة المقدمة الكبرى، فإن أثبت العلة كان برهان علة، وإن أثبت دليلها، كان برهان دلالة. وإن لم يفيد العلم بل أفاد الظن، فكذلك المقدمة الكبرى في ذلك القياس لا تكون إلا ظنية، وهذا أمر بين. ولهذا صار كثير من الفقهاء يستعملون في الفقه القياس الشمولي، كما يستعمل في العقليات القياس التمثيلي، وحقيقة أحدهما هو حقيقة الآخر.
ومن قال من متأخري أهل الكلام والرأي كأبي المعالي وأبي حامد والرازي وأبي محمد المقدسي وغيرهم من أن العقليات ليس فيها قياس وإنما القياس في الشرعيات، ولكن الاعتماد في العقليات على الدليل الدال على ذلك مطلقًا، فقولهم مخالف لقول نظار المسلمين، بل وسائر العقلاء، فإن القياس يستدل به في العليات كما يستدل به في الشرعيات، فإنه إذا ثبت أن الوصف المشترك مستلزم للحكم كان هذا دليلًا في جميع العلوم. وكذلك إذا ثبت أنه ليس بين الفرع والأصل فرق مؤثر كان هذا دليلًا في جميع العلوم، وحيث لا يستدل بالقياس التمثيلي، لا يستدل بالقياس الشمولي.
وأبو المعالي ومن قبله من النظار لا يسلكون طريقة المنطقيين ولا يرضونها بل يستدلون بالأدلة المستلزمة عندهم لمدلولاتها من غير اعتبار ذلك بميزان المنطقيين «لكن جمهور النظار يقيسون الغائب على الشاهد إذا كان المشترك مستلزمًا للحكم، كما يمثلون به في الجمع بالحد والعلة والشرط والدليل، ومنازعهم
[ ٢ / ٤٣ ]
يقول لم يثبت الحكم في الغائب لأجل ثبوته في الشاهد؛ بل نفس القضية الكلية كافية في المقصود من غير احتياج إلى التمثيل، فيقال لهم: وهكذا في الشرعيات، فإنه متى قام الدليل على أن الحكم معلق بالوصف الجامع لم يحتج إلى الأصل، بل نفس الدليل الدال على أن الحكم يتعلق بالوصف كاف لكن لما كان هذا كليًا والكلي لا يوجد إلا معينًا كان تعيين الأصل، مما يعلم به تحقيق هذا الكلي، وهذا أمر نافع في الشرعيات والعقليات، فعلمت أن القياس حيث قام الدليل على أن الجامع مناط الحكم، أو على إلغاء الفارق بين الأصل والفرع، فهو قياس صحيح، ودليل صحيح، في أي شيء كان.