ثم هم معترفون بما لا بد منه من أن التصديقات منها بديهي ومنها نظري، وأنه يمتنع أن تكون كلها نظرية لافتقار النظري إلى البديهي. وحينئٍذ فيأتي ما تقدم في التصورات من أن الفرق بينهما إنما هو بالنسبة والإضافة، فقد يكون النظري عند شخص بديهيًا عند غيره والبديهي من التصديقات، ما يكفي تصور طرفيه موضوعه ومحموله. في حصول تصديقه، فلا يتوقف على وسط يكون بينهما، وهو الدليل الذي هو الحد الأوسط، سواء كان تصور الطرفين بديهيًا أم لا، ومعلوم أن الناس يتفاوتون في قوى الأذهان أعظم من تفاوتهم في قوى الأذهان. فمن الناس من يكون في سرعة التصور وجودته في غاية تباين بها غيره مباينة كثيرة. وحينئِذ يتصور الطرفين تصورا
[ ٢ / ٣٠ ]
تاما بحيث يتبين التصور التام اللوازم التي لا تتبين لمن يتصوره، وكون الوسط الذي هو الدليل قد يفتقر إليه في بعض القضايا بعض الناس دون بعض، أمر بين فإن كثيرًا من الناس تكون عنده القضية حسية أو مجربة أو برهانيه أو متواترة. وغيره إنما عرفها بالنظر والاستدلال. ولهذا كثير من الناس لا يحتاج في ثبوت المحمول للموضوع إلى دليل لنفسه، بل لغيره، ويبين ذلك لغيره، بأدلة هو غني عنها، حتى يضرب له أمثالًا.
وقد ذكر المناطقة أن القضايا المعلومة بالتواتر والتجربة والحدس يختص بها من علمها ولا تكون حجة على غيره بخلاف غيرها، فإنها مشتركة يحتج بها على المنازع، وهذا تفريق فاسد، وهو أصل من أصول الإلحاد والكفر. فإن المنقول عن الأنبياء بالتواتر من المعجزات وغيرها، يقول أحد هؤلاء- بناء على هذا الفرق- هذا لم يتواتر عندي فلا تقوم به الحجة على وليس ذلك بشرط، ومن هذا الباب إنكار كثير من أهل البدع والكلام والفلسفة لما يعلمه أهل الحديث من الآثار النبوية، فإن هؤلاء يقولون: إنها غير معلومة لنا كما يقول من الكفار: إن معجزات الأنبياء غير معلومة له. وهذا لكونهم لم يعلموا السبب الموجب للعلم بذلك، والحجة قائمة عليهم تواتر عندهم أم لا.
وقد ذهب الفلاسفة أهل المنطق إلى جهالات قولهم: إن الملائكة هي العقول العشرة، وأنها قديمة أزلية، ةأن العقل رب ما سواه، وهذا شئ لم يقل مثله أحد من اليهود والنصارى ومشركي العرب، ولم يقل أحد: إن ملكًا من الملائكة رب العالم كله، ويقولون: إن العقل الفعال مبدع كل ما نحت فلك القمر، وهذا أيضًا كفر لم يصل إليه أحد من كفار أهل الكتاب
[ ٢ / ٣١ ]
ومشركي العرب، ويقولون إن الرب لا يفعل بمشيئته وقدرته وليس عالمًا بالجزئيات ولا يقدر أن بغير العالم، بل العالم فيض فاض عنه بغير مشيئته وقدرته وعلمه وأنه (إذا) توجه المستشفع إلى من يعظمه من الجواهر العالية، كالعقول والنفوس والكواكب والشمس والقمر، فإنه يتصل بذلك المعظم المستشفع به فإذا فاض على ذلك ما يفيض من جهة الرب، فاض على هذا من وجهة شفيعه، ويمثلونه بالشمس إذا طلعت على مرآة، فانعكس الشعاع الذي على المرآة على موضع آخر، فأشرق بذلك الشعاع، فذلك لشعاع حصل له من مقابلة المرآة وحصل للمرآة بمقابلة الشمس، ويقولون: إن الملائكة هي العقول العشرة أو القوى الصالحة في النفس، وأن الشياطين هي القوى الخبيثة، وغير ذلك مما عرف فساده بالدلائل العقلية، بل بالضرورة من دين الرسول. فإذا كان شرك هؤلاء وكضرهم أعظم من شرك مشركي العرب وكفرهم، فأي كمال للنفس في هذه الجهالات، وهذا وأمثاله مفتقر إلى بسط كثير. والمقصود ذكر ما ادعوا في البرهان المنطقي؟