١ - يقرر القرآن الكريم وقوع التحريف في التوراة الحالية فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ (٤) أعم من أن يكون اختلافًا في جوهرها أو في فهمها، وقرر أيضًا وجود الاختلاف بين بين إسرائيل بعضهم البعض فقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٥).
فالتوراة الحالية ليست هى المنزلة على سيدنا موسى ﵇ وقد حرف اليهود التوراة تحريفًا ماديًا ومعنويًا أما التحريف المادي اللفظى فكان للكلمات والفقرات بأخرى فأزالوا وقدموا وأخروا وبدلوا وأضافوا حسب أهوائهم، وأما تحريفهم المعنوي فكان بتغيير مدلول الكلمات لتوافق أهواءهم وانحرافاتهم العقدية والأخلاقية فقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦).
٢ - ما كان من مضمون التوراة موافقًا للقرآن الكريم أو السنة المطهرة يُقبل ولا يرد باعتبار أن معناه صحيح، رغم فقدانه للنص المقدس، وذلك مثل الأحكام الموجودة في التوراة وأكدها القرآن في سورة إلى المائدة كأحكام القتل والزنا وغيرهما (٧).
_________________
(١) سورة الأنعام الآية: (١٥٤).
(٢) يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ (سورة الأنبياء الآية: ٤٨، ٤٩).
(٣) ويقول تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (سورة المائدة الآية: ٤٤) انظر: التربية في التوراة د/ عابد الهاشمى ص ٣١، ٣٢.
(٤) سورة فصلت جزء من الآية: (٤٥).
(٥) سورة النمل الآية: (٧٦). وانظر دراسات في التوراة. أ /عطية إبراهيم الشوادفي ص ٨٥ ط / مجمع البحوث الإِسلامية ١٩٨٥م.
(٦) سورة المائدة الآية: (١٣) وانظر: إظهار الحق ١/ ٢٠٥ وما بعدها.
(٧) التربية في التوراة: د/ الهاشمى، ص ٣٣
[ ٢٧ ]
٣ - (إذا خالفت نصوص القرآن الكريم أو السنة المطهرة فهي ترد قطعًا ولا تُقبل وكذلك لا تُقبل نصوص التوراة إذا صادمت الحقائق العلمية اليقينية أو خالفت الواقع ومعطياته، وذلك لأن الوحى الصادق لا يصطدم بالحقائق العلمية ولا ينكر المعلومات التي شهدها له الواقع- التاريخي أو الجغرافي أو العلم المادي التجريبي وما سكت عنه القرآن والسنة مما جاء في التوراة يُسكت عنه دون تصديقٍ أو تكذيبٍ وذلك اتباعًا لتوجيهات النبي - ﷺ - "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم (١) ") (٢).
مع ملاحظة أن الإِسلام لا يعترف إلا بالتوراة التي أنزلها الله علي سيدنا موسى ﵇ ولا يعترف بسواها من أسفار العهد القديم لأنهم قد حرفوا ما معهم من الكتب المقدسة قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (٣). وأن ما معهم الآن مكتوب بأيديهم ومنسوب خطأ إلى الله ﷿ فقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ (٤). وبهذا يتحدد موقف المسلم من كتب اليهود والنصارى، فالطعن الموجه إلى اليهود هو موجه بالدرجة الأولى إلى النصارى؛ لأن التوراة تشكل الجزء الأكبر من كتابهم الذي يزعمون أنه مقدس، وسقوط التوراة بهذه الصورة يعد سقوطًا للنصرانية بأكملها؛ لأنهم مطالبون بالعمل بتشريعاتها (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب لشهادات باب لايسأل أهل الشرك عن الشهادة وغيرها ٢/ ١٠٩ ط / دار إحياء الكتب العربية- الحلبى، وانظر: العقيدة اليهودية وخطرها على الإنسانية أ. د / سعد الدين صالح ص ١٨٣ ط / دار الصحابة بالإمارات ١٩٩٠م.
(٢) التربية فى التوراة د. الهاشمى ص٣٤.
(٣) سورة المائدة الآية: (١٣).
(٤) سورة البقرة الآية: (٧٩).
(٥) العقيدة اليهودية وخطرها أ. د/ سعد الدين صالح ص ١٨٣، ١٨٤ مرجع سابق.
[ ٢٨ ]