الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
ثم أما بعد:
فلقد جاء الرسول - ﷺ - على فترة من الرسل بنور وكتاب مبين، فأقام دولة وأسس أمة وربى رجالًا بذلوا أرواحهم في سبيل الله من أجل رفعة دينه فرحمة الله عليهم من سلف صالح ولله در من تبعهم من خلف. أولئك الذين رفعوا لواء الإِسلام وكان دين الواحد منهم لحمه ودمه؛ بل أغلى عنده من نفسه، فوقف يدافع عنه ضد الهجمات التى يشنها أعداء الإِسلام، ولازالوا يناصبونه العداء.
فمن يا تُرى وراء تلك الهجمات؟ إنهم اليهود والنصارى على حد سواء في في القديم والحديث وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ (١).
فاليهود إذن أشد حقدًا على الإِسلام والمسلمين، لأن النبوة الخاتمة لم تأت من نسل يعقوب الأعجمى، كما كانوا يريدون، ولكنها أتت من نسل إسماعيل العربي، وتلك هي البداية التي دفعتهم لتحريف كل كلمة تشير إلى العرب وأفضليتهم أو إلى النبي الخاتم - ﷺ - الذي عرفوا صفته من كتبهم كما يعرفون أبناءهم فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) فحرفوا ما يدل عليه من كلمات وبشارات وزيفوا التاريخ وبدلوا الحقائق على هذا الأساس.
وعند تتبع تاريخ بنى إسرائيل وموقفهم من الإِسلام يقف الباحث على حقيقة هامة وهي: أنه قد آمن
منهم من آمن عن طواعية واختيار، ورغبة في العدل والخير، وكائن سماحة الإِسلام السبب المبَاشر في
إسلامهم، وبقي من بقى منهم على يهوديته أو نصرانيته عصبية وحقدًا على المسلمين.
_________________
(١) سورة البقرة: الآية: (١٢٠)
(٢) سورة البقرة: الآية (١٤٦).
[ ١ ]
فهؤلاء الذين أصروا على كفرهم وعنادهم استمرءوا تحريف ما بين أيديهم من كتب على مر العصور، وقد بين ذلك القرآن الكريم فقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١).
وقد شهد الرسول - ﷺ - حادثة تدل على أنهم يحرفون الكلم من بعد مواضعه وهي حادثة الرجل اليهودي الذي أخفى آية الرجم بن التوراة بيديه حتى لا يُطبق حد الرجم علي من أخطأ، فقد جاء في الحديث: "أُتي رسول الله بيهودي ويهودية قد أحدثا جميعًا، فقال لهم: ما تجدون في كتابكم؟ قالو إن أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتحبية، قال عبد الله بن سلام (٢) ادعهم في يا رسول الله بالتوراة، فأتى بها فوضع أحدهم يده على آية الرجم وجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له ابن سلام: ارفع يدك فإذا آية الرجم تحت يده فأمر بها رسول الله فرجما" (٣).
وتوالت الأحداث وكلما مر عهد حرف اليهود والنصارى وغيروا وبدلو وزادوا وأنقصوا، وكلما يطبع من كتبهم نسخة تكون غير النسخة الأولي التى قبلها لما يراه رجال دينهم ومجامعهم المقدسة- في زعمهم- من حذف كلمة أو زيادة أخرى أو تبديل كلمة مكان كلمة وغير ذلك يدعون صحة كتبهم وأنها من عند الله، وليس ذلك فحسب، بل وجهوا نقدهم للإسلام ورسوله وكتابه وأثاروا حوله الشبه والشكوك، ولكن الله ﷿ حافظ كتابه من التبديل والتغيير فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٥).
_________________
(١) سورة المائدة: الآية: (١٣).
(٢) هو: عبد الله بن الحارث، أبو يوسف من ذرية يوسف ﵇، حليف النوافل من الخزرج الإسرائيلي الأنصاري، كان حليفًا لهم وكان من بني قينقاع، كان اسمه الحصين فغيره النبي - ﷺ - إلى عبد الله، وكان يهوديًا فأسلم، مات سنة ٤٣ هجرية (انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني ٦/ ١٠٨ - ١١٠، طبعة مكتبة الكليات الأرهرية، ط١، ١٣٩٦هـ/١٩٧٦م).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب المحاربين، باب الرجم في البلاط ٤/ ١٧٧ ط / دار إحياء الكتب العربيه، الحلي، والتحميم هو تسويد الوجة بالفحم، والتحبسيه أن يضم الإنسان رجيله إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ويشد عليه (النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير: ١/ ٣٣٥، ٤٤٤، طبعة دار إحياء التراث العربي؛ بيروت).
(٤) سورة فصلت: الآيتان (٤١، ٤٢).
(٥) سورة الحجر: الآية (٩).
[ ٢ ]
فهيأ الله ﷿ لدينه من يدافع عنه وكان من العلماء من تصدي لهذه الشبه- فترة البحث- فرد عليها وبين بطلانها، من هؤلاء شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والامام الألوسي وغيرهم. ومن العلماء من جعل اليهود والنصارى ينشغلون بأنفسهم وبما تحت أيديهم من كتب لا سند لها ومشكوك في صحة نسبتها إلى كاتبيها فوجه نقده إليها بموضوعية وحيدة تامة ونزاهة واضحة، من هؤلاء العلماء العلامة رحمة الله الهندي والعلامة أحمد ديدات والعلامة الباجه جى زادة البغدادي وغيرهم ممن يمثلون علامات بارزة في تاريخ أمتنا الإِسلامية- فترة البحث- أولئك الذين اهتموا بدراسة الكتاب المقدس سندًا ومتنًا وبيان مكانته من الصحة أو عدمها وكان لكل واحد من هؤلاء منهجه وأسلوبه المتميز في النقد، ويجمعهم منهج مشترك ووجهة واحدة نجعلهم في خندق واحد أمام الحروب الفكرية التي يتزعمها اليهود والنصارى.