أبو الفضل القونوي ووصفها بقوله: (وقفتُ عليها في مجموع نُسِخَ بعضُه سنة ٧٣٦، وهي نسخة مكتبة كديك أحمد باشا في مدينة أفيون رقم ١٧٥١٧، وقد نُقِلت هي وبقية محتوى المكتبة إلى المكتبة الوطنية بأنقرة. وفي هذا المجموع من كتب شيخ الإسلام: الفتيا الحموية، ومسائل عن آيات الصفات وأحاديثها، مثل قول السائل: هل في آيات الصفات ناسخٌ ومنسوخ؟ وفيه شرح حديث النزول، وهو مطبوع، ومسألة القبح والحسن العقليين، ومسألة في الاستواء وغيره، ودعوة ذي النون، ومسألة عصمة الأنبياء ).
قلت: وقد اطلعتُ على مصورتها، فوجدتها بخط نسخي جيد، وهذه القطعة خمس ورقات (ق ٧٠ ب - ٧٥ أ)، وعدد الأسطر في كل صفحة ٢٧ سطرًا. والنسخة مصححة ومقابلة على الأصل، وقد نُقِلت من خط شيخ الإسلام، كما صرَّح به الناسخ في آخر النسخة، فقال: "نقلتُه من خط شيخ الإسلام مؤلفه - ﵀ ورضي عنه - وبقي منه قائمة ووجه وقليل من الوجه الآخر، في ثالث شهر جمادى ".
أما ناسخ هذه القطعة ورسائل أخرى ضمن هذا المجموع فقد وصلت إلينا بخطه رسائل عديدة من مؤلفات الشيخ، يذكر فيها اسمه ونسبه. وقد ذكر أخونا أبو الفضل القونوي أنه تلميذ لشيخ الإسلام وإن لم تذكره المصادر، ثم قال ما يلي:
يبدو أن ناسخ هذا المجموع - وفيه خط ناسخ غيره - كان من تلاميذه الذين اضطروا لضعف جانبهم وفقرهم إلى الانكفاء على
_________________
(١) = (ص ١٣١).
[ ٢٠ ]
أنفسهم.
واسمه كما كتبه في موضع: (ووافق الفراغ من تعليقه يوم الخميس سادس عشري شهر رجب من شهور سنة اثنتين وثلاثين وسبعمئة، كتبه الفقير إلى رحمة ربه الكبير العبد الضعيف المقصر المخطئ المسيء: أيوب (^١) بن أيوب بن صخر بن أيوب بن صخر بن خالد بن وثيق بن أبي الحسن بن بقاء بن مساور العامري ..) ثُمَّ ذكر تاريخ مقابلتها فقال: (قوبلت على أصلها فصحت على حسب الطاقة في مجالس آخرهن رابع عشر شهر شعبان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمئة). فقد نسخها بعد وفاة شيخ الإسلام سنة ٧٢٨.
ويفهم من اسمه أنه عربي المحتِدِ، فهو عامري، ومن ذكرِه مكان النسخ حمص أنه من أهلها، ولا يعلم متى توفي، غير أنه كان حيًا سنة ٧٣٦.
ويبدو أنه كان صديقًا لابن رشيق، الذي ذكره في موضع وقال: (نقل من خط الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية، بحضور ترجمانه ولسان قلمه الشيخ شمس الدين أبي عبد الله بن رشيق، والمقابلة عليه، وهو ممسك بأصل الشيخ - ﵀ - والشيخ سليمان يقرأ، وذلك في ثالث شهر جمادي الأولى من سنة ست وثلاثين وسبعمئة).
ويفهم من بيتين كتبهما أنه كان فقيرًا مثله، والبيتان قوله:
_________________
(١) قلت: بعض المخطوطات التي اطلعتُ عليها وجدتُ فيها اسمه واسم أبيه وجدّ أبيه ما يُشبه "ليون" بدل أيوب، فليحرر.
[ ٢١ ]
أيا قارئًا خطي سألتك دعوة إلى الله في عبدٍ مقرٍّ بذنبهِ
عساه يسامحني ويغفر زلتي ويرزقني رزقًا مقيمًا بأهلهِ
ويزيد المتأمل من كونه تلميذًا لأبي العباس بن تيمية ما كتبه في نسخته من (الحموية الكبرى) التي عنون لها بالقول: (المعارج الروحية، القاصدة لمعرفة رب البرية، بالأدلة والنصوص القطعية، والآثار السلفية، المودعة في الفتيا الحموية، إملاء الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية) وتاريخ الفراغ من نسخها السابع والعشرون من رجب ٧٣٠، وقوله: ( غفر الله له ولمن أجاب بها، ولمن تأملها، وأنصف فيها، وامتثل منها ما يجب، وأعرض عن الأهواء والريب، ولسائر المسلمين آمين آمين)، وما قاله قبل شرح حديث النزول الإلهي، من تعبيرات المديح التي يغلب على الظن أنها كلمات هذا التلميذ المحب لشيخه، إذ كانت النسخة التي استنسخ منها هي بخط المؤلف، قال: مسألة سئلها الشيخ الإمام شيخ الإسلام بقية السلف الكرام، قدوة الخلف، فريد عصره ووحيد دهره العالم الرباني المقذوف في قلبه النور الإلهي، موضح المشكلات، مزيل الشبهات بما أيده الله من فهم الآيات البينات والبراهين القاطعات، تقي الدين فأجاب عن أسرار الحديث، وأقوال العلماء، وأزاح كل مشكل، وأبان الحق في ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الجهابذة الأئمة، وبين في ذلك غلط الغالطين، وحذر فيه من زيغ الزائغين، ونفَّر من تشكيك الشاكين، وحث على سلوك طريق السلف الصالح، من الصحابة ومن بعدهم من التابعين، وقوَّى جانب الاتباع، وزيف أقوال أهلى الأهواء والابتداع، في سائر الأزمان والدهور ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور/ ٤٠].
[ ٢٢ ]
* وفي الختام:
أحمد الله على أن يسَّر لي إخراجَ هذه القطعة من هذا الأثر النادر من تراث شيخ الإسلام، وأدعوه سبحانه أن يوفقنا للعثور على بقيته، إنّه ولي ذلك والقادر عليه، وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه
محمد عزير شمس
[ ٢٣ ]