إذا ثبتت الردة على شخص ترتب عليها أحكام أخروية وأحكام دنيوية، وأهم الأحكام المتعلقة بالآخرة حبوط العمل والخلود في نار جهنم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧].
وقال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٩٠].
أما الأحكام المتعلقة بالدنيا فكثيرة نذكر منها:
قتل المرتد.
اتفق الفقهاء على أنه إذا ارتد الرجل وكان بالغًا عاقلًا غير مكره على الردة فإنه يقتل (^١).
وهذا محل إجماع عند المسلمين. قال ابن دقيق العيد: (الردة سبب لإباحة دم المسلم بالإجماع في الرجل) (^٢)
وقال ابن قدامة: (وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتدين. روي ذلك عن أبي بكر، وعثمان وعلي ومعاذ، وأبي موسى، وابن عباس، وخالد، وغيرهم، ولم ينكر ذلك فكان إجماعًا) (^٣).
_________________
(١) المبسوط ١٠/ ١٠٦، الشرح الكبير للدردير ٤/ ٢٧٠، حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير، مواهب الجليل ٦/ ٢٨١، الأم ٦/ ١٥٨، نهاية المحتاج ٧/ ٤١٩، المغني ١٢/ ٢٦٤، كشاف القناع ٦/ ١٧٤، الإنصاف ٩/ ٤٦٢، أحكام الردة والمرتدين ٢٨٦، الردة عن الإسلام ص ١٠٤ لعبد الله قادري.
(٢) كشاف القناع ٦/ ١٦٧.
(٣) المغني ١٢/ ٢٦٤.
[ ٢٤ ]
واستدلوا على ذلك بالحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره قال ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (^١) ويدل على مشروعية قتل المرتد، ورجم الزاني الثيب حتى الموت قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه «لا يَحِلُّ دَمُ امرئٍ مُسلمٍ إلَّا بإحدى ثلاثٍ الثَّيِّبِ الزَّاني، والنَّفسِ بالنَّفسِ، والتَّاركِ لدينهِ المفارقِ للجَمَاعة» (^٢).
ويدل عليه أيضا حديث أبي موسى الأشعري: أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن ثم أرسل معاذ بن جبل بعد ذلك، فلما قدم قال أيها الناس: إني رسول رسول الله ﷺ إليكم، فألقى له أبو موسى وسادة ليجلس عليها، فأتي برجل كان يهوديًا فأسلم ثم كفر، فقال معاذ: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله -ثلاث مرات- فلما قتل قعد (^٣) متفق عليه.
وقال مالك والشافعي وأحمد والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه والزهري والأوزاعي وإسحاق وابن حزم تقتل المرأة إذا ارتدت كالرجل (^٤).
واستدلوا بالأدلة السابقة:
١ - قوله ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» فإن (من) عند أهل اللغة والأصول شاملة للذكر والأنثى.
٢ - والأحكام الثلاثة المذكورة في الحديث الثاني يجب أن تكون كلها شاملة للذكر والأنثى، ولا يؤثر على ذلك ورود لفظ (امرئ) بدليل أن الزانية ترجم إذا كانت محصنة مثل الرجل وكذا القاتلة عمدًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ١٢/ ٢٦٧
(٢) صحيح البخاري بشرحه فتح الباري ١٢/ ٢٠١، صحيح مسلم بشرح النووي ٤/ ٢٤٣، سنن الترمذي ٤/ ١٩.
(٣) صحيح البخاري بشرحه فتح الباري ٨/ ٦٠، وأيضًا، ١٢/ ٢٦٨، صحيح مسلم ٣/ ١٤٥٦ ط فؤاد عبد الباقي، منتقى الأخبار مع نيل الأوطار ٧/ ١٩١
(٤) حاشية الدسوقي ٤/ ٢٧٠، الشرح الكبير للدردير مواهب الجليل ٦/ ١٥٨، نهاية المحتاج ٧/ ١٤٩، المغني ١٢/ ٢٦٤، ٢٦٦، كشاف القناع ٦/ ١٧٤، الإنصاف ٩/ ٤٦٢، المحلى، أحكام الردة والمرتدين ص ٢٨٦، الردة عن الإسلام ص ١٠٤.
[ ٢٥ ]
٣ - في حديث معاذ عندما أرسله رسول الله ﷺ إلى اليمن قال «أيُّما رجُلٍ ارتدَّ عنِ الإسلامِ فادعُهُ فإن عادَ وإلَّا فاضرِب عنقَهُ وأيُّما امرأةٍ ارتدَّت عنِ الإسلامِ فادعُها فإن عادَت وإلَّا فاضرب عنقَها» (^١)، قال الحافظ ابن حجر: سنده حسن (^٢).
٤ - قتل أبو بكر ﵁ في خلافته امرأة ارتدت، والصحابة متوافرون فلم ينكر ذلك عليه أحد (^٣). قال ابن حجر أخرج الدارقطني أثر أبي بكر من وجه حسن (^٤).
وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أن المرأة المرتدة لا تقتل، بل تحبس ويضيق عليها حتى تتوب أو تموت، واستدل بنهي النبي ﷺ عن قتل الكافرة التي لا تقاتل أو تحرض على القتال (^٥).
روى أبو داود بسنده عن رباح بن ربيع قال: «كنَّا معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ في غَزوةٍ فرأى النَّاسَ مُجتَمَعينَ علَى شيءٍ فبعثَ رجلًا، فقال: انظرْ علامَ اجتمعَ هؤلاءِ؟ فجاءَ فقالَ: علَى امرأةِ قَتيلٍ. فقالَ: ما كانت هذِهِ لتقاتِلَ قالَ: وعلَى المُقدِّمةِ خالدُ بنُ الوليدِ فبعثَ رجلًا. فقالَ: قُلْ لخالدٍ لا يقتلَنَّ امرأةً ولا عَسيفًا» (^٦).
والراجح رأي الجمهور؛ وهو قتل المرتدة؛ لقوة أدلته، وسلامتها من الإيراد عليها، ولأن كل واحد من أدلة الجمهور صالح للاحتجاج به على قتل المرتدة بانفراده، فكيف بها مجتمعة؟
_________________
(١) فتح الباري، ١٢/ ١٧٢، نيل الأوطار ٧/ ١٩٣.
(٢) المصدر السابق فتح الباري.
(٣) المصدر السابق.
(٤) المصدر السابق.
(٥) المبسوط ١٠/ ١٠٨ و١٠٩، رد المحتار ٤/ ٢٤٧.
(٦) سنن أبي داود، ٣/ ١٢ تحقيق الدعاس وعادل السيد، العسيف: الأجير والتابع.
[ ٢٦ ]
وأما ما احتج به أبو حنيفة من نهي النبي ﷺ عن قتل المرأة، فيجاب عليه بأن المراد به المرأة الكافرة الأصلية؛ فإنه قال ذلك حين رأى امرأة مقتولة، وكانت كافرة أصلية، وكذلك نهي الذين بعثهم إلى ابن أبي الحقيق (^١) عن قتل النساء (^٢).
ولم يكن فيهم مرتد، ويخالف الكفر الأصلي الطارئ؛ بدليل أن الرجل يقر عليه، ولا يقتل أهل الصوامع، والشيوخ، والمكافيف، ولا تجبر المرأة على تركه بضرب ولا حبس، والكفر الطارئ بخلافه (^٣).
بل إن الديانات الأخرى تجرم الردة، وترتب على المرتد كثيرًا من الأحكام، التي يتوافق كثير منها مع الشريعة الإسلامية في مذهب بعض طوائف تلك الديانات، وتقترب من الشريعة الإسلامية في مذهب طوائف أخرى. فقد ساوت الديانة اليهودية في قانون الأحوال الشخصية للإسرائيليين بين زنا المرأة وخروجها من اليهودية، وأنه تقع الفرقة بذلك بين الزوجين، وأن خروج المرأة من دينها مسقط لحقوق الزوجية التي تنبني على الطلاق (^٤).
وطائفة الأنجيليين من النصارى يرون أنه: (إذا اعتنق أحد الزوجين ديانة أخرى جاز للطرف الآخر أن يطلب الطلاق) (^٥).
كما في المادة ١٨/ ٢ من نظام الأحوال الشخصية.
_________________
(١) هو سلام بن أبي الحقيق، أبو رافع اليهودي، وكان فيمن حزب الأحزاب على رسول الله ﷺ، وكانت الأوس قبل أحد قتلت كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله ﷺ وتحريضه عليه، فاستأذنت الخزرج رسول الله ﷺ في قتل سلام بن أبي الحقيق، وهو بخيبر، فأذن لهم فقتلوه، سيرة ابن هشام ٤/ ٢٣٥.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الجهاد ٩/ ٧٧، وانظر: مصنف عبد الرزاق ٥/ ٢٠٢.
(٣) المغني ١٢/ ٢٦٦.
(٤) انظر المواد: ١٧٧ و١٧٨ و٣٠٥ من نظام الأحوال الشخصية للإسرائيليين. نقلًا عن أحكام الردة والمرتدين ص ٤٢٨.
(٥) أحكام الردة والمرتدين ص ٤٢٨، للدكتور جبر محمود فضيلات.
[ ٢٧ ]
وجاء في المادة ١٤ من أنظمة الأرثوذكس أن (لكل من الزوجين أن يطلب الطلاق إذا ارتد الزوج الآخر عن الديانة النصرانية) (^١).
وفي مجموعة (١٠٥٥) قد نصت في المادة (٤٩) منها على أنه يفسخ الزواج إذا خرج أحد الزوجين عن الدين المسيحي) (^٢).
وكذلك فإن الدستور الفرنسي الصادر في إبريل عام ١٩٤٦ م قد قيد حرية الرأي المنصوص عليها في المادة ١٤ منه بعدم إساءة استعمال هذا الحق، حتى لا يؤدي ذلك إلى مخالفة المبادئ التي نص عليها إعلان الحقوق الذي تضمنه ذلك الدستور، والمستند إلى المنطق الفردي التقليدي (^٣).
وفي الشريعة الإسلامية اتفق الفقهاء على أنه إذا ارتد أحد الزوجين بطل عقد الزواج؛ سواء كانت الردة من الزوج أو من الزوجة (^٤)، وبناءً على أن ما ذهب إليه الكاتب من إنكاره لحجية الأحاديث الشريفة، وإقامة حد الردة وهو قتل المرتد، الذي تطبقه المملكة العربية السعودية ويطبقه كل من يقيم شرع الله على أرضه مصادم للأدلة الشرعية من القرآن والسنة التي سبق بيانها، وقائله يريد أن يشرع في الدين ما لم يأذن به الله، فقوله هذا مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية، وليس من الإسلام في شيء، وهو من اتباع الهوى، وسعي في نقض عرى الإسلام عروة عروة. قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] وقال تعالى:
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) المصدر السابق، ما أوردته عن اليهودية والمسيحية ليس المقصود منه إجراء مقارنة، وإنما المقصود منه بيان أن تجريم المرتد ليس قاصرًا على الإسلام ولكنه كذلك في الديانات الأخرى.
(٣) الحريات العامة في الإسلام ص ٢١٥، للدكتور محمد سليم محمد غزوي.
(٤) المبسوط ٥/ ٤٩، رد المحتار على الدر المختار ٣/ ٣٩٢، المدونة ج ٤ ص ٣١٥، الأم للإمام الشافعي ٥/ ٥٧، كشاف القناع ٥/ ١٢١.
[ ٢٨ ]
﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]
إن حكم قتل المرتد الذي تطبقه المملكة العربية السعودية وكل من يحكم بالشريعة الإسلامية هو تطبيق لحكم الله المبلغ من رسول الله ﷺ، وليس من فتاوى جاهزة كما يقول الكاتب.
وقول الكاتب: (إنه لمن المخجل أن يدافع عدد من الدول الإسلامية عن عقوبة الإعدام).
فإننا نقول له: إن هذا إرجاف وتهويل لا مبرر له، وإن المخجل حقًا أن من ينسب نفسه للإسلام، ويتكلم باسم الإسلام يتنكر لأحكام الإسلام، ويريد أن ينسخ بهواه ما أثبتته الأدلة الشرعية، وأجمع عليه علماء الملة عبر العصور، ويريد أن يلصق بالإسلام ما ليس منه.
وما ذكره عن منظمة العفو الدولية إن صح ما ذكره عنها فجوابنا عليه: أنه لا صحة مطلقًا لما يقال من الرعب والظلم الجاثم على المملكة العربية السعودية، وإنما فيها العدل والأمن والاطمئنان الذي يشهد به القاصي والداني، والذي هو من آثار تطبيق الشريعة الإسلامية. علمًا أنه منذ أكثر من خمسة وخمسين عامًا من نشر هذا الكتاب لم يقتل بسبب الردة في المملكة العربية السعودية سوى حالة واحدة، فأين ما تقوله من تكاثر جرائم الإعدام في المملكة بهذا الخصوص؟
إن تطبيق العقوبات التي شرعها الله في كتابه أو على لسان رسوله إنما هي لغرض التقويم والإصلاح، وإنها زواجر وجوابر؛ بمعنى أنه يثاب عليها المسلم في الآخرة، وتزجره في الدنيا.
وبالنسبة للمرتدين فإن المشكلة لا تنتهي عند هذا الحد، بل تطبق عليهم أحكام الردة في المعاملات فلا يرثهم أقاربهم، ولا يرثون من أقاربهم، مما يؤدي إلى
[ ٢٩ ]
هدم وحدة أسرته ومعاملاته، فلا ينحصر أثر الردة في الميدان الحقوقي المدني، بل لابد أن يمتد أثرها إلى الجانب الجزائي، لينال المرتد العقوبة الجنائية التي يستحقها؛ فإذا عرف العقوبة، وأنها ستطبق بحقه، لم يقدم على الاستهتار بدين الحق، ولم يتسبب في تشتيت أسرته (^١).
ولأن المرتد ترك الحق بعد معرفته، واعتدى على العقيدة التي هي أقوى أسباب الأمن، فالمرتد يقتل لتبديله الدين الحق وتركه له، ومفارقة جماعة المسلمين، ولما كان عثرة في سبيل انتشار الدين وجبت إماطته كما يماط الأذى عن الطريق، وقتله ليس عقوبة على الكفر في ذاته؛ لأن غير المسلمين من اليهود والنصارى قد كفل لهم الإسلام حرية العقيدة وحمايتها من غير إكراه ولا تضييق، فلابد أن يكون هذا القتل عقوبة على الخيانة الكبرى والمكيدة الدينية التي ادعى معها المرتد اعتناق الإسلام، ثم أعلن الخروج منه للطعن فيه والإساءة إليه (^٢)، وحتى لا يكون الدين ألعوبة للملاحدة والزنادقة فيغتر بهم غيرهم من ضعاف الإيمان ولسد الطريق على العابث الذي يدخل في الدين خداعًا ثم يخرج منه للتنفير منه، كما حاول بعض اليهود هذه الخدعة زمن النبي ﷺ فأنزل الله فيهم قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢] أي لعل المسلمين إذا رأوا ذلك يرجعون عن دينهم.
_________________
(١) أحكام الجريمة والعقوبة في الشريعة الإسلامية ٣٩٩ - ٤٠٣ بتصرف يسير، الحرية في الإسلام ص ٥٥، ٥٤ للسيد محمد الخضر بن الحسين.
(٢) معالم الشريعة الإسلامية ص ١٩٩، للدكتور صبحي الصالح، الحريات العامة في الإسلام ص ٦٨، ٦٩، للدكتور محمد سليم غزوي.
[ ٣٠ ]
لأن حفظ الدين هو حفظ المجتمع بكامله؛ إذ إن الشريعة بكل ما اشتملت عليه من الأحكام التكليفية إنما هي أثر من آثار العقيدة، فكلما قويت العقيدة تأكد هذا الجانب التشريعي، ورسخت جذوره عن طريق التطبيق العملي، ولهذا فإن حفظ الدين أول الضرورات في المقاصد واجبة الحماية.
ولا مانع من أن يكون حكم قتل المرتد في الإسلام متفقًا مع ما جاء في شريعة عيسى ﵇، كما استشهد له الكاتب بما جاء في الإنجيل وهو (فالذي يكفر باسم ربك يقتل ويرجمه جميع أفراد الجالية) (الكتاب ١٦/ ٢٤) وكذلك ما جاء فيه (فلنعبد آلهة آخرين … نرجمه ويموت) (١٣: ٢١٩)
حكم قتل المرتد لم يلجأ إليه الفقهاء لا في القرون الوسطى، ولا في غيرها، تحت تأثير الإنجيل كما زعم الكاتب؛ لأن الإسلام ناسخ لجميع ما قبله من الأديان، والملل، والشرائع قال تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ (آل عمران: ١٩)
ولكن هذا حكم الله بلغه رسوله ﷺ، وطبقه الصحابة رضوان الله عليهم، والمسلمون في جميع العصور، تنفيذًا لأمر الله، وأمر رسوله، كما طبقوا جميع الأحكام الشرعية الأخرى.
ومن الغريب أن يكون تطابق شهادتين موجبا لتساقطهما -في نظر الكاتب- بدلًا من أن يكون موجبًا لزيادة الثقة فيهما.
إن قسوة عقوبة الردة تضفي الحماية على التدين الحقيقي فتحول دون عبث العابثين بالأديان عامة؛ لأن ظاهرة الاستهتار التي برزت في ظل الحضارة الصناعية المعاصرة أصبحت تشكل خطرًا على جميع الأديان لا على دين واحد.
[ ٣١ ]
فأصبحنا نرى من يتظاهر بالخروج من دينه لطلاق امرأة وزواج أخرى، أو لمصلحة معينة، فيسجل دخوله في الإسلام وذلك تهربًا من الالتزامات التي يفرضها عليه ذلك الدين الذي خرج منه، وبعد أن يحقق مصالحه الشخصية يعود إلى دينه الأصلي، مستهترًا بجميع الأديان، متحايلًا للتخلص من الالتزامات بهذه الأساليب؛ فليست الحرية الدينية هي هذا العبث؛ إنما الحرية الدينية أن يدخل الدين مختارًا صادقًا مؤمنًا به.
ويعتبر المرتد مهدر الدم من وجهين: أولهما: أنه كان معصومًا بالإسلام، فلما ارتد زالت عصمته فأصبح مهدرًا؛ وأساس العصمة بالإسلام قوله ﷺ «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَقولوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنِّي رسولُ اللهِ فإذا قالوها عَصَموا منِّي دماءَهُم، وأموالَهُم إلَّا بحقِّها، وحسابُهُم على اللهِ» (^١).
ثانيهما: أن عقوبة المرتد في الإسلام القتل حدًا، وفي القول الآخر أنه يقتل كفرًا، وعلى القولين لا يجوز العفو عنها ولا تأخيرها (^٢) إلا فترة استتابته.
_________________
(١) صحيح البخاري بشرحه فتح الباري ١/ ٧٥، صحيح مسلم بشرح النووي ١/ ١٧٧.
(٢) التشريع الإسلامي الجنائي ١/ ١٨، لعبد القادر عوده، الحدود في الفقه الإسلامي ص ١١٦ للدكتور عبد الحكيم علي المغربي الموسوعة الفقهية ١٧/ ١٣١.
[ ٣٢ ]