يظهر من كلام الكاتب - هدانا الله وإياه - أنه يقصر الاستدلال على القرآن، ولا يرى الاحتجاج بالسنة على إقامة حد الردة، ولذا فهو يعتمد في مقاله المذكور على ميزان غريب بل بالغ الغرابة في ميدان البحث العلمي.
إذ من المعروف أن العالم أو الكاتب المخلص يتجرد عن كل هوى وميل شخصي فيما يريد البحث عنه، ويتابع النصوص والمراجع الموثوق بها، فما أدت إليه بعد المقارنة والتمحيص كان هو النتيجة الحتمية التي ينبغي عليه الوصول إليها والقول بها. ولكنه حمل في ذهنه فكرة معينة فأثبتها بدون دليل، بل قبل البحث عنها وعن دليلها، بل إنه في سبيل إثباتها أنكر الأدلة الصحيحة الصريحة؛ لأنها مصادمة لهواه.
وقد زاد عمله سوءًا واضطرابًا المنهج الاستشراقي الذي درج عليه والتزم به، وذلك بإخضاعه النصوص لأفكاره المسبقة، وأهوائه المتحكمة، يختار منها ما يقبله، ويرفض ما يجده مناقضًا لما يريد، ثم تحريفه لما يعتمد منها.
إن السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، ولا يشكك في حجيتها إلا جاهل أو منافق، وموقف أمثال هذا الكاتب قد وصفه الرسول ﷺ في معرض الذم لمن يتنكرون لسنته، وبين فيه أن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله، فعن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله ﷺ قال «ثم يوشك الرجل متكئًا على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله
[ ١١ ]
﷿ فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله» (^١).
ولمناقشة هذا الكاتب نقول له: مادام أنك لاتزال تعترف بحجية القرآن فإليك بعض النصوص القرآنية الواضحة الدالة على وجوب العمل بالسنة ونفي الإيمان عمن لا يحتكم إليها، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] والرد إلى الله هو الرد إلى القرآن الكريم، والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، وإلى سنته ﷺ بعد وفاته. وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ
أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١].
فهذه الآيات الكريمات توجب التحاكم إلى رسول الله ﷺ، وتنفي الإيمان عمن لم يحتكم إليه.
وهي تتناول الموضوع الأساس في حياة الأمة المسلمة، إنها تتناول بيان شرط الإيمان وحده، وتحدد الجهة التي تتلقى منها الأمة المسلمة منهج حياتها، إن الرسل
_________________
(١) أخرجه الترمذي ٥/ ٣٧ وقال حديث حسن صحيح، جامع الترمذي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق أحمد شاكر، وأبو داود ٤/ ٢٠٠، والحاكم في المستدرك، وصححه، ووافقه الذهبي، ١/ ١٩١ - ١٩٢، وابن حبان وصححه، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، ١/ ١٠٧.
[ ١٢ ]
أرسلت لتطاع - بإذن الله لا لمجرد الإبلاغ والإقناع ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤].
وما دمت تعتقد أن القرآن الكريم كلام الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ لزمك أن تعتقد بعدم إمكان الفصل بين كتاب الله وسنة رسوله ﷺ التي هي تفسير وتطبيق عملي للقرآن.
وإن الناس لا يؤمنون إلا إذا تحاكموا إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾؛ إذ لا يكفي أن يتحاكموا إليه ليكونوا مؤمنين، بل لابد من أن يتلقوا حكمه ﷺ مسلّمين راضين ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي ينقادوا لأمرك في القضاء، وقوله: تسليما مصدر مؤكد، أي ويسلموا لحكمك تسلميًا لا يدخلون على أنفسهم معه شكًا.
فهذا النص يتحدث عن المنافقين الذين لا ينتفعون بآيات الله المبينات ولا يهتدون، فهؤلاء لا يتأدبون بأدب المؤمنين في طاعة رسول الله ﷺ وفي الرضا بحكمه والطمأنينة إليه، ويوازن بينهم وبين المؤمنين الصادقين في إيمانهم، فآيات الله مبينة كاشفة تجلو نور الله، وتكشف عن ينابيع هداه وتحدد الخير والشر، والطيب والخبيث.
ومع أن في القرآن الكريم، وسنة الرسول ﷺ ما يكفي ويشفي لرد زعم الكاتب وأمثاله، إلا أنه لا مانع من أن نورد له بعض أقوال المستشرقين المعتدلين، أو ممن اضطروا أن يعترفوا بالحقيقة؛ لاعتقادنا أن أقوالهم ستجد قبولًا لديه، ولدى أمثاله.
يقول المستشرق محمد أسد ليويولد قابس والذي تسمى ب (محمد) بعد أن هداه الله إلى الإسلام: (إن العمل بسنة رسول الله هو عمل على حفظ كيان
[ ١٣ ]
الإسلام وعلى تقدمه، وإن ترك السنة هو انحلال الإسلام .. لقد كانت السنة الهيكل الحديدي الذي قام عليه صرح الإسلام، وإنك إذا أزلت هيكل بناء ما، أفيدهشك أن يتقوض ذلك البناء كأنه بيت من ورق؟ (^١).
(إن حياته ﷺ العجيبة كانت تمثيلًا حيًا وتفسيرًا لما جاء في القرآن الكريم، ولا يمكننا أن ننصف القرآن الكريم بأكثر من أن نتبع الذي قد بلغ الوحي (^٢).
وقد سئلت عائشة ﵂ عن خلق رسول الله فقالت: «كان خُلقُهُ القُرآنَ (^٣)».
وفي الحقيقة يجب علينا أن نعتبر أن السنة هي أهم تفسير لتعاليم القرآن الكريم، والوسيلة الأساسية لاجتناب الخلاف في تأويل تلك التعاليم وتطبيقها في الحياة العملية (^٤).
ويقول محمد أسد أيضًا: (إن تفكيرنا يقودنا حتمًا إلى أنه ليس ثمة حكم فيما يتعلق بالتأويل العملي لتعاليم القرآن الكريم أفضل من الذي أوحيت إليه هذه التعاليم هدى للعالمين، إن التعبير الذي يتردد على مسامعنا اليوم كثيرًا: لنرجع إلى القرآن الكريم، ولكن يجب ألا نجعل من أنفسنا أتباعًا مستعبدين للسنة يكشف بكل بساطة عن جهل للإسلام، إن الذين يقولون هذا القول يشبهون رجلًا يريد أن يدخل قصرًا ولكنه لا يستعمل المفتاح الأصلي الذي يستطيع به وحده أن يفتح الباب (^٥).
_________________
(١) الإسلام على مفترق الطرق ص ٨٧.
(٢) المصدر السابق ص ٨٨.
(٣) مسند الإمام أحمد ٦/ ٩١.
(٤) الإسلام على مفترق الطرق ص ٩٠.
(٥) المصدر السابق ص ٩١.
[ ١٤ ]
وما دمنا نعتقد أن القرآن الكريم كلام الله تمامًا في مبناه ومعناه، فالنتيجة المنطقية لذلك أنه لم يُقصد به قط أن يكون مستقلًا عن هداية الرسول الشخصية على ما هي مبسوطة في السنة.
وقد قال المستشرق سنوك هركرونيه: «إنه ليس من السداد في شيء إنكار حديث لا يمكن تبيين السبب الذي يقال إنه وضع لأجله ولا توجد علة تاريخية تقتضيه» (^١).
وقد اعترف المستشرق البروفيسور نيكولون بقول ابن قتيبة: «إنه ليس لأمة سنة مثل سنتنا» (^٢).
والأستاذ ونسنك، أستاذ كرسي اللغة العربية بجامعة لندن، والذي قام بنشر المعجم المفهرس لألفاظ الحديث نقل له الدكتور علي عبد القادر بحثًا عن الدور الذي قام به أهل الحديث، ذكر فيه جهودهم في دراسة الحديث ونقده، ورد على من زعم من المستشرقين أن الحديث من وضع أهلي القرنين الأول والثاني وأثبت فساد هذا الزعم (^٣).
ولتصوير الحقيقة على الوجه الصحيح لابد أن نذكر أن من وظيفة الرسول ﷺ كما صرح بذلك القرآن - أن يبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] ولا شك في كونه قد قام بذلك على الوجه الأكمل، وواجب على المسلم أن يلتزم بما جاء عن رسول الله ﷺ وإلا فما فائدة أوامره ونواهيه، وبالتالي ما فائدة رسالته.
_________________
(١) حاضر العالم الإسلامي ١/ ٤٥ تأليف لو ثروب ستودار الأمريكي، نقله إلى العربية عجاج نويهض، تعليق الأمير شكيب أرسلان.
(٢) تاريخ الحديث باللغة الأوردية ص ٧١ و٧٢ لعبد الصمد صارم الأزهري.
(٣) نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ص ١٣١، للدكتور علي عبد القادر، وانظر: الإسلام والمستشرقون ص ١٧٥ لنخبة من العلماء.
[ ١٥ ]
وفي القرآن أحكام مجملة كثيرة كأحكام الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما لا نعلم ما ألزمنا الله تعالى فيه بلفظه، فالصلاة لم يأت في القرآن بيان أنواعها، وأوقاتها، وعدد ركعاتها، لكن بينها النبي ﷺ في السنة، فإذا كان بيانه ﵇ لذلك المجمل غير محفوظ، ولا مضمون سلامته مما ليس منه، فقد بطل الانتفاع بنص القرآن، فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا منه، فإذن لم ندر صحيح مراد الله منها.
إن القول بعدم حجية السنة من أخطر القوارع لدك الدين من أساسه، وإلغاء ما بينه وبين غيره من مميزات وفروق، قصد طي آثار الحضارة الإسلامية، وإذابة المجتمع الإسلامي، والقضاء على هويته ومقوماته، وهذا منكر من القول، وكفر وتعطيل لأحكام الله وشريعته. وتصوير الإسلام بما يتفق وأغراضهم، ويخدم ميولهم ومصالحهم، لا بما أراده الله من إرساء قواعد العدل والأمن والسلم والمساواة وبناء الحياة الإنسانية على المنهج الرباني الذي دعت إليه الرسالة (^١).
وقد أجمع الصحابة ومن بعدهم على العمل بالسنة، وكذلك أئمة الدين وعلماء الأمة (^٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيميه: «هؤلاء يعتمدون السنة ولا يتعمدون مخالفة رسول الله ﷺ في شيء من سنته دقيق ولا جليل، وإنهم متفقون اتفاقًا يقينًا على وجوب اتباعه، وعلى أن كل واحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ (^٣).
_________________
(١) السنة في العصر الحديث، بحث للدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة، منشور في مجلة المجمع الفقهي الإسلامي، العدد التاسع، ص ٦٦.
(٢) الإحكام ٦/ ١٢١ لابن حزم.
(٣) رفع الملام عن الأئمة الأعلام، ص ٤، وانظر السنة في العصر الحديث ص ٣٧.
[ ١٦ ]
أما إصدار الأحكام بناءً على ما يراه العقل البشري فهو مرفوض، إلا إذا لم يصادم نصًا من القرآن الكريم أو السنة النبوية المطهرة، أو إجماع العلماء، وبشرط أن يكون خاضعًا لقواعد الشريعة، غير متعارض مع مقاصدها.
ومن الثابت أن القوانين التي يضعها البشر لا تخلو من التأثر بالأهواء المضلة عن سبيل الله، المتحيزة إلى جانب دون جانب، أما شرع الله فقد وضعه خالق الناس الذي هو أعلم بحالهم وما يصلحهم، وضعه من لا يتأثر بالأهواء.