الحمد لله رب العالمين القائل ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] والقائل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]
والصلاة والسلام على نبينا محمد القائل ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه (^١) وبعد:
فقد اطلعت على مقال منشور في مجلة جون أفريك الفرنسية في عددها ٢٠٥٧ وتاريخ ١٣/ ٦/ ٢٠٠٠ م للكاتب محمد طالبي (^٢)، والمعنون بـ (كل ما يتضمنه القرآن يدعو إلى حرية الفكر).
وقد تعرض الكاتب لعدد من المسلمات في الشريعة الإسلامية فردّها واستهجنها؛ لأنها على حد زعمه لا تتفق مع حرية الفكر التي ينص القرآن بكل وضوح عليها، ويرى أن الأخذ بما عليه السلف جمود وعبودية.
ومما جاء في المقال المذكور: «إنه لمن المخجل أن يدافع عدد من الدول الإسلامية عن عقوبة الإعدام، ليس فقط لجرائم فظة يكون لها ما يبررها، ولكن أيضًا لجرائم الفكر والضمير» ويقول: «إن كل ما في القرآن يدعو إلى حرية الفكر، وإنه رحمة ورأفة وكل شيء في القرآن يدعو إلى العفو، وكل الشريعة التي هي من عمل الإنسان تركز على استخدام العنف».
_________________
(١) أخرجه أبو داود ٤/ ٢٠٠ من حديث المقدام بن معد يكرب، دار الفكر، تحقيق محمد محيي الدين. وأخرجه الإمام أحمد في المسند، ٢٨/ ٤١٠، رقم الحديث (١٧١٧٤)، وابن عبد البر في التمهيد ٤/ ١٤٩ و١٥٠. قال الألباني، وشعيب الأرناؤوط إسناده صحيح انظر المسند، تحقيق الأرناؤوط وآخرون، ٢٨/ ٤١٠، رقم الحديث (١٧١٧٤)، سلسلة الأحاديث الصحيحة ٦/ ٢/ ٨٧٠ و٨٧١.
(٢) محمد طالبي وزير سابق في الحكومة التونسية، ثم استوطن فرنسا.
[ ٧ ]
ويقصد بحرية الفكر، حرية التدين بالنسبة للمسلمين، واستشهد بقوله تعالى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] حيث يستنكر قتل المرتد عن الإسلام، ويقول: «فالتطرف الديني ينتشر بسرعة عندما يهيء الفقر المادي والفكري الظروف الملائمة له، خاصة أن له رعاة أغنياء وكرماء في الوقت الذي لا يملك فيه الإسلام الحديث لا الوسائل ولا المال أو وسائل التعبير».
ويقول: «وقد نشرت منظمة العفو الدولية تقريرًا يدين بصراحة نظام الرعب والظلم الجاثم على المملكة العربية السعودية؛ حيث تطبق الشريعة حرفيًا، الأمر الذي يقود إلى تكاثر أحكام الإعدام في كل المجالات؛ جرائم اغتصاب تجارة المخدرات، والردة بالطبع».
ويقول (فالسنة التي يجب التحقق من صحتها نسبة لكثرة التفاسير، هي شيء قابل للطعن في صحته، ويظل القرآن هو وحده الذي يرجع إليه).
ويقول: لا توجد عقوبة إعدام المرتد في القرآن وهي واردة في الإنجيل. ونسبة لعدم وجود أي مرجعية لها في القرآن، وتحت تأثير الإنجيل، دون أدنى شك، فقد لجأ الفقهاء في القرون الوسطى لتبرير القتل بسبب الردة عن طريق السنة، وتبعًا لتقليد متقن فقد نسبوا إلى النبي ﷺ القول التالي (اقتلوا من بدل دينه)، وأصبح هذا السلاح ضروريًا لكل حاكم ومتمرد وإرهابي، ولم تطعن في صحته أي سلطة دينية رسمية في أي بلد مسلم، وذلك خوفًا من التعرض لنفس مصير سلمان رشدي).
وبناءً على ما تقدم يتضح أن الكاتب قد وقع في عدة مخالفات هي:
* إنكاره الاحتجاج بالسنة، واتهامه الفقهاء بنسبة أحاديث إلى الرسول ﷺ لم يقلها.
[ ٨ ]
* إنكاره قتل المرتد وتجار المخدرات.
* وصف البلدان التي تطبق الشريعة الإسلامية بالوهابية، وهو وصف يقصد به التشدد الممقوت الذي يخرج عن سماحة الإسلام ويسره؛ لما قر في ذهنه وأذهان من هم على شاكلته بسبب الدعاية المغرضة ضد الدعوة الإصلاحية التي قادها الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ حيث يصفونها بالتشدد والقسوة مع أنها لا تطبق إلا أحكام الشرع التي كلها عدل ورحمة.
_ ادعاؤه مخالفة المملكة العربية السعودية لحرية الفكر التي دعا إليها القرآن الكريم، واستنكاره عدم توقيعها على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
ونظرًا لخطورة هذه المخالفات، وسوء أثرها على الإسلام وأهله كتبت مقالًا فيه رد على الكاتب، أرسلته إلى مجلة جون أفريك الفرنسية، ثم رأيت بسط المقال المذكور فألفت هذا الكتاب مستعينًا بالله، قاصدًا بيان الحق، في ضوء القرآن الكريم والسنة الشريفة، وبقية الأدلة المعتبرة، دونما أي تعصب أو تحيز. وقد سميته: (حدود حرية الفكر في الشريعة الإسلامية)، وقدمت الكلام على السنة، وقتل المرتد؛ لأنهما موضوع احتجاج وتمثيل عند الكاتب لعدم وجود حرية الفكر في بعض البلدان الإسلامية حسب زعمه، وفي نفس الوقت هما تمهيد لحرية الفكر في الشريعة الإسلامية، وقد جعلته بعد هذه المقدمة في ثلاثة مباحث وخاتمة:
* المبحث الأول: في السنة، وفيه مطلبان:
- المطلب الأول: حجية السنة.
- المطلب الثاني: مناقشة اتهام الفقهاء بنسبة أحاديث إلى الرسول لم يقلها.
* المبحث الثاني: حكم المرتد وتجار المخدرات.
* المبحث الثالث: حرية الفكر في الشريعة الإسلامية.
[ ٩ ]
* الخاتمة: وفيها أهم نتائج البحث.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
تم الانتهاء من أصله في عام ١٤٢٢ هـ/ ٢٠٠١ م، وتمت مراجعته وإعداده للنشر بالعوالي في مكة المكرمة يوم الثلاثاء ٢٢/ شعبان/ ١٤٤٤ هـ الذي يوافقه ١٤/ مارس/ ٢٠٢٣ م.
[ ١٠ ]