على الرغم من أن مفهوم القانون الدولي لحقوق الإنسان من حيث هو مفهوم قانوني ودستوري يستند إلى الشرعية الدولية، فإن هناك تعارضًا كبيرًا بين الشرعية الدولية لحقوق الإنسان وبين التفسير والتطبيق الغربيين لهذه الشرعية ولتلك الحقوق، وهذا من التناقضات الصارخة، وفي ذلك من المفارقات القدر الذي يجعلنا نتردد في التسليم بعالمية حقوق الإنسان وفق التطبيق الغربي لها؛ إذ إنه على الرغم من اعترافنا بالشرعية الدولية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإن ذلك لا ينفي الحرص على أن تُراعى الخصوصيات الثقافية التي تقرها المواثيق الدولية في تفسير مواد هذا الإعلان العالمي، ولا يجوز أن يكون تطبيق تلك الحقوق غير عادل وشامل يميز فيه بين شعب وآخر (^٢).
وتأسيسًا على ذلك، فإننا نؤكد على ضرورة احترام الخصوصيات التي جاءت بها الأديان السماوية، والتي تقرها المواثيق الدولية.
إن لحقوق الإنسان بعدًا ثقافيًا يتركز في طبيعة المرجعية التي تنبع منها حقوق الإنسان، وهل هي حقوق غربية المنبع، أم أنها عالمية الأبعاد (^٣)، ومن الطبيعي أن لا
_________________
(١) عقدت هذه الندوة في الرياض في ٧ صفر عام ١٣٩٢ هـ ٢٢ مارس ١٩٧٢ م. وطبعت نتائجها في كتيب بعنوان: ندوة علمية في الرياض حول الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان في الإسلام، فيما بين فريق علماء المملكة العربية السعودية وبين آخرين من كبار رجال الفكر والقانون في أوربا. نشر دار الكتاب اللبناني بيروت. ص. ب ٣١٧٦.
(٢) حقوق الإنسان في التعاليم الإسلامية ص ١٢.
(٣) الغرب والعرب وحقوق الإنسان، الكويت ١٩٩٧، ص ١٤، للدكتور غانم النجار.
[ ٤٩ ]
يكون هناك قبول مطلق لعالمية حقوق الإنسان وقابليتها للتطبيق، وذلك بحكم الطبيعة الإنسانية التي من مظاهرها التنوع الثقافي بين شعوب العالم، وإن العديد من المفكرين والحكماء أخذوا يعارضون التوجه الغربي الهادف إلى فرض التفسير والتطبيق الغربيين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان على العالم (^١)، ويوجهون نقدًا صريحًا للأسس التي تقوم عليها عولمة حقوق الإنسان، التي تعتمد ازدواجية المعايير وتفرضها على الأمم والشعوب سياسة متبعة تتسم بروح الهيمنة.
وفي التعاليم الإسلامية، فإن هذه الازدواجية غير مقبولة، بأي وجه من الوجوه؛ لأنها افتئات على الحقوق، ولأنها تتنافى مع مبدأ العدل الذي هو أساس التعامل الإنساني السليم، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات، أو على مستوى العلاقات الدولية.
ولذلك فإن عالمية حقوق الإنسان بالمفهوم الغربي الخاضع للهيمنة التي تحدو القوى العظمى أمر لا ينسجم مع روح القانون الدولي من جهة، ولا يتفق وطبيعة التنوع الثقافي الذي هو من مصادر التشريع لدى العديد من الشعوب من جهة ثانية، فإن حقوق الإنسان في التعاليم الإسلامية -كما أسلفنا- هي حقوق لكل البشر، لا للغني دون الفقير، ولا للقوي دون الضعيف، وإنما هي حقوق جعلها الله مكفولة لكل إنسان، لا تتقيد إلا بالضوابط الشرعية المحكومة بالنصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة.
إن سبق الإسلام إلى كفالة حقوق الإنسان، ينبغي أن يكون حافزًا لنا على القيام بمراجعة شاملة ودقيقة لأحوالنا وأمورنا كلها، خاصة ما يتصل منها بتطبيق التعاليم الإسلامية في مجال حقوق الإنسان (^٢).
_________________
(١) المصدر السابق، فصل (حقوق عالمية أم خصوصية ثقافية، هل يصلح الغرب حكمًا؟).
(٢) المصدر السابق ص ١٢ - ١٤.
[ ٥٠ ]
(والخلاصة إن حقوق الإنسان في الإسلام - وهي جزء من الدين الإسلامي جاءت في أحكام إلهية تكليفية، ولذلك فإننا يجب أن نحذر الوقوع في مقارنات لا معنى لها بين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي هو نتاج بشري وبين الإسلام الذي هو رسالة سماوية) (^١).
وهذا ما لم تصل إليه -بعدُ- نصوص (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان)، ولا نصوص (الميثاق الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) للإنسان، بل ظلت هذه النصوص الدولية في مرتبة التوصيات الأدبية التي لا ضامن لها من الضمانات التشريعية، لا على المستوى الدولي ولا على المستوى القومي، وهذه هي أولى تحفظات المملكة العربية السعودية على الميثاقين بصورة عامة.
ولذلك كله تحرص المملكة العربية السعودية على أن لا تهبط في هذه الحقوق إلى مستوى التوصيات التي لا ضامن لها، وأن تبقى مستمرة في العمل بها على أساس الشريعة الإسلامية، وكما أنه سبحانه نظم لعباده أمور معاشهم من بيع وشراء ونكاح وطلاق ومواريث وعدد وغير ذلك مما هو شامل لأدق تفاصيل الحياة، فقد شرع سبحانه لمن أراد الإخلال بشرعه أو تخويف عباده أو نشر الرذيلة والفاحشة بين خلقه عقوبات رادعة تكون طهرة له وعلاجًا ونجاة للمجتمع وحياة، فشرع القصاص والحدود والتعزيرات؛ لتكون الأمة أشد تمسكًا بدينها، وأبعد عن الجريمة، وأوثق في الصلات والروابط بين الأفراد، فهذه الشريعة جاءت بما يصلح العباد والبلاد ويقطع دابر الفساد .. ويجب أن يُعلم أن تحكيم الشريعة فرض فرضه الله على عباده المؤمنين لا محيد لهم عنه ولا خيار لهم فيه
_________________
(١) المصدر السابق ص ١٤.
[ ٥١ ]