يقول سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ويقول سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. والإسلام معناه الاستسلام والانقياد لأوامر الله.
ولما كان العقل أعظم ما يمتاز به الإنسان عن غيره من الحيوانات؛ لأنه يميز به بين الضار والنافع والقبيح والحسن، ويدفع صاحبه إلى فعل الفضائل واجتناب الرذائل. ولذا سمي عقلًا، لأنه يعقل صاحبه عن فعل القبائح، وسمي حجرًا لأنه يحجره كذلك عما لا يليق، وسمي نُهى ولبا، وكلها أسماء تدل على شرف العقل وقيمته؛ لأن فيه أمانًا للإنسان في خاصة نفسه من أن يناله أذى من غيره، وأمانًا لغيره أن يناله أذى منه، ولأن الإسلام يأمر بحفظ الضرورات الخمس وهي الدين والنفس والنسل والعقل والمال، واستعمال المخدرات وترويجها ضار بالعقل، فقد صدر قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية برقم ١٣٨ وتاريخ ٢٠/ ٦/ ١٤٠٧ هـ متضمنًا ما يلي:
أولًا:
بالنسبة لمهرب المخدرات فإن عقوبته القتل؛ لما يسببه تهريب المخدرات وإدخالها البلاد من فساد عظيم لا يقتصر على المهرب نفسه، وأضرار جسيمة وأخطار بليغة على الأمة بمجموعها، ويلحق بالمهرب الشخص الذي يستورد أو يتلقى المخدرات من الخارج يمون بها المروجين.
[ ٥٢ ]
ثانيًا:
أما بالنسبة لمروج المخدرات فقد أكد المجلس قراره رقم (٨٥) بتاريخ: ١١/ ١١/ ١٤٠١ هـ الذي نص على أن: «من يروج المخدرات فإن كان للمرة الأولى فيعزر تعزيرًا بليغًا بالحبس أو الجلد أو الغرامة أو بها جميعًا، حسبما يقتضيه النظر القضائي، وإن تكرر منه ذلك فيعزر بما يقطع شره عن المجتمع ولو كان بالقتل؛ لأنه بفعله هذا يعتبر من المفسدين وممن تأصل الإجرام في نفوسهم».
ويستطرد الكاتب قائلًا (يبررون قطع الرأس عقوبة للردة ويطلقون العنان للفتاوى الجاهزة والآراء الشخصية المجردة من أي قيمة قانونية أو دينية، والنابعة من الجهل والعبودية للسلف، والتي تحث على ارتكاب الجرائم وتبريرها وديمومتها، وتلعب المملكة العربية السعودية دورًا رائدًا في هذا المجال وتحاول تصدير نموذجها لجميع أرجاء العالم).
وإضافة لما سبق من بيان حكم قتل المرتد فإن جوابنا على قوله هذا ما أوضحه صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية ﵀ إذ قال: (إن أرقى دول العالم في الحضارة والتقدم الصناعي والتعليم، لتفقد أعظم متطلبات المجتمع المعاصر الذي يتلهف على الأمن، ولكن بلادنا بفضل توفيق الله لنا في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، حصلت على ما فات دول العالم المتمدن، أمنًا واستقرارًا وسعادةً وطمأنينةً نفسية).
إن حال المفسدين في جزيرة العرب أمر كان مشهورًا للناس في العالم الإسلامي وغير الإسلامي، ويتناقل أنباءه الحجاج والوافدون لهذه الجزيرة من مسلمين ومستشرقين، وعندما قامت الدولة السعودية مطبقة لأحكام الإسلام
[ ٥٣ ]
اختفى أولئك المفسدون، وزال ظل الخوف والرعب عن النفوس وصار المسافر يذهب على راحلته ثم سار في سيارته بما عليها من أموال، ولا يخشى إلا الله ﷾؛ فقد أثر في نفوس الناس قتل القاتل وقطع يد السارق ورجم الزاني؛ إذ أثبتت إقامة هذه الحدود أثرها في انحسار الجريمة، وصار من يفكر في جريمة من الجرائم يعود قبل تنفيذها ليتصور عقوبتها، فيزجره الخوف من العقاب عن الفساد؛ لأن من توقع حلول العقوبة امتنع عن ارتكاب الجريمة، كما أن من أمن العقوبة أساء الأدب.
إن هذه الممارسة الحية لآثار تطبيق أحكام الشريعة شاهد عيان على مدى تأثير الحكم بشريعة الإسلام في تأمين المجتمع.
إن المتتبع لحوادث الجرائم في بلادنا المملكة العربية السعودية (إذا أراد مقارنتها بما يحدث في إحدى الدول المتحضرة، ذات النفوذ والتقدم الباهر في ميادين الصناعة والقوة سوف يظهر له جليًا البون الشاسع والفرق البين، وإن جرائم المجرمين في تلك الدول لتتسم بطابع التنظيم والمغالبة بما لا يوجد له نظير في بلادنا؛ لأننا بحمد الله نعالج شؤون عباد الله بما شرعه الله.
لقد رأينا بأنفسنا وسمع عنا العالم أجمع كيف أثمرت تطبيقاتنا لشريعة ربنا في أحلك الأحوال وأحرج الظروف ثمرات باهرة وعلاجًا للأمراض حاسمًا، واختفاءً لنوع الجريمة بعد إيقاع العقوبة مباشرة.
فمن جرب تجربتنا عرف معرفتنا، لقد كان الناس في الزمن القديم إذا أرادوا الحج، ودع الحاج منهم أهله وداع من لا يتوقع العودة؛ لما عرف من مخافة السبيل في هذه الجزيرة، ثم تحولت جزيرة العرب من ذلك الوضع المتناهي في السوء والخوف إلى وضع هو في قمة الأمن والسلامة، إنها بركة تطبيق الشريعة التي
[ ٥٤ ]
نعتز بتطبيقها، ونتمنى أن يحذو كافة إخواننا في بلاد الإسلام حذونا، فيطبقوا شريعة الله.
إن من يتباكون ويشفقون على سارق قطعت يده، وقاتل مجرم أزعج الناس فقتل، وزان مستهتر جلد أو رجم، وشارب خمر عبث بعقله فأفسده، وجره ذلك أو قد يجره إلى أسوأ الأعمال، فقد أغمضوا أعينهم عن فزع الناس من هؤلاء المفسدين، وأصموا آذانهم عن سماع عويل من وقع عليهم جرم وبلاء أولئك المفسدين، إن قتل نفس واحدة بالقصاص يصل به نجاة أنفس كثيرة كالعضو الفاسد يقطع لحفظ بقية الجسم، وبذلك يأمن الناس على حياتهم. قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ (البقرة: ١٧٩).
وإن قطع يد واحدة يحفظ أيديًا كثيرة، ونفوسًا بريئة وأموالًا من الانتهاك، وإن رجم زان أقر واعترف بجرمه وهو محصن يزجر الله به جماعات كثيرة) (^١).
إذا علم هذا وتقرر فنقول إن التهجم الشرس والمتواصل على المملكة العربية السعودية من قبل منظمة حقوق الإنسان أو غيرها من المؤسسات والأفراد إنما هو صورة من صور العداء لهذا الدين وأهله، ونفثة حقد وحسد من أهل الكفر والزندقة على أهل الإسلام؛ لأن المملكة العربية السعودية تعلن تحكيم شرع الله والعمل به في كل أمور الحياة - عمرها الله بالإيمان وزادها هدى وتقى وثباتًا، على دينه والعمل في كل ما من شأنه رفعة هذا الدين - لذا نصبت أنظار أعداء الإسلام على هذه البلاد محاولة صدها عن دين الله؛ ولذا فإني أهيب بالأستاذ محمد طالبي وغيره من الكتاب، وهو مسلم ومن بلد مسلم ويحمل اسم محمد أن لا ينطلقوا من منطلقات أعداء الإسلام ومناوئيه.
_________________
(١) مجلة رابطة العالم الإسلامي ص ٨ وما بعدها العدد الأول السنة الثانية عشرة عام ١٤٠٠ هـ.
[ ٥٥ ]
وأما قول الكاتب (الإسلام الحديث) ويقصد به إخضاع الدين لأهواء الناس ورغباتهم، والسير خلف ما يرتاحون إليه وإن خالف شرع الله والدين الحق، فهذا قول باطل محرم، وإن زخرف القول به وقيل إنه مسايرة للعصر ومجاراة للأمم المتقدمة، والحقيقة أن هذا لعب بالدين وتلاعب بعقول المسلمين وإغواء لهم باتباع أهوائهم ورغباتهم، والله ﷾ يقول: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١].
فلا يجوز في الإسلام إخضاع أحكامه التي من شأنها الثبات والاستقرار للتغيير والتبديل، أما الذين يريدون أن يحرفوا أحكام الدين لكي تلائم ما يريدون من عقائد وأفكار، كما ذكر الكاتب من إنكاره لقتل المرتد وانزعاجه للفتوى بحجاب المرأة في مدينة شديدة الحرارة فنقول له: كلا فقولك هذا مرفوض ومردود عليك من كل مسلم يدين بشرع الله؛ لأن الله قد أوجب أن يكون الدين هو الميزان الثابت الذي يحتكم إليه الناس إذا اختلفوا، ويرجعون إليه إذا انحرفوا.
وأما مسايرة أعداء الإسلام، ومحاولة تطويع نصوص الدين لما هم عليه من الفساد والضلال فهذا موقف انهزامي، نربأ بإخواننا المسلمين عن الانسياق إليه، والوقوع في شراكه. هذا ونسأل الله أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه. والحمد لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنا.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.
[ ٥٦ ]