قدَّر الله بحكمته أن يجعل من قلوب بعض بني آدم قلوب شياطين بدلًا من القلب الإنساني تبغض مَن فطر الله قلوب الخلق على محبته من الأنبياء والأولياء، وفي مقدمتهم خاتم النبيين، وسيد الأولين والآخرين، وخير البرية أجمعين: محمد - ﵌ - ليتحقق من وراء ذالك مصالح عظيمة لا تخطر ببال الكفار المجرمين منها:
١ - أن يستخرج الله - ﷿ - من قلوب المؤمنين والمسلمين في الأرض ما تُكِنُّه لرسول الله - ﵌ - مِن حُبٍّ وتعظيم،
_________________
(١) بتصرف من مقالة بهذا العنوان للشيخ ياسر برهامي على موقع صوت السلف. ونشرت بجريدة (الفتح) يوم الجمعة ٢٧ شوال ١٤٣٣هـ - ١٤ سبتمبر ٢٠١٢م.
[ ٥٦ ]
واستعداد لفدائه بالأبدان والأرواح، والأولاد، والأموال؛ فهو أحب لديهم من أنفسهم وأهليهم وأولادهم.
٢ - أن يُظْهِر الله آيات قدرته في قطع شأن من أبغض النبي - ﵌ -، وهذا من دلائل نبوته، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ (الكوثر: ١ - ٣). (الأَبْتَرُ) أي: المقطوع. فلا بد أن يُذِلَّ اللهُ ويُصَغِّرَ مَن أبغض النبي - ﵌ -.
٣ - أن يَظهر لكل عاقل ومنصف عجز الكافرين عن مواجهة الحجة بالحجة، فلا يجدون سبيلًا إلا الكذب والبهتان، والبذاءة والسب، فيعلم كل واحد أن الذين كفروا حُجتهم داحضة عند ربهم، وهذا من دلائل نبوته - ﵌ -، وأسباب دخول الكافرين في ملته.
٤ - أن يجد المؤمنون الأسوة الحسنة لهم فيما يجدون مِن ألمٍ وطعن، حتى أكرم الخلق عند الله - ﷿ - يتعرضون
[ ٥٧ ]
للظلم والطغيان، والكذب عليهم ومحاولة تنفير الناس عنهم، وكل ذالك مآله إلى اضمحلال، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ (فاطر:١٠).
٥ - حصول الخير الذي ذكره الله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾ (النور:١١)، فهو زيادة في رَفْع الدرجات عند الله، ومزيد الحسنات منه - ﷾ -.
٦ - أن يخيف الله الكافرين والمنافقين، ويُلقي الرعب في قلوبهم عند رؤيتهم غَضبة المسلمين لنبيهم، وانتشار أن حكم السب والطعن في النبي - ﵌ - وعرضه وأذيته هو القتل، فيعذب الله هؤلاء المجرمين بالخوف والرعب، والهم والغم، وكراهية الناس لهم - حتى بَنِي ملتهم - بما جرُّوا عليهم من المخاطر وأنواع الفساد، ثم جعل الله ما
[ ٥٨ ]
أنفقوا من الأموال حسرة في قلوبهم؛ مصداق قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ (الأنفال:٣٦).
ولعل المسلمين في كل مكان أن يستغلوا هذه الفرصة في الدعوة إلى الله - ﷿ -، وبيان دلائل نبوته - ﵌ - للناس: مؤمنهم، وكافرهم، ونشر سنته وسيرته، فالقلوب مفتوحة الآن أكثر مما مضى لذلك.
ولكن لا بد هنا من وقفة؛ للتنبيه على أن غضبة المسلمين في كل مكان يجب أن تكون ملتزمة بالشرع حتى في هذا المقام؛ فلا يجوز قتل أو تدمير لمن لم يشارك أو يُقِرّ أو يرضَى أو يمتدح مثل هذا الفعل الإجرامي.
وقَتْل رسل الكفار عمومًا ولو كانوا مرتدين محرم، قال النبي - ﵌ - لرسُولَيْ مسيلمة الكذاب وهما على دينه:
[ ٥٩ ]
«أَمَا وَاللهِ لَوْلا أَنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا» (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).
فالدبلوماسيون الأجانب اليوم مثل رسل الكفار قديمًا، وقَتْلُهم غير جائز شرعًا، ولا يجوز أن تتحول صور الاحتجاج إلى معارك بين المحتجين الغاضبين وبين قوات الأمن الوطنية المكلفة بحراسة السفارات، فالدولة لا تملك الآن غير حمايتها وفقًا للمعاهدات التي تلتزم الوفاء بها.
ولعل في هذه الحادثة ما يجمع قلوب المسلمين على حب النبي - ﵌ - وتعظيمه بعد ما فرقتهم أسباب الدنيا. قال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: ١٩).