العرض هو الشكل أو القالب الذي يقدم بواسطته المصنف موضوعه، وتختلف أساليب العرض من مصنف إلى مصنف، كما تختلف تبعًا لاختلاف موضوع البحث، وبما أن الاشتغال بعلم الأديان مرتبط بعقيدة المسلم بكونه أداة من أدوات الدعوة إلى الله تعالى والدفاع عن الدين؛ فإنه يجب عليه أن يكون عرضه الأديان والملل عرضًا يحقق الأهداف الشرعية التي من أجلها يدرس هذا العلم، وأن يكون موافقًا لمنهج القرآن في عرض الأديان ونقدها، والملاحظ لكتب السلف يجد أن عرضهم لها يتميز بأمور منها:
١ - الوضوح: والوضوح الذي تميز به منهج السلف في دراسة الأديان يرجع إلى كونهم اتبعوا المنهج القرآني الذي يعرض قضايا الدين بالأسلوب السهل الواضح الذي يفهمه جميع الناس، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧] (^١)، وبمنهج النبي ﷺ الذي كان يعالج الأمور بالكلام القليل الواضح الذي يجري مجرى الأمثال والحكم لقلة ألفاظه، وكثرة معانيه، ووضوحه، فإنك لو تأملت قوله ﷺ: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذي من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم" (^٢) تبين لك سبب هلاك الأمم السابقة وهو كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم.
٢ - الدقة والشمولية في العرض: الدقة والشمولية من مقتضيات الأمانة العلمية، وهي مطلوبة في كل ما يعرض مهما كانت عداوة الخصم، فلا يجوز الكذب عليه، بل يعرض عقيدته، وأفكاره كما هي في المصادر المعتبرة لديه.
_________________
(١) سورة القمر الآية: ١٧.
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الفضائل، باب توقيره ﷺ وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، أو لا يتعلق به تكليف، وما لا يقع ونحو ذلك ص ٩٥٩، رقم الحديث ١٣٣٧.
[ ٣٣ ]
وإذا تأملت في كتب الأديان والملل فإنك تجد أن التزامهم إنما هو نتيجة طبيعية لإيمانهم بوجوب العدل مطلقًا، وإدراكهم أن نقد الأديان والملل لا يستقيم لهم مع الإخلال في عرضها، لأن ذلك يتيح للخصم أن يحتج عليهم بان العرض ناقص، والنقد كاذب (^١).
يقول ابن تيمية في رده على النصارى: "وأنا أذكر ما ذكروه بألفاظهم بأعيانها فصلا فصلًا، وأتبع كل فصل بما يناسبه من الجواب فرعًا وأصلًا، وعقدًا وحلًا" (^٢).
ومن ذلك عدم إطلاق حكم عام على أهل دين وملة ما قبل حصول البحث والاستقراء، فحرصوا على شمولية الاستقراء، وعدم إطلاق الأحكام العامة، إلا بعد التثبت والتدقيق.
وبهذه الدقة الناتجة عن سعة الاطلاع، وشمول الاستقراء كان السلف يعرضون عقائد أهل الأديان والملل، وآراءهم.
٣ - العرض الموحي بالحكم الشرعي: من خصائص منهج أهل السنة في عرض العقائد، وأفكار المخالفين للإسلام أن الحكم الشرعي للأديان التي تدرس يظهر من خلال العرض، والسياق، الذي يوردون فيه، وما يعرضون من مقدمات ومنطلقات توحي إلى حكم ما سيعرض، ومن خلال الالتزام بالألفاظ الشرعية التي أطلقها الشارع على أهل الأديان والملل كتسميتهم بالكفار، والأعداء، ثم بحرصهم أن يعرض الباطل في صورته الحقيقية التي تظهر فساده، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأما القول الباطل فإذا بين فبيانه يظهر فساده" (^٣).