إن لمناهج البحث في العلوم أهمية كبرى، إذ هي الطريق الموصل إلى أي علم، فالعلوم متعددة في موضوعاتها، وفي أهدافها وعناصرها، وفي مصادرها، وفي مناهج بحثها، والعلوم لا تعرف بموضوعاتها؛ لأن الموضوعات تساعد على البحث في هذا العلم، أو ذاك، ومثلها الأهداف، وإنما الذي يعين على ذلك هو المنهج الصحيح للبحث.
فبقدر ما يكون منهج البحث قويًا قويمًا قائمًا على أساسا منهج سليم، ومناسب للموضوع الذي يبحث فيه، بقدر ما تكون النتائج المتوصل إليها معتبرة من الناحية العلمية (^١).
فللمنهج أثره ودوره الكبير في أصالة الفكر وسلامة الأفكار والمعلومات والنظريات والمفاهيم المستنتجة، فما لم يكن منهج البحث والتفكير سليمًا أو موافقًا لاتجاهه، فإن النتائج لن تكون صحيحة ومنسجمة.
والباحث بدون منهج يقع في متاهات الفوضى، والاضطراب، والتناقض، وارتباك الآراء والنتائج، ويظل البحث مشوشا، وعقيما، وتكون حصيلته الاستنتاجية متناقضة، بلا وحدة في الاتجاه والنتيجة، فيخسر بذلك كثيرًا من النتائج التي كان بإمكان البحث أن يعطيها لو أنه سار على أصول وأسس منهجية بحثية سليمة، واضحة الأهداف والمعالم، سليمة الرؤى (^٢).
ولذا أيضًا كان من الضروري أن يحدد لكل موضوع من موضوعات العلم والمعرفة البشرية منهجه المناسب له، وطريقته الخاصة، فيكون للعلوم الطبيعة منهج معين، وللتاريخ منهج معين ولكل من الفقه والعقائد والرياضيات والفلسفة .. إلخ منهجه الخاص به ضمن إطار منطقي علمي موحد.
وذلك أن المنهج يحفظ للعلم نظامه واتساقه (^٣)، فتقدم العلم وتأخره مرتهن بمسألة المنهج، يدور معها وجودًا وعدمًا (^٤).
وإذا كان الأمر كذلك، فإنه - أيضًا- من الخطورة بمكان اتخاذ مناهج غير صحيحة، فاتخاذ هذه المناهج كغياب المنهج الصحيح، بل هو أشد خطرًا، فإنه إذا اتخذت أمة من الأمم منهجًا، واعتقدته صحيحًا، والتزمت به، وكان هذا المنهج مضللا ولا يوصل إلى الحقيقة المنشودة والعلم المطلوب، فإن هذه الأمة تكون قد أوقعت نفسها في متاهات وأوهام كبيرة تنحرف بها عن المسار المنشود والغاية المطلوبة (^٥).
وأما أهميته في علم العقيدة والأديان على وجه الخصوص، فإنه ينبغي أن يعلم أن مسألة اختيار المنهج، وطريقة الفهم والتفسير العقائدي، ليست قضية ذاتية ترتبط بالميول الشخصية، أو بالتصورات والأهواء الذاتية، بل أن المنهج العقائدي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأصول الشرعية، وبمفاهيم العقل الإيمانية التي تدور حول مركز الانطلاق، وقاعدة الفهم والتفكير (عقيدة التوحيد)، كما يرتبط بموضوع البحث وطبيعته.
_________________
(١) انظر: نظرة عامة في بعض مناهج البحث الإسلامية د/ طه العلواني بحث منشور في مجلة أضواء الشريعة عدد (٨) جمادي الآخرة عام ١٣٩٧ ص ٤٠٠.
(٢) انظر: مناهج البحث في العقيدة الاسلامية في العصر الحاضر: دراسة لمناهج الفكر الاسلامي المعاصر والعناصر المنهجية في دراسة أصول الدين، تأليف عبدالرحمن بن زيد الزنيدي، ص ١٨، دار أشبيليا، ١٤١٦.
(٣) انظر: منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان بن على حسن، ص ١/ ٢١، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الثالثة.
(٤) انظر: منهج البحث العلمي عند العرب د/ جلال موسى ص ٢٧١، منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد ١/ ٢١.
(٥) مناهج البحث في العقيدة للسعيد ص ٢٦٤ - ٢٦٥.
[ ١٨ ]
والباحث في علم العقائد والديانات والملل والنحل والمذاهب يجد نفسه أمام زخم كثير من الآراء المتناقضة، التي سببها التنكب عن الطريق السوي والمنهج المستقيم، وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢] (^١) وقوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾ [ق: ٥] (^٢).
ولما كان الأمر كذلك، فإنه لا يجمل بالباحث الطالب للحق أن يبحث عن المسائل، ثم يحكم على أصحابها، دون أن يبحث في الدلائل التي نتجت عنها تلك المسائل، إذ لا يمكن معالجة الأخطاء في المسائل دون النظر في الأصول التي بنيت عليها، فالبحث فيها يبقى عقيمًا عديم الجدوى.
وبمنهج البحث العلمي في العقيدة يستطيع الباحث المسلم إزالة كثير من الإشكالات التي تواجهه اليوم، فإن كثيرًا من العلوم والنظريات التي أطلق عليها اسم العلم، قد بحثت وفق مناهج بحث خاصة وصفت بالمنهجية أو الموضوعية والعلمية، واكتسبت ثقة جميع الباحثين في هذه المجالات، بل حازت إيمانهم، والنتائج التي توصل إليها، هي نتائج تصطدم -في أحيان كثيرة- بعقيدة المسلم، ولا تنسجم إلا نادرًا مع فكرة المسلم الكلية عن الكون والإنسان والحياة، والاعتراض على ذلك يكاد يكون اعتراضًا على قضايا علمية مسلمة، لأنها بحثت وفق منهج بحث علمي، ومنهج البحث نفسه وراءه فلسفة قوم آخرين لا يستطيع المسلم قبولها كما هي، ولذلك كان لا بد من العمل على تلمس منهج للبحث في هذه العلوم يكون قانونًا يعصم الباحث المسلم فيها من الوقوع فيما يقع فيه غيره من أخطاء، ويساعده على الوصول إلى نتائج تنسجم وعقيدة المسلم ونظرته إلى الكون والإنسان والحياة (^٣).
_________________
(١) سورة النساء: الآية ٨٢.
(٢) سورة ق: الآية ٥.
(٣) نظرة عامة في بعض مناهج البحث الإسلامية د/ طه جابر العلواني، بحث منشور في مجلة: أضواء الشريعة، العدد ٨ عام ١٣٩٨ (٤٠١). وانظر: مناهج البحث في العقيدة ص ٢٦٦ - ٢٦٩.
[ ١٩ ]