انطلاقًا من وجوب تقديم العقل على النقل ذهب المتكلمون إلى وجوب تأويل النصوص التي رأوا أن ظاهرها يخالف العقل، يقول الغزالي: "كلّ خبر مما يشير إلى إثبات صفة للباري -﷿- يشعر ظاهره بمستحيل في العقل، نُظِرَ إن تطرق إليه التأويل قُبِل وأول، وإن لم يندرج فيه احتمال تبين على القطع كذب الناقل" (^٣).
أما الرازي فقد زعم أن المصير إلى التأويل أمر لابد منه (^٤) وجاء بـ "القانون الكلي" القائل بوجوب تقديم العقل وتأويل النقل أو تفويضه.
وقد استعمل طوائف المبتدعة التأويل في مناقشاتهم مع غير المسلمين سواء في أجوبتهم عن الأسئلة الموجهة إليهم أو في النقد الذي كانوا يوجهونه للأديان الأخرى. فانظر أجوبة فخر الدين الرازي في مناظرته مع النصراني حين زعم النصراني أن في القرآن آيات موهمة للتشبيه ومثل بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] (^٥) وقوله تعالى: ﴿رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢] (^٦) وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] (^٧) وآيات من الآيات الدالة بصفات الرب الاختيارية (^٨)، فقال الفخر الرازي مجيبًا وفق مذهب النافي للصفات الاختيارية: "وأما الجواب عن الأحاديث والآيات الموهمة للتشبيه، فاعلم أنه إذا ثبت عند كلّ عاقل مثلا أن الجدار جماد لا حي ثم يوصف بعد ذلك بالإرادة في قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] (^٩) علم قطعًا بضرورة العقل أن وصفه بالإرادة إنما هو على سبيل المجاز لا على سبيل الحقيقة" (^١٠).
_________________
(١) المغني في أبواب التوحيد والعدل للقاضي عبدالجبار المعتزلي، تحقيق محمود محمد الخضري، ص ٥/ ١٤٢.
(٢) المصدر السابق ١٦/ ٤٢٤، تحقيق أمين الخولي.
(٣) المنخول من تعليقات الأصول، لأبي حامد الغزالي تحقيق محمد حسن هيتو ص ٢٨٦.
(٤) انظر: أساس التقديس لفخر الرازي تحقيق د. أحمد حجازي السقا ص ٩٥ دار الجيل - بيروت.
(٥) سورة طه الآية: ٥.
(٦) سورة الفجر الآية: ٢٢.
(٧) سورة الزمر الآية: ٦٧.
(٨) انظر: مناظرات في الرد على النصارى للرازي، تحقيق عبدالمجيد النجار، ص ٥٧ - ٥٨، دار الغرب الإسلامي، بيروت ١٩٨٦.
(٩) سورة الكهف الآية: ٧٧.
(١٠) مناظرات في الرد على النصارى ص ٦٩.
[ ٣٩ ]
واستمر في الإجابة حتى قال: "فكذلك إذا علم أن الباري تعالى منزه عن الجسمية والعرضية والحد والجهة والأعضاء والجوارح والحركة والسكون ومنزه عن الميل والحظ والنفور والرقة، ثم إنه وصف بعد ذلك بالمحبة والرضا والسخط والهمة أو بالحركة والجارحة علم قطعًا أن إطلاق ذلك عليه مجاز لا حقيقة .. " (^١).
كذلك نجد القاضي عبد الجبار يسلك نفس المنهج مع النصارى فيقول في مناقشته معهم: "ولو ثبت ما ادعوه سمعا، لوجب أن يتأول على وفق ما يقتضيه العقل" (^٢)، وإذا جئنا إلى الغزالي في كتابه الرد الجميل فإننا نجد لفظ "التأويل" تكرر في الكتاب فتجدها في ديباجة الكتاب كما تجدها في خاتمته، بل نجد الغزالي يقرر أصلين ذكر أنهما متفق عليهما بين أهل العلم: أحدهما: أن النصوص إذا وردت فإن وافقت المعقول تركت وظواهرها. وإن خالفت صريح المعقول وجب تأويلها، واعتقاد أن حقائقها ليست مرادة، فيجب ردها إذ ذاك إلى المجاز.
الثاني: أن الدلائل إذا تعارضت، فدل بعضها على إثبات حكم، وبعضها على نفيه، فلا نتركها متعارضة، إلا وقد أحسسنا من أنفسنا العجز باستحالة إمكان الجمع بينها، وامتناع جمعها متظافرة على معنى واحد (^٣).
ثم شرع في نقد عقائد النصارى على ضوء هذين الأصلين حيث أول نصوص الأناجيل التي ظاهرها يدل على ألوهية عيسى -﵇- مستدلا بالنصوص الدالة على إنسانيته، والمقصود هنا بيان أن التأويل الكلامي الذي بسببه عطل عموم أهل الأهواء والمتكلمون بوجه خاص النصوص الشرعية كان أحد الأسس المنهجية في دراسة الأديان عند المتكلمين.