يخالف المعتزلة والأشاعرة وغيرهم من المبتدعة أهل السنة في ترتيب مصادر الاستدلال وفي حجية دلالتها، حيث قدموا العقل على النقل.
ومن ثم فلا يصح الاستدلال بدليل سمعي على أية مسائل من المسائل الكلامية المتعلقة بوجود الله تعالى وصفاته وكل ما تتوقف عليه صحة النبوة.
بل لقد بلغ الشطط ببعض المتكلمين حيث حاولوا توهين الدليل السمعي وإضعافه مطلقًا كتابًا كان أو سنة في قضايا العقيدة، وتقديم الدليل العقلي عليه، كما فعل الرازي حيث قال: "إن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين أو القطع زاعمًا أن "الأدلة اللفظية مبنية على مقدمات ظنية والمبني على المقدمات الظنية ظني: فالاستدلال بالخطاب لا يفيد إلا الظن" (^٥).
_________________
(١) انظر: نشأة الفكر الفلسفي في الإٍسلام د. علي سامي النشار ١/ ٤٠٣، دار المعارف، الطبعة الثلاثة.
(٢) شرح الأصول الخمسة، لعبدالجبار بن أحمد المعتزلي، تحقيق عبدالكريم عثمان، ص ٨٨، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الأولى.
(٣) انظر: الإحكام في أصول الأحكام الآمدي ١/ ١٣٥، تحقيق إبراهيم العجوز، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى.
(٤) انظر: المصدر السابق ١/ ١٣٦.
(٥) المحصول في علم أصول الفقه، للفخر الرازي تحقيق د. طه جابر العلواني، ص ١/ ٥٤٧، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٣٩٩.
[ ٣٨ ]
وعلى ضوء هذا النهج الموهن لنصوص الشرع المفرط في تعظيم العقل ناقش المتكلمون أتباع الأديان الأخرى فهذا القاضي عبد الجبار يقول في معرض نقاشه عقائد النصارى: "فأما من عول منهم في هذا الباب على إتباع من سلف والرجوع إلى الكتب وتقليد التلاميذ فقوله ساقط، لأن الكلام في صفة القديم -﷿- وما يصح عليه وما لا يصح لا يجوز أن يرجع فيه إلى السمع .. " (^١).
بل نجده يصرح أن استدلاله للنصوص حتى في المسائل التي أورد فيها نصوصًا أنه أوردها من باب الاعتضاد لا الاعتماد، يقول القاضي في فصل " إثبات أنه ﷺ مبعوث إلى الناس كافة "بعد إيراده نصوصًا نقلية كثيرة" وإنما نذكر هذه الألفاظ تأكيدًا والعمدة ما ذكرناه من العلم الضروري بدينه وقصده .. " (^٢).