إن معرفة ما يدخله النسخ مما لا يدخله من الشريعة، أمر في غاية الأهمية، لأنه من خلاله يدرك أن النسخ لا يستلزم على أمر محال؛ وإنما يكون لحكمة ومصلحة، كما يعرف به كذب من يدعي نسخ ما لا يدخله النسخ من أمور الدين، وحقيقة الأمر أن الشريعة نوعان:
الأول: خبر: ويدخل فيه كل ما أخبر الله تعالى أنه سيكون، أو كان، أو وعدنا، أو قص علينا من أخبار الأمم الماضية، وما قص علينا من أخبار الجنة والنار، والحساب، والعقاب، والبعث والحشر، وخلق السماوات والأرض .. وكذلك ما أخبرنا الله تعالى به عن ذاته وصفاته، وأفعاله، فهذا وشبهه من الأخبار المحضة لا يجوز دخول النسخ عليه (^٤).
الثاني: الأوامر والنواهي يجوز دخول النسخ فيها شريطة ألا تتعلق بالاعتقادات، وأمهات الأخلاق وأصول العبادات والمعاملات، لأن الشريعة مبنية على حفظ هذه الكليات (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الطهارة، باب الاستطابة ص ١٢٩، رقم الحديث ٢٦٢.
(٢) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢/ ٢٣٤ بتصرف.
(٣) مجموع الفتاوى ٢/ ٢٣٧.
(٤) انظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه أبي محمد مكي ابن أبي طالب القيسي تحقيق أحمد حسن فرحان، ص ٥٧، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولى.
(٥) المصدر السابق ص ٧٥، مناهل العرفان في علوم القرآن لمحمد عبدالعظيم الزرقاني، ص ٢/ ٢١١، مطبعة عيسى البابي الحلبي. مباحث في علوم القرآن للشيخ مناع القطان، ص ٢٣٣، مؤسسة الرسالة الطبعة الثانية والثلاثون.
[ ٢٨ ]
وبناء على هذا فإن الكلام ينصرف إلى النوع الأول عندما يقال أصول الأديان السماوية واحدة لا نسخ فيها، وإلى النوع الثاني عند ما يقال الإسلام ناسخ للأديان السابقة.
والمقصود هنا بيان أن علماء المسلمين حددوا ما يدخله النسخ مما لا يدخله، فانحصر ما ينقل عن الأنبياء السابقين إما أن يكون من النوع الذي يدخله النسخ، فإذا خالف هذا حكمًا ثابتًا في الإسلام علم إما نسخه أو تبديله، أما إذا نقل شيئًا يخالف الشريعة الإسلامية مما لا يدخله النسخ علم بطلان هذا المنقول قطعًا، وهذا النهج لا يستقيم إلا لمن انطلق من هذه القاعدة.