تميز منهج أهل السنة بتحكيم الشريعة والتحاكم إليها في ما تنازع الناس فيه من أمور الدين امتثالًا لأمر الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩] (^١).
ويقينا منهم أن الكتاب جاء للفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، قال تعالى: ﴿أَلِيمٌ (٦٣) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ [النحل: ٦٤] (^٢)، قال ابن حزم: " فلم يسع مسلمًا يقر بالتوحيد أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن والخبر عن رسول الله ﷺ، ولا أن يأبى عما وجد فيهما، فإن فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه فهو فاسق، وأما من فعله مستحلًا للخروج عن أمرهما، وموجبًا لطاعة أحد دونهما، فهو كافر لا شك عندنا في ذلك" (^٣).
وقد استعمل أهل الحق هذه القاعدة مع أهل الأديان، وهم في هذا الأمر مقتدون بالقرآن الذي طالب منهم إقامة دينهم والتحاكم بما أنزل الله إليهم. قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨] (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧] (^٥).
_________________
(١) سورة النساء الآية: ٥٩.
(٢) سورة النحل الآية: ٦٤.
(٣) الإحكام: ص ١/ ٩٩.
(٤) سورة المائدة الآية: ٦٨.
(٥) سورة المائدة الآية: ٤٧.
[ ٢٩ ]