من الأسس المنهجية في التعامل مع الأدلة عند أهل السنة والجماعة الجزم بعدم التعارض بين الأدلة الشرعية السمعية وبين الأدلة العقلية، ذلك أن النقل الصحيح والعقل الصريح دليلان شرعيان، والأدلة الشرعية كلها جاءت من عند الله، فيستحيل تعارضها، وما توهم من المسائل أنه قد تعارض فيها العقل والنقل، فلا يخلو الأمر: إما أن لا تكون من المسائل البينة المعروفة بصريح العقل، وإما أن يكون النقل المستدل به مكذوبًا موضوعًا يعلم أهل النقل أنه كذب، أو يكون النقل صحيحًا، لكن في دلالة ضعيفة غلط المستدل بها على الشرع (^٤)، فكل عقل صريح صحيح خالص من الشبهات فإنه يطابق النقل الصحيح الصريح (^٥).
_________________
(١) سورة النساء الآية: ٨٢.
(٢) سورة النجم الآية: ٣ - ٤.
(٣) الموافقات في أصول الشريعة، لأبي إسحاق إبراهيم الشاطبي، ص ٤/ ٢٩٤، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة.
(٤) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/ ١٤٨.
(٥) انظر: مجموع الفتاوى ١٨/ ٢٤٠.
[ ٣٠ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه، فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة، يعلم بالعقل بطلانها، بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع، وتأملته في مسائل الأصول الكبار، كمسائل التوحيد، والصفات ومسائل القدر، والنبوات، والمعاد وغير ذلك، ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط" (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عند بيان منهجه في الرد على النصارى: "ونحن -ولله الحمد والمنة- نبين أن كل ما احتجوا به من حجة سمعية من القرآن، أو من الكتب المتقدمة على القرآن، أو عقلية، فلا حجة لهم في شيء منها، بل الكتب كلها مع القرآن، والعقل حجة عليهم لا لهم، بل عامة ما يحتجون به من نصوص الأنبياء، ومن المعقول فهو نفسه حجة عليهم، ويظهر منه فساد قولهم" (^٢).