هذه جُملةٌ من القضايا تُساقُ مجردةً عن براهينها ابتداءً، ثم بعد ذلك تقام سُوق البراهين المصححة لها، وهي كالتالي:
القضيَّة الأولى: لم يكن في الصحابةِ من يقول بتقديم عقله على نصِّ رسول الله - ﷺ -.
القضيَّة الثَّانية: ليس أحدٌ من الصحابة يقولُ إنَّ في الدلائل النقليّة ما يَرِدُ مناقضًا للدلائل العقليَّة.
القضيَّة الثَّالثة: النّظرُ العقلي المُستعمل عند الصحابة - ﵃ - نظرٌ وظيفي مركب من الدلائل النَّقلية أصالة لا على نظر عقلي مرسل.
أمَّا القضيَّتان الأوليان فبرهان تصحيحهما =انتفاء الدَّليل الدَّال على نقيضهما، فهاتان قضيَّتان كُلِّيتان سالبتان يعجز المخالف عن نقضهما بجزئية موجبة بسوق النقل المصحح لنقضه عن واحد من أَصحاب رسول - ﷺ - يقول بتقديم عقله على النص الشرعي، أو يقول: إن الدلائل النقلية منطوية على ما ينافي الدلائل العقليَّة. لذا قال الإمام ابن تيمية -﵀-: (لم يكن في الصَّحابةِ من يقول: إنَّ عقله مُقدَّمٌ على نصِّ الرسول، وإنَّما كان يُشْكِلُ على أحدهم قوله فيسألُ عمَّا يُزيل شُبهته، فيتبيَّن له أَنَّ النصَّ لا شُبهة فيه) (^١) وقال: (ليسَ من الصحابةِ من قال: إنَّ القرآن أو الخبر
_________________
(١) "درء التعارض"للإمام ابن تيميَّة (٥/ ٢٢٩)
[ ٩١ ]
يُخالفُ العقل والأدلة العقليَّة) (^١)
وأَمَّا القضيَّة الثالثة: فتحرير القول فيها أن يقال: إنَّ النَّظر العقلي الذي أعمله الصحابة حين نظرهم في النُّصوص = نَظرٌ وظيفيٌّ أي أنّهم وقع منهم في وقائع محدودة توظيف العقل المستند إلى الدلائل النقلية الأخرى في معارضة خبر من الأخبار، فتكون المعارضة في واقع الأمر بين دليلين نقليين، لا بين نظر عقليٍّ محض ودليل نقلي.
وأمَّا ما شَغبَ به أَهل الأهواءِ على أَهل السُّنّةِ من استدلالهم ببعض المروي عن الصحابةِ في توقفهم في قبول بعض ما يروى لهم من حديثه - ﷺ -،أَو ردِّه-في زعمهم- بناءً على معارضة العقل له. جاعلين مما يُروى على وجه الخصوص عن أُمِّ المؤمنين عائشة -﵂ - تكأةً فيما يَردُّون من النُّصوص بحجَّة التأسِّي بهم في ذلك (^٢)، في محاولةٍ يائسةٍ لنَقضِ ما قعّده أهل السُّنّة مِن أُصول متينة تقضي بانتفاء معارضة العقل للنَّقل، وأَن المتقرر عند السَّلف هو التسليم المؤسَّسُ على العقل لما جاء عن المصطفى - ﷺ - بعد ثُبوته عنه - ﷺ - وَفْق قواعد الصِّناعة الحديثية=فليس فيما أوردوه ما يحقق لهم مقصودهم، لأنّه لا يخرج عما حرر من قبل من أنَّ النظر المستعمل لديهم هو نظر مُركَّبٌ من الدلائل النقلية أصالة.
والاستدلال بما ساقه الزركشي في كتابه "الإجابة" من استدراكات أُمِّ المؤمنين -﵂ - لايُسْعِف أَصحابه فيما يرومون التأثيل له، وذلك للآتي:
_________________
(١) "بيان تلبيس الجهميَّة"للإمام ابن تيميَّة (٨/ ٥٢٦)
(٢) انظر أمثلةً لاستدلال أتباع المدرسة العصرية المتمعقلة على الأدلّة الشرعية بما يروى عن عائشة ﵂": أضواء على السُّنّة النبوية"لمحمود أبي رية (٢٠٠،٧٥)،وكذا مقدمة الكتاب السابق لطه حسين (١٠)، و"السُّنَّة النبويَّة بين أهل الفقه والحديث"للشيخ محمد الغزالي (٢١)،و"مشكلة الحديث"لمحمد يحي (١٥٨،١٤٨)
[ ٩٢ ]
١ - أَنّ ما ساقه الإمام الزركشي (^١) مما يروى عن عائشة -﵂- ليس واقعًا كلَّه موقع القبول من جهة صحة ما يُعزى إِليها مما ساقه الزركشي -﵀- بل فيه المقبول إِسنادًا، وفيه غير ذلكِ (^٢)
٢ - أَنَّ الوارد من صنيعها وصنيع غيرها من صحابة رسول الله - ﷺ - مع قلَّته - لا يعدو أَن يكون من قَبيل المُتشابه من قولهم وفعلهم الَّذي يُفسَّرُ في ضوء المُحكم من أَقوالهم التي تدلُّ على تعظيم شأن ما ثَبَت عن النبي - ﷺ -،والاستقراء دالٌّ على صدق ذلك.
وحتى لا يعدو ماقُرِّر سابقًا =دعوى ليس لها وقائع تُصدِّقها، وأَمثلةٌ توطدها =أُوردُ أمثلة تُبينُ عمّا سبق، وتكون دليلًا على نظَائرهِا:
° المثال الأوّل:
ما ورد عن أَبي هريرة - ﵁ - أَنَّ رسول الله - ﷺ - قال: (مَن غَسَّل ميتًا اغتسلَ، ومن حمَلَه توضأ) (^٣) .
_________________
(١) الزركشي (٧٤٥ - ٧٩٤ هـ):هو محمد بن بهادر بن عبدالله المِصري، بدر الدين أبو عبدالله الزَّركشي الشَّافعي إمام متفنن مُحرِّر كثير التصنيف، من تآليفه: "البحر المحيط"،و"لقطة العجلان وبلّة الظمآن"=انظر: "شذرات الذهب" (٨/ ٥٧٢)
(٢) انظر: "منهج النقد عند المُحدِّثين " للدكتور محمد مصطفى الأَعظمي (٧٧)
(٣) أخرجه أَبو داود في "السُنن"،كتاب "الجنائز" باب "في غسل الميت " (٣/ ٣٣٣ - ٣٣٤ رقم [٣١٦١])،والترمذي في سننه كتاب"الجنائز"،باب"ما جاء في الغُسْل من غُسل الميت " (٣/ ٣١٨ - رقم [٩٩٣]) وحسّنه، وكذا حسنه ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١/ ١٤٤)، وقوَّاه الحافظ الذهبي في "المهذب في اختصار السنن الكبير" (١/ ٣٠١)،وصححه ابن حزم في المحلى (٢/ ٢٥)،وابن حبّان في "صحيحه" (٣/ ٤٣٥ - الإحسان) وابن دقيق العيد كما في "الإمام" (٢/ ٣٧٢)،والألباني في الإرواء (١/ ١٧٣)،،واستقصى طرقه كل من ابن دقيق العيد، وابن الملقن في "البدر المنير" (٢/ ٥٢٤)، والإمام ابنُ القيِّم في "تهذيب سنن أبي داود " (٤/ ٣٠٦)،ونقل البخاري عن الإمامين أحمدبن حنبل وعلي بن المديني أنهما قالا: لا يصح في هذا الباب شيء، انظر: "العلل الكبير"للترمذي (١/ ٤٠٢)، وكذا روى= =البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٠٢) عن أبي بكرٍ المُطرِّز قال سمعت محمد بن يحي [يعني الذهلي] يقول: لا أعلم في "من غسل ميتًا"=حديثًا ثابتًا "، وقال ابن المنذر: ليس في الباب حديثٌ يثبت، كما نقله عنه الحافظ في التلخيص (١/ ١٤٥)،ونقل ابن أبي حاتم عن أبيه قوله في الحديث: قال أبي: هذا خطأٌ؛ إنّما هو موقوفٌ على أبي هريرة، لا يرفعه الثِّقات =العلل (٨٠١) وقد تابعه على ذلك البيهقي في"السنن الكبرى" (١/ ٣٠٧) والنووي في المجموع (٥/ ١٤٤)،إذ صححا وقفه على أبي هريرةوالراجح -والله أعلم- هو ما ذهب إليه الأئمة النُّقاد من عدم ثبوت شيءٍ عن النبي - ﷺ - في هذا الباب
[ ٩٣ ]
فبلغ ذلك عائشة -﵂- فقالت: (سبحان الله! أَمواتُ المسلمين أَنجاسٌ؟ وهل هو إلَاّ رجلٌ أَخذ عودًا فحمله؟!) (^١)
وهذا المثال لا حجة فيه؛ من وجوه:
الأوَّل: أنَّ الحديثَ موقوفٌ على أبي هريرة لا يصح رفعه إلى النبي - ﷺ - فيكون القول بالاغتسال من غسل الميت والتوضئ من حمله= اجتهادًا ذهب إليه - ﵁ -، فإن بدا اعتراض عليه فالاعتراض موجَّهٌ لاجتهاد أبي هريرة - ﵁ - لا لقول المعصوم - ﷺ -،فالمثال حينئذٍ خارج عن محل النزاع.
الوجه الثَّاني: أن قول عائشة - ﵂ - لا يصح إسنادًا إليها للانقطاع بينها وبين محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي المديني (^٢) الذي روى هذا القول عنها كما صرح بذلك الإمام الدَّراقطني فقال: (محمد بن إبراهيم لم يسمع من عائشة) (^٣) وضبَّب الإمام الذهبي في هذه الرِّواية فوق
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" كتاب "الطهارة" باب " الغسل من غسل الميت" (١/ ٣٠٧)
(٢) قال عنه الإمام أحمد: (محمد بن إبراهيم التيمي مديني في حديثه شيءٌ يروي أحاديث مناكير أو منكرة والله أعلم) قال ابن عدي معقبا: (إن كان ابن حنبل أراد محمد بن إبراهيم ابن الحارث التيمي مديني يحدث عن أبي سلمه =فهو عندي لابأس به، ولا أعلم له شيئًا منكرًا إذا حدَّث عنه ثقةٌ)، وقال الحافظ ابن حجر: (ثقة له أفراد) =انظر: "الكامل في ضعفاء الرجال" (٦/ ١٣١)،و"الضعفاء"للعقيلي (٥/ ١٨٤)،و"تهذيب الكمال" للمزي (٦/ ١٩٦)،و"تقريب التهذيب" لابن حجر (٨١٩)
(٣) "العلل"للدَّارقطني (١٤/ ٤١٤)
[ ٩٤ ]
محمد بن إبراهيم إشارة للانقطاع بينه وبين عائشة - ﵂ - (^١) .
وبذا يجتث الإشكال من جذره.
الوجه الثالث: أنه على تقدير صحة رفع الحديث، واتصال الرواية عن عائشة=يخرَّجُ اعتراضِ عائشة -﵂- على ما استقرَّ عندها من الدلائل الشرعية الدَّالة على انتفاء النجاسة عن المؤمن، والأَصلُ في ذلك ما وقع لأَبي هريرة نفسِهِ مع النبي - ﷺ - في قصة انخناسه منه لكونه جُنُبا، فقال - ﵇ -: (إنّ المسلم لا ينجُسُ) (^٢) لذا أَرادت - ﵂ - أَن تُعضّد المستقرّ عندها بـ"النظر العقلي "، وهو أنّ الأمر بالاغتسال من غسل الميت، والوضوء من حَمله =أَمرٌ يُخالفُ المعروف من هديه - ﷺ - والعقل أَيضًا لا يدلُّ عليه؛ لأنَّه إذا كان غير واجب على الإنسان الوضوء من مسّ جيفة، أو دم، أو خنزير ميت بالإجماع=فلأن يكون غير واجبٍ من مس الميت المسلم أو حمله أحرى (^٣) .
فاعتراضها - ﵂ - توظيف عقلي لدلالة النص الدَّال على البراءة من إيجاب الوضوء. ثم يبقى النّظرُ في صحة اجتهادها من عَدَمه في ردِّ الحديث؛ إذ قد يقال جوابًا لما قد استشكلته -لو قُدِّر صحة رفع الحديث-= ليس الغسل من غسل الميت تنجيسا من الميت، بل هو طاهر إن كان مؤمنا لكنه شريعة كالغسل من الإيلاج وإن كان كلا الفرجين طاهرا وكالغسل من الاحتلام (^٤) .
_________________
(١) انظر: "المهذب في اختصار السُّنن"للحافظ الذَّهبي (١/ ٣٠٤)
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب "الوضوء" باب "عرق الجُنُب، وأن المسلم لا ينجُس" (١/ ١٠٩ - رقم [٢٨٣]) ومسلم في كتاب "الحيض"، باب"الدليل على أن المسلم لاينجس " (١/ ٢٨٢ - رقم [٣٧١])
(٣) انظر: "الأوسط"لابن المنذر (٥/ ٣٥١)
(٤) انظر: "المحلى"لابن حزم (١١/ ٣٦٣)
[ ٩٥ ]
والمقصود: بيان أَنّ النظر العقلي المتمحض لم يكن مستعملًا لدى عائشة ﵂،.لذا كان الغُسل من غُسْلِ الميتِ: منسوخًا عند جَماعةٍ من أَهل العلم. فقد قال الإِمام أَبوداود السجستاني - ﵀- بعد إخراجه لهذا الحديث: (هذا منسوخٌ) (^١) . وعند بعضهم: الأمر فيه للاستحباب؛ لا للوجوب. ومن أهل العلم من يرى الأمر فيه على بابه وهو الوجوب (^٢)، وليس المقام مقام استتمام للأقوال في المسألة والترجيح بينها.
- المثال الثَّاني:
ما ورد عن عائشة - ﵂ - أنَّها لمَّا بلغها الحديث الذي يرويه أبوهريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يُدخِل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا) (^٣) فقالت ﵂: (يا أبا هريرة، فما نصنع بالمهراس؟) (^٤) وهذه الرِّوايةُ لا تثبتُ عن عائشة، ولا عن ابن عباس - ﵃ -،كما صرَّح بذلك الحافظُ ابن حجر؛ حيث قال معقبًا على إيراد بعض الأصوليين لها: (يعني أنَّ ابن عبّاس، وعائشة - ﵃ -، خالفا حديث أَبي هريرة في الأمر بغسل اليد لمن استيقظ قبل إدخالها في الإناء، واستشكلاه بما ذُكِرَ، وتَبِع المُصنِّف (^٥) في ذلك كلام الآمدي= ولا وجود لذلك في شيءٍ من كُتُبِ الحديث (^٦) .
_________________
(١) "السُّنن" لأبي داود السِجستاني (٣/ ٣٣٤)
(٢) انظر: "الاستذكار"لابن عبدالبر (٣/ ١٢)،و"شرح السُّنّة"للبغوي (٢/ ١٦٩)،و"المغني "لابن قدامة (١/ ١٢٣)
(٣) أخرجه مسلم في "الصحيح"كتاب "الطهارة"،باب"كراهة غمس المتوضي وغيره يده في الإناء" (١/ ٢٣٣ - رقم [٢٧٨])
(٤) المهراس: الحجر العظيم الذي تمتحن برفعه قوة الرجل وشدته ="النهاية" (١/ ٢٥٣)
(٥) يعني: ابن الحاجب.
(٦) انظر: "موافقة الخُبْر الخَبَرَ" (١/ ٤٦١)
[ ٩٦ ]
وهذا الاعتراض إنَّما يثبتُ عن قين الأشجعي؛ حيث قال لأبي هريرة - ﵁ - لمَّا ذكر الحديث: (كيف إذا جئنا مهراسكم هذا؟) فقال أبوهريرة - ﵁ -: (أعوذ بالله من شرّك يا قين) (^١) وقين الأشجعي معدود في التَّابعين من أصحاب عبد الله بن مسعود - ﵁ - لا في الصَّحابة (^٢)، فمعارضته خارجةٌ عن شرط هذه المُقدِّمة. ثم لوصحّ اعتراض عائشة لم يكن اعتراضها على حديث أبي هريرة لمخالفته معقولًا تحرر لديها؛ إذ لا معقول هنا يقتضي عدم وجوب غسل اليد قبل الإدخال في الإناء (^٣)
ثم يُقال: لو كانت المُحاكمة العقليَّة للنصوصِ هي الأَصل والأَساسُ عندها - ﵂ - =لما جرى إِنكارها على تلك المرأةِ التي سألتها قالت: أَتقضي إحدانا صلاتها أَيَّام حيضها؟ فكأنّ أمَّ المؤمنين -﵂- سبق إلى نفْسها أن تلك المرأة تنتحل مذهب الحروريّةِ الخوارج الّذين يردُّون السُّنن. فقالت - ﵂ -: أَحروريَّة أَنتِ؟ قد كانت إحدانا تحيضُ فلا تؤمرُ بالقضاءِ (^٤) .
قال العلاّمةُ أَحمد بن محمد شاكر -﵀- مُحشَّيًا على هذا الأَثر: (وأَمرُ الحائضِ بقضاءِ الصومِ وترك أَمرها بقضاء الصلاة؛ إنّما هو تعبد صِرْفٌ، لا يتوقف على معرفة حِكْمَته، فإن أَدركناها فذاك، وإلَاّ فالأَمر على العين والرأْسِ =وكذلك الشأْنُ في جميع أُمُورِ الشَّريعة، لا كما
_________________
(١) أخرجه أحمد في "المسند" (٣/ ٨٢ - رقم [٨٧٤١])،وأبي يعلى في "المسند" (١٠٦٠ - رقم [٥٩٦٦]) وسنده حسن =انظر: "الإرواء" (١/ ١٨٧)
(٢) انظر: "الإصابة في تمييز الصحابة"للحافظ ابن حجر (٥/ ٥٦٧)
(٣) انظر: "تيسير التحرير" (٣/ ١١٨)
(٤) أخرجه البخاري كتاب"الحيض" باب "لا تقضي الحائض الصلاة" (١/ ١٢٠ - رقم [٣٢١])، ومسلم كتاب "الحيض"باب "وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة" (١/ ٢٦٥ - رقم [٣٣٥])
[ ٩٧ ]
يفعل الخوارجُ، ولا كما يفعل كثيرٌ مِن أَهل هذا العصر: يريدون أَن يُحكِّموا عُقولهم في كُلِّ شأْنٍ من شؤون الدِّينِ، فما تقبلته قبلوه، وما عَجَزَت عن فَهمهِ، وإِدْراكه أَنكروه، وأَعرضوا عنه، وشَاعتْ هذه الآراءُ المُنكرةُ بين النَّاسِ، وخاصة المُتعلِّمين منهم، حتى ليكاد أَكثرهم يُعرضُ عن كثير من العبادات، ويُنكرُ أكثرَ أَحكام الشَّريعةِ في المُعاملات =اتِّباعًا للهوى، ويَزعمون أَن هذا ما يُسمُّونه روحَ التشريع أَو حكمة التشريع، وإنَّه لَيُخشى على من يَذهب هذا المذهب الرديء =أَن يَخرجَ به من ساحة الإِسلام المُنيرةِ إلى ظلام الكُفْرِ والردَّة والعياذُ بالله من ذلك، ونسأله أَن يَعْصِمنا باتِّباع الكتاب والسُّنّة والاهتداء بهديهما) (^١)
المثال الثالث:
مِن الأَمثلة كذلك التي قد يظنُّ أَنّها مما يكسر أصل أهل السنة في التسليم للنصوص =ما ورد من اعتراض عبد الله بن عبّاس - ﵁ - على أَبي هريرة - ﵁ - فيما رواه عن النبي - ﷺ - أَنَّه قال: (الوضوء ممّا مسَّت النَّار، ولو مِن ثور أَقط) فقال ابن عبّاس - ﵁ -:يا أَبا هريرة، أَنتوضأُ من الدُّهنِ؟ أَنتوضأُ من الحميم؟! فقال أَبو هريرة: يا ابن أخي إِذا سمعتَ حديثًا عن رسول الله - ﷺ - فلا تضْرب له مثلًا (^٢) .
فمعارضةُ ابن عبّاس - ﵁ - للخبر ليست مؤسَّسةً على نَظَرٍ عقلي أصالة، وإنّما على جهة التبع لدلالة النصية، ذلك أنَّ ما يرويه أبوهريرة - ﵁ - ليس هو المحكم الذي استقر عليه فعل النبي - ﷺ - والذي
_________________
(١) شرح الشيخ أحمد شاكر لسنن الترمذي (١/ ٢٣٥)
(٢) أخرجه الترمذي في "السنن" كتاب " الطهارة " باب "ما جاء في الوضوءمما غيرت النار " (١/ ١١٤ - ١١٥) وصحّح إسناده الشيخ أحمد شاكر، وحسَّنه الألباني انظر: "صحيح الجامع" (١/ ١٢٠١)
[ ٩٨ ]
شَهِده ابن عباس منه - ﷺ - =وإنما المحكم وآخر الأمرين منه - ﷺ - ترك الوضوء ممَّا مَسَّت النار. لذا روى ابن عباس أنَّ رسول الله - ﷺ - (جمع عليه ثيابه ثم خرج إلى الصلاة فأُتي بهديَّةٍ خُبْزٍ ولَحْمٍ. فأكل ثلاثَ لُقَمٍ. ثُمَّ صلَّى بالنَّاس. وما مسَّ ماءً) (^١)
فلمّا رأى ابن عباس إصرار أَبي هريرة على التحديث بما نُسِخ حكمه =أبان عن المحكم في هذه المسألة واعتضد بضَرب المعقول المُبرهن على صِحَّةِ ما شهده من النبي - ﷺ -.
ومما يُقيمك على الواضحة في ذلك وينفي عنك حوائم الرَّيب =ماتراه من جمعه - ﵁ - بين ما شهده من النبي - ﷺ - وبين المعقول الشرعي المُبرهِن على صحة ما ذهب إليه كما في الرواية الأخرى: فعن محمد بن عمرو بن عطاء قال: كنتُ مع ابن عباس في بيت ميمونة في المسجد، فجعل يعجبُ ممن يزعمُ أنَّ الوضوء ممَّا مَسَّت النار، ويضرب فيه الأمثال، ويقول: إنَّا نستحمُّ بالماء المُسَخَّنِ، ونتوضأ به وندَّهن بالدُّهن المطبوخ. وذكَرَ أَشياء مما يُصيب النَّاس ممَّا قد مَسَّتِ النَّار، ثم قال: لقد رأيتني في هذا البيت عند رسول الله - ﷺ -، وقد توضأ ولبِس ثيابَه، فجاء المؤذن فخرج إلى الصَّلاة حتَّى إذا كان في الحُجْرَةِ خارجًا من البيتِ لقيَته هدية عضو من شَّاة، فأكل منها لقمة -أو لُقمتين -ثُمَّ صلّى وما مسَّ ماء) (^٢) . قال الإمام البيهقي بعد سوقه لرواية ابن عباس - ﵁ -: (فيه دلالةٌ على أَنَّ ابن عبَّاسٍ شهد ذلك من رسول الله - ﷺ -) (^٣) والرِّواية الأخرى التي أخرجها مسلم مُصرِّحة
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه: كتاب "الحيض"باب"نسخ الوضوء مما مست النار" (١/ ٢٧٥ - رقم [٣٥٩])
(٢) أخرجها البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ١٥٣)
(٣) المصدر السَّابق (١/ ١٥٣)
[ ٩٩ ]
بشهوده - ﵁ - إذ فيها أنَّ ابن عباس شهد ذلك من النبي - ﷺ - (^١) .
لذا كان من فقه الإمام الترمذي -﵀بعد أَن أَورد حديثَ أَبي هريرة - ﵁ - أَن أعقبه ببابٍ عَنْون له بـ "ما جاء في تركْ الوضوء ممّا غيَّرتِ النَّارُ" ثم ساق بسنده حديث جابر - ﵁ - وفيه (خرج رسول الله - ﷺ - وأَنا معه، فدخل على امرأةٍ من الأَنصار فذبحتْ له شاةً فأكلَ، وأَتته بقناع من رطب فأكل منه، ثمَّ توضأ وصلّى، ثم انصرف، فأتته بعُلالة من علالة الشَّاة فأكل، ثم صلّى ولم يتوضأ) (^٢)
ثم قال: (والعمَلُ على هذا عند أَكثرِ أَهل العلم من أَصحاب النبي - ﷺ -، والتَّابعين، ومن بعدَهم وهذا آخرُ الأَمرين من رسول الله - ﷺ -، وكأنَّ هذا الحديث ناسخٌ للحديث الأَوَّلِ =حديثِ الوضوء مما مسَّت النار) (^٣)
فإن قال قائلٌ: دعوى أَن النظر العقلي لم يكن مُحكَّمًا عند هؤلاء الصحابة بالأَصالةِ =دعوى بُنيت على الظّن، والظَّنُ مذموم، ثم لنا أَن نقلب عليكم الدَّعوى ونقول: إنّ المُحكّمَ عند ذاك الجيل هو النظر العقلي والدلائل الشَّرعيةِ تقع على سبيل الاعتضاد؟
فيُقال: البرهان على صدقِ ما سبق بيانُهُ وتوضيحه، ما يلي:
١ - الآثار المتكاثرة عن صحابة رسول الله - ﷺ - والتي في جُملتها تدلُّ دلالةً تقطعُ الشَّك وتزرع اليقين =على تعظيمهم لسنّة رسول الله - ﷺ -،
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب "الحيض"باب"نسخ الوضوء مما مست النار" (١/ ٢٧٥ - رقم [٣٥٩])
(٢) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب "الطهارة"،باب "ما جاء في ترك الوضوء مما مسَّت النَّار" (١/ ١١٦ - ١١٧ - رقم [٨٠]) وصححه العلاّمة أحمد شاكر
(٣) المصدر السابق (١/ ١١٩ - ١٢٠)،وهو مذهب الخلفاء الراشدين ترك الوضوء ممامسته النار -إلاّ لحم الجزور- انظر: "معرفة السنن والآثار "للبيهقي" (١/ ٤٤٧)،و"المجموع" للنووي (٢/ ٦٩)،والنَّفح الشَّذي"لابن سيد الناس (٢/ ٢٥٠)
[ ١٠٠ ]
واتِّهامهم لرأْيهم عند سُنَّته - ﷺ -، ولذلك عَقدَ "الخطيب البغدادي " -﵀- بابًا في كتابهِ "الفقيه والمُتفقِّه" وَسَمه بـ " ذكْرُ ما روي من رُجوع الصحابةِ عن آرائهم التي رأوها إلى أَحاديثِ النبي - ﷺ - إِذا سمعوها ووعوها)
والمقامُ يستدعي ذكر بعض تلك الصور النيَّرة التي تُبرهن على تعظيم ذلك الجيل لسنته - ﷺ -
أ- فعن سعيد بن المُسيّب قال: كان عمرُ بن الخطَّاب يقول: الدِّية للعاقلةِ لاترثُ المرأةُ مِن ديةِ زوجها شيئًا.
فقال له الضحاك بن سُفيان: كتب إليَّ رسولُ الله - ﷺ -: أَن أورّث امرأة أَشيم الضبابي من دية زَوجها. =فرجع عُمرُ عن قوله (^١) .
فرجوعه - ﵁ - عن رأيه -وهو الخليفة الرَّاشد- علامة على تعظيمه - ﵁ - للسُّنن.
ب- ما ورد عن ابن عمر - ﵁ - أَنّه كان يكْري (^٢) أَرض آل عمر، فسأل رافع بن خُديج، فأخبره (أنَّ رسول الله - ﷺ - نهى عن كراء الأَرضِ) =فترك ذلك ابن عمر - ﵁ - (^٣) بل ثبت عنه أَنّه ﵁ كان يُكري مَزارعه على عهد رسول الله - ﷺ - وفي إمارة أَبي بكر وعمرَ وعثمانَ، وصَدْرًا من خِلافة معاوية حتى بلغه في آخر خلافةِ معاوية، أنَّ رافعَ بن خديج يُحدِّثُ فيها بنهي عن النبي - ﷺ - (^٤)؛فترَكه - ﵁ - طواعيةً لله بعد هذا العمر في
_________________
(١) أخرجه أَبو داود في "السُنن" كتاب" الفرائض" باب"في المرأة تَرثُ دية زَوجِها " (٣/ ٢٢٧ - ٢٢٨_رقم [٢٩٢٧])، والترمذي كتاب"الفرائض" باب"ما جاء في ميراث المرأة من دية زوجها " (٤/ ٣٧١ - رقم [٢١١٠]) دون ذكر رجوع عمر، وابن ماجه كتاب "الدِّيات " باب"الميراث من الدِّية" (٢/) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، والخطيب البغدادي= =في "الفقيه المتفقه " (٢/ ٣٦٤ - رقم [٣٥٩])
(٢) الكراء: الإجارة =معجم لغة الفقهاء (٣٤٧)
(٣) أخرجه مسلم كتاب "البيوع" باب"كراء الأرض" (٣/ ١١٧٩ - رقم [١٥٤٧])،والخطيب البغدادي (٢/ ٣٦٨ - رقم [٣٦٧])
(٤) أخرجه مسلم في كتاب"البيوع" باب"كراء الأرض" (٣/ ١١٨٠ - رقم [١٥٤٧])
[ ١٠١ ]
العمل بما علمه من النبي - ﷺ - فما أَن بلغته سُنةٌ عن رسول الله =حتى لزِم غرزها، وانقاد لها.
ج- فعن أبي الجوزاء قال: سألت ابن عبَّاس عن الصَّرف (^١) فقال: (يدًا بيدٍ لا بأس به) ثم حججتُ مرَّة أُخرى، والشيخُ حيٌّ، فأتيته فسألته عن الصَّرف قال: (وزنًا بوزنٍ) قلتُ له -القائل أبو الجوزاء-: إنَّك كُنت أَفتيتني اثنتين بواحد، فلم أَزل أُفتي به منذُ أَفتيتني =قال ابن عباس: كان ذلك عن رأْيٍ، وهذا أَبو سعيد الخُدري يُحدِّثُ عن النبي - ﷺ -، فتركتُ رأيي لحديثِ رسول الله - ﷺ -) (^٢)
د- بل يبلغ الأَمر في ذات السُّنّة إلى الهجر والتقاطع: فعن سالم بن عبدالله بن عمر عن أَبيه أَنَّه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنّكم إليها) قال: فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن. فأقبل عليه عبدالله بن عمر فسبَّه سبًّا سيئًا ما سمعته سبّه مثله قط، وقال: أُخبرُك عن رسول الله - ﷺ -،وتقول والله لنمنعهن!! (^٣)
والآثار في ذلك كثيرة جدًّا ليس المقام مقام إحاطة بالمرويّ في هذا الباب، إذِ المقصود بيان أَن المتقرر لدى ذاك الجيل هو تعظيم السُّنّة، واطِّراح كلِّ ما يُخالفها من الآراء.
_________________
(١) الصرف: مبادلة نقد بنقد =انظر: معجم لغة الفقهاء (٢٤٤)
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٥١)،وابن ماجه في "السُّنن"كتاب "التِّجارات"،باب"من قال لا ربا إلّا في النَّسيئة" (٢/ ٧٥٩ - رقم [٢٢٥٨]) مُختصرًا، والبيهقي في"السُّنن الكبرى" (٥/ ٢٨٢) والخطيب البغدادي (١/ ٣٦٩ - رقم [٣٦٩]) وإسناده صحيح =انظر: "إرواء الغليل" (٥/ ١٨٧ - ١٨٨)
(٣) أخرجه مسلم في كتاب" الصلاة " باب"خروج النساء إلى المساجد " (١/ ٣٢٧ - رقم [٤٤٢])
[ ١٠٢ ]
٢ - ومن البراهين الدَّالة على أَنَّ النَّظر الشَّرعي هو المقدّم = انتفاء ما يدلُّ دلالة مُحَقَّقةً على نقيض ما هو ثَّابت عنهم من التعظيم للسنة والانقياد لها.
٣ - أَن ذلك النَّظر الذي وقع من بعض صحابة رسول الله - ﷺ - لم يكن نظَرًا، ورأْيًا صرْفًا فذلك لا يكون إلَّا من أَهل الأهواء، الّذين حذّر منهم عمر بن الخطاب صحابةَ رسول الله - ﷺ - بقوله: (أصبح أهل الرَّأي أَعداء السُّنن، أَعيتهم الأحاديثُ أَن يعوها وتفلّتت منهم أن يرووها، فاستبقوها بالرأْي) (^١) بل كان من النظر المستعصم بالدلائل الشَّرعية.
ثم قد يكون هذا الدَّليلُ الشّرعي مُحْكمًا، وقد يكون قد دخله النسخ، أو التخصيص، أو التقييد، أَو يكون قد دخل الوهم في تحمُّل الرِّواية. كلُّ ذلك قد يقع.
٤ - أَنَّ شاهدَ العقل يُحيلُ أَن يكون أولئك الكرام الجلّة من أَصحاب رسول الله - ﷺ - يستسيغون ردَّ أحاديثه، ويتجاسرون على تركْ العمل بها =لا يقولُ ذلك إلَاّ جاهل بحالِ أولئك الأبرار، وما استفاض عنهم من طواعيتهم لله استفاضةً تُحيلُ ذلك عليهم.
= وخلاصة القول: أنَّ التمعقل على النَّص الشَّرعي ليس ثابتًا عن الصحابة - ﵃ -. وإنّما المستقرّ تعظيم النَّصِ، والتسليم له، وهذا التسليم هو معطى عقليٌ، ونتيجةٌ بدهية لقيام البرهان لديهم على صدقه - ﷺ - وعصمة شريعته، وجريانها على منهج العقل الفطري.
وإنَّما المتحقق من حالهم انقداح الاستشكال لدى بعضهم في فهم بعض النصوص، فيأتي الجواب النبوي رافعًا لما استُشْكِل. كما ثبت من جوابه - ﷺ - لعُمر حين أشكل عليه مخاطبة النبي - ﷺ - لأهل القليب (^٢) .
_________________
(١) أخرجهما ابن عبد البر في "جامع بيان العلم " (٢/ ١٠٤١ - رقم [٢٠٠١ - ٢٠٠٢])
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب "المغازي " باب "قتل أبي جهل" (٣/ ٨٦ - رقم [٣٩٧٦])، ومسلم كتاب "الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها"،باب"عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه" (٤/ ٢٢٠٤ - رقم [٢٨٧٥])
[ ١٠٣ ]
وكما ثبت من جوابه لعائشة لمّا أَشكل عليها قول النبي - ﷺ -: (من نوقش الحساب عُذِّب) (^١)
وكاستشكالهم حشْر صنفٍ من الناس يوم القيامة على وجوههم، كما ثبت عن أَنس بن مالك - ﵁ -،أنَّ رجلًا قال: يا نبيَّ الله كيف يُحْشر الكافرُ على وجْهِهِ يوم القيامة؟ قال - ﷺ -: (أليسَ الَّذي أَمْشَاهُ على الرِّجلين في الدُّنيا قادرًا على أَن يُمْشيه على وجهه يوم القيامة) (^٢)
وغيرها من الشواهد الدَّالة على إعمالهم العقل في فهم الدَّلائل =أو حصول المعارضة للنَّصِّ بعد وفاته - ﷺ - بدليل شرعي قد يعتضد بنظر عقلي يؤيده لا بمعقول محض، وذلك في وقائع نادرة كما تقدم.
وبالجملة: فإنَّ الحديثَ متى كان صحيحًا محكمًا، فالأمر فيه كما قرَّره الإمام الشَّافعي -﵀- عندما سئل بأي شيءٍ يثبت الخبر، فقال: (إذا حَدَّث الثقةُ عن الثقةِ حتى ينتهي إلى رسول الله - ﷺ -، ولا يُترك له حديثٌ أَبدًا= إلا حديثٌ واحدٌ يُخالفُه حديثٌ، فيذهب إلى أَثبت الرِّوايتين، أو يكون أَحدهما مَنسوخًا فيعمل بالنَّاسخِ، وإن تَكَافيَا =ذَهَبَ إلى أشبههما بكتاب الله وسنة نَبيِّه فيما سواهما. وحديث رسول - ﷺ - مستغن بنفسه وإذا كان يروى عمن دونه حديث يخالفه لم ألتفت إليه وحديث رسول الله - ﷺ - أولى) (^٣) .
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب"العلم" باب"من سمع شيئًا فراجع حتى عرفه" (١/ ٥٤ - [١٠٣])
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب "التفسير"،باب"سورة الفرقان" (٦/ ١٠٩ - رقم [٤٧٦٠]) ومسلم في "صحيحه"كتاب "صفات المنافقين وأحكامهم"،باب"يحشر الكافر على وجهه" (٤/ ٢١٦١ - رقم [٢٨٠٦])
(٣) أخرجه الهروي بإسناده في "ذمِّ الكلام وأهله" (٢/ ١٧٥)،وهو في كتاب"اختلاف مالك والشَّافعي" (٨/ ٥١٣ - ٥١٤ - الأم)،وإنَّما سُقتُ ما أخرجه الهروي مع وجود الأَصل؛ لأنَّ الرِّواية عنده مختصرة ودالَّة على المقصود
[ ١٠٤ ]
وحينئذٍ كان قول من ردّه أو تأوّله على خلاف ظاهره =مرجوحًا، ويكون الصواب مع ما دلَّ عليه الحديث. يقول الإمام ابن تيمية -﵀-: (ما علِمْنا أحدًا من الصَّحابة والتَّابعين مع فضل عقلهم، وعلمهم، وإيمانهم؛ ردُّوا حديثًا صحيحًا وتأولوه على خلاف مُقتضاه، لمخالفة ظاهر القرآن في فهمهم، أو لمخالفة المعقول، أو القياس=إلا كان الصَّوابُ مع الحديثِ ومَن اتَّبعهُ، فكيف بمن بعدهم؟! وهذا من معجزات الرَّسول، وآيات حفظِ دينِهِ وشرعه وسُننِه) (^١) .
* * *
_________________
(١) "جواب الاعتراضات المصرية"للإمام ابن تيميَّة (٧٦)
[ ١٠٥ ]