عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ويُضْرَبُ جَسْرُ جهنَّم) قال رسول الله - ﷺ -: (قال رسول اللَّهِ - ﷺ - فَأَكُونُ أَوَّلَ من يُجِيزُ. وَدُعَاءُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَبِهِ كَلَالِيبُ (^١) مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ (^٢)، أَمَا رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟) قالوا: بَلَى يا رَسُولَ اللَّهِ. قال: (فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غير أنها لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إلا الله. فَتَخْطَفُ الناس بِأَعْمَالِهِمْ؛ منهم الْمُوبَقُ (^٣) بِعَمَلِهِ وَمِنْهُمْ الْمُخَرْدَلُ (^٤).
ثُمَّ يَنْجُو) (^٥) متفق عليه.
وعن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول الله، هل نَرَى رَبَّنَا يوم الْقِيَامَةِ؟ .. الحديث، وفيه: (ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بين ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ). قُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ وما الْجَسْرُ قال: (مَدْحَضَةٌ مَزلَّةٌ (^٦) عليه خَطَاطِيفُ، وَكَلَالِيبُ، وَحَسَكَةٌ (^٧) مُفَلْطَحَةٌ (^٨) لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ تَكُونُ
_________________
(١) الكَلالِيبُ: مَخالِيبُ البازِي والشاكي: مأْخُوذٌ من الشَّوْكَة وهو مَقلوبٌ أَي حادُّ المَخَالِيبِ= "تاج العروس"للزبيدي (٤/ ١٦٩).
(٢) شوك السعدان: نَبْتٌ ذو شَوكٍ، وهو من جيِّد مراعي الإبل تسمن عليه، ومنه المَثَل (مرعىً ولا كالسَّعدان) =انظر:"النِّهاية في غريب الحديث" (٤٢٩)
(٣) المُوبق: المُهلك=انظر:"النهاية" (٩٥٦).
(٤) المُخردَل: هو المَرميّ المصروع، وقيل المُقطَّع، تُقطعه كلاليب الصراط حتى يهوي في النَّار ="النِّهاية في غريب الحديث" (٢٥٩).
(٥) أخرجه البخاري - كتاب"الرقاق"باب"الصراط: جَسْرُ جهنم" (٨/ ١١٧ - رقم [٦٥٧٣]) ومسلم كتاب"الإيمان"باب"معرفة طرق الرؤية"واللفظ للبخاري.
(٦) مَدْحَضَة مَزَلَّة: المَزَلَّة مفعَلةٌ من زَلَّ يَزل إذا زَلق وتُفْتح الزَّاي وتُكْسر، أراد أنَّه تزلَقُ عليه الأقْدَام ولا تثبت="النهاية" (٤٠١)
(٧) حَسَكَةٌ: شَوكة صُلْبة =انظر:"النهاية" (٢٠٨).
(٨) مُفلْطحة: المفلطح ما فيه اتساع وهو عريض=انظر"فتح الباري" (١٣/ ٥٢٩).
[ ٥٦٦ ]
بِنَجْدٍ يُقَالُ لها السَّعْدَانُ الْمُؤْمِنُ عليها كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ وَمَكْدُوسٌ في نَارِ جَهَنَّمَ حتى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا) (^١) متفق عليه.
وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، قال: بَلَغَني أَن الجسر أَدقُّ من الشَّعرةِ، وأَحدُّ من السَّيْفِ (^٢) .
* * *
تمهيد:
دلّت الأحاديث المتقدمة على إثبات الصراط يوم القيامة. والصراط في جاري لسان العرب: على زِنَة فِعَال؛ وهو: الطريق المستقيم. ومنه قول الشاعر:
أكرُّ على الحَرورييّن مُهْري وأَحْملُهم على وَضَحِ الصِّراطِ
والسراط في الأصل: هو البلْع. ومنه سمي صراطًا؛ لأنه يسرُط المارة فيه بكثرة سلوكهم به: أي يبتلعهم (^٣) .
وأما في موارد الشَّرع: فهو الجَسْرُ المنصوب على متن جهنَّم لعبور الخلائق إلى الجنة.
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب"التوحيد"باب"قوله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ (٩/ ١٢٩ - رقم [٧٤٣٩]) ومسلم كتاب"الإيمان"باب"معرفة طرق الرؤية" (١/ ١٦٧ - رقم [١٨٣]) واللفظ للبخاري. () أخرجه مسلم (١/ ١٦٧) .
(٢) انظر:"مقاييس اللُّغة"لابن فارس (٣/ ٣٤٩)،و"مفردات ألفاظ القرآن" (٤٨٣) ونَسَبَ الزبيدي البيتَ في"تاج العروس" (١٩/ ٤٣٧) إلى القعقاع بن عطية الباهلي. وروايته فيه: أَكُرُّ عَلَى الحَرُورِيِّينَ مُهْرِي لأَحْمِلَهُم عَلَى وَضَحِ الصِّرَاطِ
[ ٥٦٧ ]
قال الإمام النووي - ﵀ -: (جسر على متن جهنم يمرّ عليه النَّاس كلّهم) (^١) .
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ -: (الجَسْرُ المنصوب على جهنم، لعبور المسلمين عليه إلى الجنة) (^٢) .
وقد تضمنت النصوص المتقدمة صفات ذلك الصراط. وحاصل تلك الصفات:
- أنه أَدق من الشعرة وأَحدُّ من السّيف.
- أنه مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، لا تثبت عليه الأقدام؛ إلاّ مَنْ ثبّته الله تعالى.
- أنّ عليه كَلالِيبَ وخطَاطيفَ، وحَسَكًا مِثل شَوْك السّعدان، تخطِف مَن أُمِرت بخطفه.
- أن الرسل على جانبيه يقفون، دعواهم يومئذٍ: (اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ) .
وبمضمون هذه الأدلة قال أهل السنة والجماعة، وعَدّوا ذلك من جُمَلِ عقائدهم، وقد نقل الإجماع على ذلك جِلّةٌ من الأئمة:
قال أبو الحسن الأشعري - ﵀ -: (وأَجمعوا على أَنّ الصراط جسر ممدود على جهنم، يجوز عليه العباد بقدر أَعمالهم، وأَنهم يتفاوتون في السرعة والإبطاء بقدر ذلك) (^٣) .
وقال ابن القطان - ﵀ -: (وقد أَجمع السَّلفُ على إِثباته وهو جسر على متن جهنم ) (^٤) .
وقد ذهب شرذمة من أهل البدع إلى مخالفة ما دلت عليه تلك
_________________
(١) "شرح صحيح مسلم"للنووي (٣/ ٢٠) .
(٢) "فتح الباري"لابن حجر (١١/ ٥٤٣ - ط/دار السلام)،وانظر:"لوامع الأنوار" (٣/ ١٩٢) .
(٣) "رسالة إلى أهل الثغر" (٢٨٦) .
(٤) "شرح صحيح مسلم" (٣/ ٢٠) .
[ ٥٦٨ ]
النُّصوصِ من إثبات الصراط، وما اتصف به من الصفات، واختلفت مواقفهم تجاه تلك الأدلة.
وهي لا تخرج في جُمْلتها عن أحد موقِفين
- إمَّا: ردّ تلك الدلائل مطلقًا، وإنكار الصراط رأسًا.
- وإمَّا: تأويل الصراط أو تأويل صفاته الواردة في الأحاديث الصحيحة.
مَن رَدَّ تلك الدلائل مطلقًا:
وممن ذهب إلى إنكار الصراط رأسًا: الجهم بن صفوان (^١) رأس الجهمية وإمامهم، ونُسِب إلى بعض أَعيان وشيوخ المعتزلة، كواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وأَبي الهذيل، وبِشر بن المعتمر (^٢)،وبشرٍ المريسي (^٣).
ومما ينبغي أن يُلخط أن في نسبة " إنكار الصراط " إلى جُملة المعتزلة = نظرًا؛ لأنَّه قد وجد من أَئمة المعتزلة من يُثبت أَصل الصراط، كإِثبات القاضي عبد الجبار، وإن كان إثباته له إِثباتًا منقوصًا، لِنفْيه صفاتِه التي وردت بها السُنّة. - كما سيأتي بحول الله - ولذلك تراه ينكر على مشايخه تأويلهم للصراط بأنه: (الأدلة الدالة على الطاعات، التي من تمسك بها نجا وأفضى إلى الجنة، والأدلة الدالة على المعاصي التي من ركبها هَلَك واستحق من الله تعالى النار) (^٤).
بأنّ: (ذلك مما لا وجه له؛ لأنَّ فيه حَمْلًا لكلام الله تعالى على ما ليس يقتضيه ظاهره. وقد كرّرنا القول في أن كلام الله تعالى مهما أمكن حمله على حقيقته فذلك هو الواجب، دون أَن يصرف عنه إلى المجاز) (^٥).
_________________
(١) انظر"التنبيه والرد" (١١٣، ١٢١).
(٢) انظر:"شرح عقيدة مالك الصغير"للقاضي عبدالوهاب المالكي (٩٨).
(٣) انظر:"تاريخ بغداد" (٧/ ٥٣٤، ٥٣٧).
(٤) "شرح الأصول الخمسة" (٧٣٨).
(٥) المصدر السابق (٧٣٨).
[ ٥٦٩ ]
وأمَّا تأويل الصراط، فقد جنح إليه:
- بعض الإباضية، وذلك بتفسيرهم الصراط بأنَّه " الحقّ ". وفي ذلك يقول عبد الله بن حميد السالمي: (قوله تعالى ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ الملك: ٢٢ هو عبارة عن الحق وعلى هذا يحمل ما ورد من الأحاديث في بيان الصراط؛ لأنه إنما هو تمثيل لحالة الحق، وبيان ما فيها من الحق العظيم، وتمثيل لأحوال سالكيه ما بين موبق ومخذول) (^١)،وقد ذهب السَّالمي في موطن آخر إلى تفويض ما دلت تلك الأحاديث من إثبات الجسرية وغير ذلك=إلى الله، فتراه يقول: ( والّذي يظهر لي ابقاء الأحاديثِ على أَصلها [يعني أحاديث الصِّراط] من غير تعرُّضٍ لردِّها على راويها، وتفويض أَمره إلى الله، فمن صَدَّقها من غير قطع بفكر من خالفه فيها =فقد أَحسن ظنّه بالرَّاوي، ولا بأس عليه إِن شاء الله) (^٢).
أما من أنكر ما اتصف به الصراط:
- فكإنكار القاضي عبد الجبار، حيث أنكر كون الصراط أَدقّ من الشعرة، وأحدّ من السيف، مع وصَفْه من عندياته بصفةٍ لم تنعته به الأدلة الصحيحة الواردة في هذا الباب.
قال القاضي: (ومن جملة ما يجبُ الإقرار به واعتقاده: الصراط. وهو: طرق بين الجنة والنار، يتّسع على أهل الجنة، ويضيق على أهل النار إذا راموا المرور عليه، وقد دَلَّ القرآن عليه، قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ الفاتحة: ٦ - ٧ فلسنا نقول في الصراط ما يقوله الحشوية، من أنَّ ذلك أدقّ من الشعر وأَحدّ من السيف، وأن المكلفين يُكلَّفون اجتيازه، والمرور به؛ فمن اجتازه فهو من أهل الجنة، ومن لم يمكنه ذلك فهو من أهل النار ) (^٣).
_________________
(١) "بهجة الأنوار"للسَّالمي (١٠٦).
(٢) "مشارق أَنوار العقول"للسَّالمي (٣٧٢).
(٣) "شرح الأصول الخمسة" (٧٣٧).
[ ٥٧٠ ]
-[وقد نُسب إلى جماعة؛ كالإمام «البيهقي»، و«العزّ بن عبد السلام» وتلميذه «القرافي» -﵏ - (^١) =إنكارهم أن يكون الصراط أَدقَّ من الشَّعَر، وأَحدَّ من السيف، فتأوَّل بعضهم ذلك بأنه عبارة عن مَثَلٍ ضُرب لِعُسْرِ ويُسْرِ الجواز على الصراط بقدر ما أصابه العبد من المعاصي والطاعات، وأن وَصْفه بأنه (أحدّ من السيف) مَثَلٌ للإبانة عن إسراع الملائكة في المضي لامتثال أَمر الله، وإِجازة الناس عليه.
وقد نقل السفَّاريني - ﵀ - عن «القرافي» أنه قال تبعًا «للبيهقي»: (كون الصراط أَدقّ من الشّعَر وأحدّ من السيف: لم أَجده في الرِّوايات الصحيحة، وإنما يروى عن بعض الصحابة، فيُؤوّل بأن أمره أدقّ من الشَّعَر؛ فإن يُسر الجواز عليه وعسرَهُ على قدر الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدود ذلك إلا الله. وقد جرت العادة بضرب دِقة الشعر مثلًا للغامض الخفيّ، وضَرب حد السيف؛ لإسراع الملائكة في المضي لامتثال أمر الله، وإجازة الناس عليه) (^٢).
والبيهقي نَقل عن الحُليمي تأويله ما جاء من أنَّ الصراط أدقُ من الشَّعَرِ، ثم أعقب نقله بنفي وجدانه هذا الوصف في الروايات الصحيحة، حيث قال: (قال الحليمي - ﵀ - قوله: في الصراط إنه أدقُّ من الشَّعَرَةِ معناه= أنَّ أَمْرَ الصِّراط والجواز عليه أَدقُّ من الشَّعَرِ أي: يكون عُسْرَه ويُسْرَهُ على قدر الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدودَ ذلك إلا الله - ﷿ - لخفائها وغموضها، وقد جرت العادة بتسمية الغامض الخفي دقيقًا وضَرَب المثل له بِدقَّة الشَّعَرَةِ، وقوله: إنَّه أحدُّ مِن السَّيفِ فقد يكون معناه- والله أعلم- أن الأمر الدقيق الذي يصدر من عند الله إلى الملائكة في إجازة الناس على الصراط يكون في نَفَاذِ حَدِّ السَّيفِ ومُضيِّه منهم إلى طاعته وامتثاله، ولا يكون له مرد، كما أنَّ السيفَ إذا نَفَذَ بِحَدِّهِ وقوةِ ضَارِبِهِ في شيءٍ لم يكن له بعد ذلك مرد (^٣). قال البيهقي - ﵀ -: وهذا اللَّفْظُ من الحديث لم أَجِدْهُ في الرِّوايَاتِ الصَّحيحةِ) (^٤)] [*].
- وتأوَّل القاضي أَبو بكر بن العربي (الكلاليب) الواردة في الحديث بأنَّها الشهوات الواردة في قول النبي - ﷺ -: (حفت النَّار بالشهوات) (^٥)، فقال: (فالشهوات موضوعة على جوانبها، فمن اقتحم شهوةً سقط في النّار؛ لأنَّها خَطَاطِيفُها) (^٦).
وكلُّ ما تم سَوْقُه من هذه التأويلات، لا تجد لها في الثبوت قَدَمًا، فليس لها أصل تَنْزِعُ إليه ولا مَأخذٌ من نُورِ الحق تأوي إليه؛ وإنّما مَردّ ذلك= الشَّغفُ بتأويل ما عَجَزَت عقولهم عن إدراكه.
_________________
(١) انظر: "شرح لوامع الأنوار" (٢/ ١٩٣).
(٢) "لوامع الأنوار" (٢/ ١٩٣)، وانظر: "شرح إِضاءة الدُّجنّة "لمحمد بن أحمد الشنقيطي (٧٥ - ٧٦)
(٣) انظر:"المنهاج" (١/ ٤٦٣) والحلِيمي (٣٣٨ - ٤٠٣ هـ):هو الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم، أبوعبدالله البخاري الحليمي الشافعي، من أذكياء زمانه ومن فُرْسان النَّظر =انظر: "تذكرة الحفاظ" (٣/ ١٠٣٠).
(٤) "شُعب الإيمان" (١/ ٥٦٥).
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب"الجنَّة وصفة نعيمها" (٤/ ٢١٧٤ - رقم [٢٨٢٢]).
(٦) نقلًا عن "فتح الباري" لابن حجر (١١/ ٥٥٣). [*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين المعكوفين ليس في المطبوع، وأضفناه من أصل الرسالة الجامعية
[ ٥٧١ ]