عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (وَالَّذِي نَفْسِي بيده؛ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا (^١): فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ (^٢)، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ (^٣)، وَيَفِيضَ الْمَالُ (^٤) حتى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ؛ حتّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا من الدُّنْيَا وما فيها).
ثم يقول أبو هريرة - ﵁ -: واقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ النساء:١٥٩) متفق عليه (^٥).
وعن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: (كَيْفَ أَنْتُمْ إذا نَزَلَ ابن مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟) متفق عليه (^٦).
_________________
(١) "حَكَما عدلا":أى ينزل حاكما بهذه الشريعة لا ينزل نبيا برسالة مستقلة وشريعة ناسخة بل هو حاكم من حكام هذه الامة. انظر"شرح صحيح مسلم" (٢/ ١٩٠).
(٢) "يكسر الصليب": أي يكسره حقيقة ويبطل ما يزعمه النصارى من تعظيمه. انظر"المصدر السابق".
(٣) "ويضع الجِزيةَ": أي لا يقبلها ولا يقبل من الكفار إلَاّ الإسلام ومن بذل منهم الجزية لم يُكَفَّ عنه بها. بل لا يقبل إلَاّ الإسلام أَو القتل. انظر"المصدر السابق".
(٤) "يفيض المال":بفتح الياء ومعناه يكثر وتنزل البركات وتكثر الخيرات بسبب العدل."المصدر السابق".
(٥) أخرجه البخاري في: كتاب الأنبياء، باب: نزول عيسى ابن مريم - ﵇ - (٤/ ١٦٨ - رقم [٣٤٤٨]) ومسلم في: كتاب الإيمان، باب: نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد - ﷺ - (١/ ١٣٦ - رقم [١٥٥]).
(٦) أخرجه البخاري في: كتاب الأنبياء، باب: نزول عيسى ابن مريم - ﵇ - (٤/ ١٦٨ - رقم [٣٤٤٩]) ومسلم في: كتاب الإيمان، باب: نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد - ﷺ - (١/ ١٣٦ - رقم [١٥٥]).
[ ٤٧٦ ]
وعن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ من أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ على الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) قال: (فَيَنْزِلُ عِيسَى بن مَرْيَمَ - ﷺ - فيقول أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لنا. فيقول: لَا؛ إِنَّ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ أُمَرَاءُ. تَكْرِمَةَ اللَّهِ هذهِ الْأُمَّةَ) (^١) .
عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (وَالَّذِي نَفْسِي بيده؛ لَيُهِلَّنَّ ابنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرُّوحاءِ (^٢)؛ حَاجًّا، أو مُعْتَمِرًا، أو لَيَثْنِيَنَّهُمَا) (^٣) .
وعن النَّواس بن سمعان - ﵁ - قال: ذَكَرَ رسول الله - ﷺ - الدَّجَّالَ ذاتَ غَدَاةٍ الحديث. وفيه: (فبَيْنَما هُمْ كَذلِكَ [أي بينما الشاب الذي ضربه الدجال بالسيف فقطعه جَزْلَتَيْن، ثمّ دَعَاهُ، فأقبلَ ووجهُه يتهلّل من الضحك سُخْريةً بالدجال] إِذْ بَعَثَ الله الْمَسِيحَ ابنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بين مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ على أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ؛ إذا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وإذا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ منه جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ. فلا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إلا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حتى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ. ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قد عَصَمَهُمْ الله منه، فَيَمْسَحُ عن وُجُوهِهِمْ، وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ في الْجَنَّةِ ) (^٤) الحديث.
_________________
(١) أخرجه مسلم في: كتاب الإيمان، باب: نزول عيسى ابن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد - ﷺ - (١/ ١٣٧ - رقم [١٥٦]) .
(٢) فج الرُّوحاء: بين مكة والمدينة كان طريق رسول الله - ﷺ - إلى بدر وإلى مكة عام الفتح وعام الحج، معجم البلدان (٤/ ٢٣٦) .
(٣) أخرجه مسلم في: كتاب الحج، باب: إهلال النبي - ﷺ - وهدْيِه (٢/ ٩١٥ - رقم [١٢٥٢]) .
(٤) أخرجه مسلم في: كتاب"الفتن وأشراط السَّاعة"، باب:"ذِكر الدجال وصفته وما معه" (٤/ ٢٢٥٣ - رقم [٢٩٣٧])
[ ٤٧٧ ]
تمهيد:
تضمّنتْ الأحاديثُ المُسَاقةُ آنفًا إثباتَ نزول نبيِّ الله عيسى ابن مريم - ﵇ -. وهذه الأحاديث قد بلغت في ذلك مبلغ التواتر، وصَدَعَ أَهل العلم ببيان ذلك.
ومن أولئكم:
١ - الإمام محمد بن جرير الطبري - - ﵀ - ـ؛ حيث صَرَّح بتواتر أحاديث نزول عيسى - ﵇ - - وسيأتي النقل عنه في موضعه ـ.
٢ - الإمام أَبو الحسين محمد بن الحسين الآبُرِيّ (^١) - - ﵀ - - كما نقله عنه غير واحد (^٢)؛ حين قال في كتابه " مناقب الشافعي ": (قد تواترت الأَخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى - ﷺ - - يعني في المهدي -، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، ويملأ الأَرض عدلًا، وأنه يخرج عيسى ابن مريم فيساعده على قتل الدّجال بباب لُدّ بأرض فلسطين، وأنه يؤم هذه الأمة [أي المهدي] وعيسى - صلوات الله عليه - يُصلِّي خَلْفَه)
وممن حَكَمَ بتواتر أحاديث نزول عيسى - ﵇ -:
_________________
(١) محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم: أبو الحسنين. وقيل: أبو الحسين السجستاني، الآبري، الشافعي. أحد الأئمة الحُفّاظ. من كتبه:"مناقب الشافعي"، توفي سنة (٣٦٣ هـ) . انظر:"سير أعلام النبلاء" (١٦/ ٢٩٩)، و"طبقات الشافعية الكبرى" (٣/ ١٤٩)
(٢) انظر: مثلًا"تهذيب الكمال"للحافظ المزي (٦/ ٢٩٧)، و"فتح الباري"للحافظ ابن حجر (٦/ ٦٠٣ - ط دار السلام)، و"الصواعق المحرقة"لابن حجر الهيتمي المكي (٢/ ٤٨٠)، = =و"نَظْم المتناثر"للكتاني (٢٤٠) . وقد وقع تصحيف في اسم الإمام"أبو الحسين الآبري"في"فتح الباري"للحافظ ابن حجر (٦/ ٦٠٣) حيث جاء فيه: (أبو الحسن الخسعي الأبدي)،وقد نبَّه على ذلك الشيخ عبدالفتَّاح أبوغدَّة في تحقيقه لكناب "التصريح "
[ ٤٧٨ ]
٣ - أَبو الوليد بن رشد؛ كما نقله عنه الأُبِّي في «إِكمال إكمال المُعلم» (^١)؛ حيث قال: (.. لا بُدَّ من نزوله؛ لتواتر الأَحاديث).
٤ - الإمام ابن كثير - - ﵀ - ـ؛ حيث ساق الأَحاديث المُثْبِتَةَ لنزوله - - ﵍ -. واستقصى بعضًا منها. ثم قال (فهذه أحاديثُ متواترةٌ عن رسول الله - ﷺ - ) (^٢) وقال في موطن آخر: (وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله - ﷺ - أنه أخبر بنزول عيسى - ﵍ - قبل يوم القيامة ) (^٣).
٥ - أبو الفضل شهاب الدين محمود الآلوسي - - ﵀ - ـ؛ حيث قال: (ولا يقدحُ في ذلك [أي: في ختم رسالة النبي - ﷺ -] ما أَجمعت الأمةُ عليه، واشتهرت فيه الأخبار، ولعلّها بلغت مبلغ التواتر المعنوي، ونطق به الكتاب - على قَولٍ - ووجب الإيمان به وأكفرهُ مُنكِرُه - كالفلاسفة - مِنْ نزول عيسى - ﵍ - آخر الزمان) (^٤).
ولثبوت أحاديث النزول وبلوغها مقام القطع في دلالتها، جرت أَقاويل الأئمةِ على نَظم مضمون تلك الأحاديث في أحرف الاعتقاد:
قال الإمام أحمد - - ﵀ - ـ: «والدَّجالُ خارجٌ في هذه الأمة لا محالة، وينزل عيسى ابن مريم - ﵍ -، ويقتله ببابِ لُدٍّ») (^٥).
قال الإمام أبو القاسم إسماعيل الأَصبهاني - - ﵀ - ـ: «وأَهل السُّنة يؤمنون بنزول عيسى - ﵍ -» (^٦).
وقال القاضي عياض: «ونزول عيسى المسيح وقتله الدّجَّالَ حقٌّ صحيح عند أهل السنة؛ لصحيح الآثار الواردة في ذلك؛ ولأنه لم يَرِدْ ما يُبطِلُه ويضعِّفُه» (^٧). ونظمهم لهذه المقولة في أحرف الاعتقاد وتضافرهم
_________________
(١) (١/ ٤٤٥).
(٢) "تفسير القرآن العظيم" (٣/ ١٠٦٣).
(٣) المرجع السابق.
(٤) "روح المعاني" (٢٢٦/ ٣٤).
(٥) "طبقات الحنابلة"لابن أبي يعلى (٢/ ١٦٩).
(٦) "الحجة في بيان المحجة" (٢/ ٤٦٣).
(٧) "إكمال المعلم" (٨/ ٤٩٢).
[ ٤٧٩ ]
على ذلك هو مُحصَّل الأدلة الشرعية مما سبق ذكره من دلائل الكتاب والسُّنّة، وما تركَّب منهما من الإجماع الثَّابت نزوله - ﵍ -. وقد نصَّ على ذلك غيرُ واحدٍ من الأئمة.
وممّن قرّر ذلك:
- أبو محمد عبد الحق بن عطية - - ﵀ - ـ؛ حيث قال: «وأجْمَعَت الأمة على ما تضمّنه الحديث المتواتر؛ من أَن عيسى - ﵍ - في السماء حَيٌّ، وأنّه ينزل في آخر الزمان، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويقتل الدجال، ويُظْهِر هذه الملة؛ ملة محمد - ﷺ -، ويحج البيت، ويعتمر، ويبقى في الأرض أربعًا وعشرين سنة. وقيل: أربعين سنة، ثم يميته الله تعالى» (^١) .
- الإمام الثعالبي - - ﵀ - ـ؛ حيث قال: «أجْمَعَت الأمة على ما تضمَّنه الحديث المتواتر؛ من أَن عيسى - ﵍ - في السماء حَيٌّ، وأَنه ينزل في آخر الزمان، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويقتل الدجال، ويفيض العدل، ويُظهِر هذه الملة ملة محمد - ﷺ -» (^٢) .
وكذلك:
شيخ الإسلام ابن تيمية - - ﵀ - ـ؛ حيث قال: «وأَجْمعت الأمةُ على أن الله ﷿ رفع عيسى إليه إلى السماء» (^٣) .
ومن المتأخرين:
- العلامة السفَّاريني - - ﵀ - ـ؛ حيث قال: «.. وأما الإجماع، فقد أَجْمعت الأمّة على نزوله، ولم يخالف فِيْه أحدٌ من أهل الشريعة. وإنما أنكر ذلك الفلاسفةُ والملاحدة» (^٤) .
_________________
(١) "المحرر الوجيز" (٣٠٨) .
(٢) "الكشف والبيان" (١/ ٢٧٢) .
(٣) "بيان تلبيس الجهمية" (٤/ ٤٥٧) .
(٤) "البحور الزاخرة" (١/ ٥١٢) وانظر له أيضًا:"لوامع الأنوار البهية" (٢/ ٩ - ٩٥) .
[ ٤٨٠ ]
وغيرهم كثيرٌ من أَهل العلم؛ الَّذين نقلوا الإجماع على ذلك.
فإِن قيل: يُنَاكِدُ هذا الإجماعَ المنقولَ = حكايةُ أبي محمد بن حزم - - ﵀ - - الخلافَ في هذه المسألة. فكيف تصحّ دعوى الإجماع حينئذٍ؟
فيقال: أَمَّا حكاية ابن حزم - - ﵀ - - الخلاف في نزول عيسى - ﵍ -: وذلك بقوله: «اتّفقوا أنه لا نبيَّ مع محمد - ﷺ - ولا بعده أبدًا. إلاّ أنَّهم اختلفوا في عيسى - ﵍ -: أَيأتي قبل يوم القيامة أم لا؟ وهو عيسى بن مريم المبعوث إلى بني إسرائيل قبل مبعث محمد - ﵍ -» (^١) =فَوهْمٌ منه - - ﵀ - - خَالفَ فيه أَهل العلم الذين حكَوْا الإجماعَ، ولم يخالف ذلك إلاّ من لا يُعْتَدّ بخلافه من الملاحدة والمبتدعة - وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله ـ. ولذا قال "الأُبيّ " متعقّبًا ابنَ حزم: «فما ذَكر ابنُ حزمٍ من الخلاف في نزوله = لا يصحُّ» (^٢) .
وممّا يدلك على أَنَّ حكايته للخلاف وَهْمٌ منه - - ﵀ - - أمران:
الأول: أنه حكى الخلاف ولم يُسَمِّ المخالف. وتسمية المخالف أمرٌ له شأنه.
الثاني: أنه نَقَل الإجماعَ على نزوله - ﵍ - في كتابه الموسوم بـ " الدُّرَّة "؛ حيث قال: «وقد صَحّ النَّصُّ، وإجماعُ القائلين بنزوله - وهم أهل الحقِّ - أنّه إذا نزل لم يبقَ نصرانيٌّ أَصلًا إلا أسلموا» (^٣) .
فَعُلِم بذلك خطؤُه فيما ذكر من الخلاف. وعندئذٍ يتحصل للمتأمل: أنَّ الإجماع على بَابِهِ لا يُعرَف له مخالف، ومُحالٌ أن تُجمِع الأمة على ضلالة. ومستند هذا الإجماع - بالإضافةِ إلى ما تقدم ذكره من الأحاديث الصحيحة الصريحة في رفع عيسى - ﵍ - ونزوله- = دلائل الكتاب العزيز. وهي كالآتي:
_________________
(١) "مراتب الإجماع" (٢٦٨) .
(٢) "إكمال إكمال المعلم" (١/ ٤٤٦) .
(٣) "الدرة" (١٩٩) .
[ ٤٨١ ]
- قوله تعالى ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ النساء.
فقوله تعالى: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ آل عمران:٥٥ وقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ نَصٌّ على إثبات رفعه - ﵍ -، رفعًا حِسّيًا.
فإن قيل: لِمَ لا يُحمَل الرّفعُ هنا على رفع المكانة والحظوة، والقرآن قد أتى بهذا، فقد قال جل وعلا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ المجادلة: ١١؟ وعلى هذا فدعوى النصيَّة والقطْع على أن المراد بالرفع هنا الرفع الحسِّي =فيها نظر.
فالجواب: إنّ احتمالَ تأرجُحِ (الرفع) في كتاب الله بين رفع المكانة والمنزلة، وبين الرفع الحسي لا يُنكَر بالنظر إلى الوضع؛ فتُلتَمَس حينئذٍ القرائن التي تُبِيْنُ عن المراد " بالرفع " في الآية. وبالنّظر إلى مجموع هذه القرائن نجد أَنها تحسِم الاحتمالَ، وتقود إلى القطع بالمراد بـ " الرفع " وأنه الرفع الحسّي لا غير.
وجُملة هذه القرائن تنقسم إلى قسمين:
-القسم الأول: قرائن خارجيّة.
-القسم الثاني: قرائن داخلية (=دلالة السياق).
فأما القسم الأوّل: وهي القرائن الخارجيَّة، فتدور حول جملةٍ من الدلالات:
الدلالة الأولى: ما تواتر عن النبي - ﷺ - تواترًا معنويًا من أَنَّ عيسى - ﵍ - ينزل في آخر الزمان. ولا معنى للنزول إلاّ كونه كان مستقرًا في السماء.
[ ٤٨٢ ]
الدَّلالة الثانية: دلالة الآثار الواردة عن أصحاب رسول الله - ﷺ -. ومن ذلك: ما صَحَّ عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس - - ﵂ - - فيما رواه عنه ابن أبي حاتم عن ابن عباس - ﵄ -، قال: (لما أَراد اللهُ أن يرفع عيسى - ﵍ - إلى السماء ..) وفيه: (ورُفِعَ عِيْسَى من رَوْزنَةٍ (^١) كانت في البيتِ إلى السماءِ ..) (^٢) .
ومِثْل هذا الأثر الثابت عن ابن عباس - - ﵁ - - لا يكون من قبيل الرأي المُجرّد، وما كان كذلك فهو إذنْ في حكم المرفوع ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ (^٣) .
الدلالة الثالثة: دَلالةُ الإجماع المُتَيَقَّن؛ الذي سبق بيانه = فهذه قرائن من خارج النص، فلو لم يكن في المسألة لبيان معنى الرَّفع في الآية إلا واحدة من تلك الدلالات = لَكَفَتْ في نَفْي الاحتمال. فكيف إذا تضافرت؟ بل كيف إذا اعتضدت بالقرينة الأخرى؟ وهي:
القسم الثاني: دلالة السياق:
فالسياق بمفرده قد ينقل الدلالة من الاحتمال الذي يكتنفها إلى النصيَّة، فهو كاشفٌ عن المُجْمَلات، ومُرجّحٌ للمحْتَمَلات (^٤)، وإنَّ مِنْ خلْف القول وفساد الرأي إغفالُ هذه الدلالة؛ لتمهيد الطريق للادعاء بعدُ بأن الآية ليست نَصًّا في إثبات رفع عيسى - ﵍ - (^٥) . وهذا القول مَبْنيٌّ على
_________________
(١) الروزنة: الكوة، القاموس المحيط (١٥٤٩) .
(٢) "تفسير القرآن العظيم" (٤/ ١١١٠) من طريق الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير به ..،قال الحافظ ابن كثير عن هذا الإسناد: (وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شَرْطِ مُسلمٍ) =انظر: "البداية والنهاية" (٢/ ٥١٠)،ورواه أيضًا النَّسائيُ في"سنن الكبرى" (٦/ ٤٨٩ - رقم [١١٥٩١]) من طريق أبي كريب عن أبي معاوية به نحوه.
(٣) انظر:"المستدرك"للحاكم (٢/ ٢٨٣) و"إعلام الموقِّعين"لابن قَيِّمٍ الجوزية (٤/ ٣١ - ٣٧)،و"النُّكت على كتاب ابن الصلاح"لابن حجر (٢/ ٥٣١) .
(٤) انظر:"الإمام في بيان أدلة الأحكام": للعز بن عبد السلام (١٥٩) .
(٥) انظر:"نزول عيسى - ﵇ - "لمحمود شلتوت (٣٦٣)، مجلة الرسالة العدد (٤٩٦) (السنة الحادية عشرة ذو الحجة ١٣٦١) .
[ ٤٨٣ ]
النظر في وَضْع الصيغ المجرّدة، مقطوعةً عن سياقاتها. وهذه ليست نهج المتحققين بالأصول.
قال إمام الحرمين - - ﵀ - ـ: «ثم اعتقد كثير من الخائضين في الأُصول عزة النصوص، حتى قالوا: إن النَّصَّ في الكتاب قَولُ الله ﷿: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ الإخلاص: ١، وقولُه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ الفتح: ٢٩ وما يظهر ظهورهما. ولا يكاد هؤلاء يسمحون بالاعتراف بنص في كتاب الله تعالى؛ وهو مرتبط بحكم شرعي (^١)، وقضوا بِنُدُور النصوص في السُّنة، حتى عدُّوا أَمثلةً معدودة ومحدودة = وهذا قولُ من لم يُحط بالغَرض من ذلك. والمقصود من النصوص: الاستفادةُ بإِفادة المعاني على قَطْع، مع انحسَام جهات التأويلات، وانقطاع مسلك الاحتمالات؛ وإنْ كان بعيدًا حُصُولُه بوضع الصيغ ردًّا إلى اللُّغة. فما أكثر هذا الغَرَض مع القرائن الحالية والمقالية! وإذا نحن خُضنا في باب التأويلات، وإبانة بطلان معظم مسالك المؤوّلين = استبانَ للطالب الفَطِنِ أَنّ جُلّ ما يحسبه الناسُ ظواهرَ معرّضة للتأويلات = هو نصوص» (^٢) .
سياق الآيتين دَالٌّ على ثبوت رفع عيسى - ﵍ - رَفْعًا حسيًا؛ لا مَعْدى عن ذلك لمن أَنصف.
وذلك من وجوه:
الوجه الأوَّل: أنّ سياق الآيات في بيان بُطْلانِ ما افتراه اليهود مِنْ قَتْلِهِ - ﵍ -؛ بأنّ القتلَ إنّما وقع على شَبيهِه. لذا عقّب الرّبُّ جلَّ وعلا قولَه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ بقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾
_________________
(١) ليس هذا على سبيل القيد، بل الأَخبار داخلة في ذلك من باب الأولى.
(٢) "البرهان في أصول الفقه" (١/ ٢٧٨) .
[ ٤٨٤ ]
وهذا نَصٌّ في الرَّفْعِ الحِسِّيّ؛ لأن الإيقاف بـ (بل) هنا التي تفيد الإضراب والإبطال، لنفي ما ظنّ اليهود من تسلطهم على نبي الله بالقتل: فيكون ما بعد " بل " منافيًا لما قبلها، بتكرير عدم تمكين الله لهم من التسلط على نبيه؛ وذلك برفعه رفعًا حِسِّيًا. ولو كان المرادُ رَفْعَ المكانةِ لاختلّ بذلك النّظْمُ القرآنيُّ؛ لأمرين:
الأول: أنَّ رَفْعَ المكانة ليس مختصًّا بعيسى - ﵍ - في هذا الموقف، فلا وجه لتخصيصه به هنا؛ إلا لتضمُّنه معنىً زائدًا ناسب ذلك إضافته إليه.
الثاني: أن القتل لا ينافي رَفْعَ المكانةَ. إذ رفعة المكانة حاصلة حتى مع تقدير قتلهِ - - ﵇ - -. فلا معنى حينئذٍ لدخول " بل " بينهما؛ لانتفاء التضادّ بينهما.
الوجه الثاني: أَنَّ وصْلَ ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ﴾ بـ " إلى " يقضي على احتمال كون المقصُود بـ " الرفع " هنا رفع المكانة. وعِلَّةُ ذلك: أن رَفْع المكانة لا مُنْتَهى له؛ بخلاف الرفع الحسي. وهذا ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ حيث أُضيفت "إلى"إلى ضمير المتكلّم.
فإن قيل: المقصود بالرفع هنا: رفع (روحه) لا غير.
فالجواب: إنّ هذا التأويل ليس على السَّنَن المحمود.
وبيان ذلك:
أن تعيين الرفع هنا بأنه بالرُّوح، لا يُزيل شبهة قتْل عيسى - ﵍ - الذي سيقت لأجله الآيات؛ لبقاء الشبهة بأن ارتفاع الرُّوح إنما وقع بعد القتل، فلا معنى للإتيان بـ ﴿بَلْ﴾ النَّافية لما قبلها مِنْ ظَنِّ تسلُّطِهم عليه. هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: أن تعيين الرفع (بالرُّوح) زيادةٌ لم ينطق بها النّص، وتَقْديرٌ لم يدلّ عليه المَقَامُ فالأَصْلُ في كلام المُتَكلِّم أَنّ ألفاظَه
[ ٤٨٥ ]
تامّةٌ. والقول بأنَّ الكلام يفتقر إلى تقدير شيء ما = هو في الحقيقة استدراكٌ على المُتكلِّم، ودعوى لا يُصار إليها إلاّ ببرهان.
فلم يبق إلاّ أن يكون الرفع لشخصه - ﵍ - روحًا وبدنًا؛ لا معنى إلَاّ ذلك (^١) .
وأما معنى قوله تعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ أي: قابضٌ روحَك وبدنك. وهذا اختيار أئمة التفسير؛ كالحسن البصري (^٢)، وزيد بن مسلم (^٣)، وابن جريج (^٤)، والإمام ابن جرير الطبري (^٥)، وأبي عبد الله القرطبي (^٦)، وأبي العباس ابن تيميَّة (^٧)، والشوكاني (^٨)، وغيرهم- رحمهم الله تعالى-.
وفي بيان ذلك يقول الإمام ابن جرير - - ﵀ - ـ: «وأَوْلى هذه الأَقوال بالصحة عندنا = قولُ من قال: معنى ذلك: إنّي قابضك من الأرض، ورافعك إليّ. لتواتُر الأَخبار عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (يَنْزِلُ عيسى ابنُ مريم فيقتل الدَّجَّالَ، ثم يَمْكُث في الأرض مُدّةً) - ذَكَرَها. واختلفت الرواية في مَبْلَغِها - ثم يموتُ فيصلِّي عليه المسلمون، ويدفنونه)» (^٩) .
وقال ابن عبد البر: ( والصحيح عندي في ذلك = قول من
_________________
(١) انظر:"القول الفصل"للشيخ مصطفى صبري (١٤٢ - ١٤٤)، و"نظرة عابرة" (٩٣ - ٩٥) .
(٢) انظر:"تفسير القرآن العظيم"لابن أَبي حاتم (٢/ ٦٦١)، و"جامع البيان"لابن جرير (٣/ ٢٨٩) .
(٣) انظر:"جامع البيان" (٣/ ٢٩٠)، و"الجامع لأحكام القرآن" (٤/ ١٠٠)، و"التمهيد" (١٥/ ١٨٦)
(٤) انظر:"تفسير القرآن العظيم" (٢/ ٦٦٢)، و"جامع البيان" (٣/ ٢٩٠) .
(٥) المصدر السابق (٣/ ٢٩١) .
(٦) انظر:"الجامع في أحكام القرآن" (٤/ ١٠٠) .
(٧) انظر:"مجموع الفتاوى" (٤/ ٣٢٣) .
(٨) انظر:"فتح القدير" (٢/ ١٣٥) .
(٩) "جامع البيان" (٣/ ٢٩١) .
[ ٤٨٦ ]
قال: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابضك من الأرض. لِمَا صح عن النبي - ﷺ - من نزوله) (^١) .
وقال القرطبي - - ﵀ - ـ: «والصحيح أنَّ الله تعالى رَفَعَهُ إلى السماء؛ من غير وفاةٍ، ولا نوم. كما قال الحسن، وابن زيد، وهو اختيار الطبري، وهو الصحيح عند ابن عباس، وقاله الضَّحاك ..» (^٢) .
واختيارُ هؤلاء الأئمة لهذا المعنى - أعني: القبضَ - مَعَ دَوَرَانِه في كتاب الله على معنيين آخرين؛ هما: قبض الرُّوح، وقبض حِسِّ الإنسان بالنوم (^٣) = لم يكن اعتباطًا؛ بل لاعتبارات سَبَقَ بيانها، ومن أَبْرَزِها: دلالة السِّياق. إذْ لو كان المراد بقوله ﵎: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ الموتَ؛ لَمَا كان في إضافة " التوفِّي " إليه مَعْنى يختص به عن غيره من الرسل؛ فضلًا عن بقية الخلق. فالمؤمنون يعلمون أنّ الله يقبض أرواحهم، ويعرج بها إلى السماء = فاستبان أنّ في إضافة التوفي إلى عيسى - ﵍ -، وعطف الرفع الموصول بـ " إلى " على قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ ليس له معنىً إلا القَبْضُ؛ الرُّوح، والبدن جميعًا. لوجود القرينة الدالة على ذلك.
قال الإمام ابن تيمية - - ﵀ - - مقررًا ذلك: «وأمّا قوله تعالى: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فهذا دليل على أنه لم يعنِ بذلك الموتَ؛ إذ لو أراد بذلك الموتَ لكان عيسى [- ﵍ -] في ذلك كسائر المؤمنين؛ فإن الله يقبضُ أرواحهم، ويعرج بها إلى السماء. فَعُلِمَ: أنْ ليس في ذلك خاصيّة. وكذلك قوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولو كان قد فارقتْ روحُه جسدَه = لكان بدنُه في
_________________
(١) "التمهيد" (١٥/ ١٩٦) .
(٢) "الجامع" (٤/ ١٠٠) .
(٣) انظر:"النكت في القرآن"لأَبي الحسن المجاشعي (١/ ١٩٢)، و"نزهة الأعين النواظر"لابن الجوزي (٢١٣) .
[ ٤٨٧ ]
الأرض كبدن سائر الأنبياء، أو غيره من الأنبياء ولهذا قال من قال من العلماء: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾: أي قابضك. أي قابض روحك وبدنك، يقال: توفيت الحساب واستوفيته، ولفظ التوفّي لا يقتضي توفي الرُّوح دون البدن، ولا توفيهما جميعًا؛ إلَاّ بقرنية منفصلةٍ) (^١) .
وقد يقال: قد ورد عن ترجمان القرآن ابن عباس - ﵄ - تَفْسير الوفاة في الآية بالموت؛ فيكون ذلك حجة لمن قال بأن الرفع إنما كان لروحه دون بدنه.
والجواب عن ذلك يتحصَّل بتقرير ثلاثة أمور:
الأَوَّل: النَّظر في صِحَّةِ الوارد عن ابن عباس - ﵄ - والمتأمل في هذا المروي يجد أنَّ ابن جرير أخرجه من طريق معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة.
ومعاوية بن صالح قال عنه الحافظ ابن حجر - - ﵀ - ـ: «صَدوقٌ. له أوهام من السابعة. مات سنة (١٥٨ هـ) وقيل: بعد (١٧٠ هـ) » (^٢) .
وعلي بن أبي طلحة؛ وإنْ طعن بعض الحفاظ في روايته للحديث؛ كيعقوب بن سفيان؛ حيث قال: «وروى شعبة، وحماد بن زيد، عن بُديل بن ميسرة، عن علي بن أَبي طلحة. شامي، وهو يكنى أبا طلحة. وهو ضعيف الحديث، مُنْكَر، ليس بمحمودِ المذهب» (^٣) . وكالإمام أَحمد؛ حيث قال: «له أشياء منكرات» (^٤) . = فلا يلزم من ذلك - فيما يظهر - أَنهم يطّرِدون هذا الطعن ليشمل ما يرويه في التفسير.
وليس قولُ أَبي يعلي الخليلي - - ﵀ - - «وتفسير معاوية بن صالح قاضي الأندلس عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: رواهُ الكبار عن
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (٤/ ٣٢٢ - - ٣٢٣) .
(٢) " التقريب "لابن حجر (٩٥٥) .
(٣) "المعرفة والتاريخ"للفسوي (٢/ ٤٥٧) .
(٤) انظر:"ميزان الاعتدال"للذهبي (٣/ ١٣٤) .
[ ٤٨٨ ]
أَبي صالح - كاتب اللَّيْث -، عن معاوية. وأَجمعَ الحُفَّاظُ على أَنَّ ابنَ أَبي طلحة لم يَسْمعه من ابن عباس» (^١) = طعنًا في صحَّة المرويِّ عن ابن عباس؛ وإنما هو بيانٌ منه عن سقوط الواسطة بين علي بن أَبي طلحة وبين ابن عباس؛ لأنه لم يسمع من ابن عباس. وسقوط الواسطة بينه وبين ابن عباس - - ﵂ - - لا يقتضي الطعن في مُرْويّه لعدم الجهل بها؛ لأَنّ الحُفّاظ سَبَروا مرويّاتِه عن ابن عباس في التفسير، فوجدوا أنه إنما يرويها عن ثقات أصحاب ابن عباس؛ كمجاهد بن جبر، وعكرمة مولاه.
قال الذهبي - - ﵀ - ـ: «أخذ تفسيرَ ابن عباس عن مجاهد، فلم يذكر مجاهد؛ بل أرسله عن ابن عباس» (^٢) .
وقد أبان أبو جعفر النَّحاس - - ﵀ - - عن مَأْخذ مَنْ طعَن في هذا الإسناد بقوله: « والذي يطعن في إسناده يقول: ابن أبي طلحة لم يَسْمع عن ابن عَبّاس، وإنما أَخذ التفسير عن مُجَاهد وعكرمة = وهذا القول لا يوجبُ طعنًا؛ لأنَّه أَخذه عن رجلين ثقتين. وهو في نفسه ثقةٌ، صدوق» (^٣) .
فإذا استبان لنا أَن مَأْخذ مَنْ طَعَن في هذا الإسناد هو إرسال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس = عُلِمَ أن هذا الطعن لا مُوجب له؛ للعِلْم بحالِ مَنْ أسقطه ابن أبي طلحة، وكونهم من ثقات أصحاب ابن عباس. لذا احتمل الأئمة منه هذا الإرسال، ولم يسووا بين روايته للحديث، وبين روايته عن ابن عباس. ولذا تجد الإمام أَحمد يقول: «إِنّ بمصر صحيفة في التفسير رواها عليّ بن أبي طلحة، لو رَحَل رجُلٌ فيها إلى مِصْر قاصدًا = ما كان كثيرًا» (^٤) . وقال الحافظ ابن حجر - - ﵀ - ـ:
_________________
(١) "الإرشاد في معرفة علماء الحديث" (١/ ٣٩٣ - ٣٩٤) .
(٢) "ميزان الاعتدال" (٣/ ١٣٤) .
(٣) "الناسخ والمنسوخ" (١/ ٤٦١ - ٤٦٢) .
(٤) انظر:"فتح الباري" (٨/ ٥٥٧) .
[ ٤٨٩ ]
«وعليُّ [أي ابن أبي طلحة] صدوقٌ، لم يلق ابن عباس؛ لكنه حَمَلَ عن ثقات أصحابه؛ فلذلك كان البخاري، وابن أَبي حاتم، وغيرهما يعتمدون على هذه النسخة» (^١) .
وزبدة القول: إنّ ارتضاء الأئمة لصحيفة علي بن أَبي طلحة في التفسير في الجُمْلة، لا يلزم منه الرضا بآحاد ما رَوى. ولعل هذا ما جَعَل الإمام أَحمد - - ﵀ - - يقول: «له أشياء منكرات» فإن حُكم بأنَّ هذه الرواية من مُنكر ما يرويه علي بن أَبي طلحة=انتفى الإشكال، وإن صُححت؛ أَخْذًا بثناء الأئمة على هذه الصحيفة من حيث الجملة، بقي النَّظَرُ حينئذٍ في أمرين:
الأمر الأوّل: مُعَارَضة هذه الرواية لما صح عنه أيضًا: «أن عيسى رُفع من رَوْزنةٍ في البيت» (^٢) .
الأمر الثاني: أنَّ التسليم بمقتضى هذه الرِّواية يَسْتلزم مخالفة صريح القرآن؛ ذلك بأَن الله أخبر أنّ وقوع الموت على العباد يكون مرة واحدة، ثم يحييهم. قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الروم: ٤٠
قال الإمام ابن جرير: «ومَعْلومٌ أنه لو كان قد أَماته الله ﷿، لم يكن بالذي يميته ميتةً أُخرى، فيجمع عليه ميتتين؛ لأن اللهَ ﷿ إنما أَخبر عبادَه أنَّه يخلقهم، ثم يميتهم، ثم يحييهم. كما قال جَلَّ ثناؤه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الروم: ٤٠) (^٣) .
والذي يظهر -والله أَعلم-: أنّه لا تعارُض بين رواية علي بن
_________________
(١) "العُجاب في بيان الأسباب"لابن حجر (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧) .
(٢) سبق تخريجه.
(٣) "جامع البيان" (٣/ ٢٩١) .
[ ٤٩٠ ]
أَبي طلحة، وبين ما دلّ عليه القرآن، والرواية الأخرى عن ابن عباس.
وبيان ذلك: أن قول ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾: إني مُمِيتُك. ليس فيه بيان وقت الإماتة. والآية لا تدل على ذلك؛ لأن (الواو) في قول الله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ لا تقتضي الترتيب؛ فيكون مُرادُ ابن عباس - ﵂ - والله أعلم -: إنّي مُميتك بعد نزولك من السماء في آخر الزمان. كما صحّت بذلك الأَخبار؛ ويكون هذا الوَجْهُ بناءً على أَن في الآية تقديمًا وتأخيرًا؛ أي: إِذْ قال الله يا عيسى إني رافعك إليَّ .. ومطهرك من الذين كفروا. ومتوفيك بعد إنزالي إيّاك إلى الدنيا.
وقد ذهب إلى هذا الجَمْع والتوفيق الإمامُ ابن عبد البر - - ﵀ - ـ؛ حيث قال: «والصحيح عندي - في ذلك ـ: قول من قال: متوفيك، وقابضك من الأَرضِ. لما صَحَّ عن النبي - ﷺ - من نزوله. وإذا حُمِلت رواية علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس، على التقديم والتأخير؛ أي: رافعُك، ومُمِيتُك = لم يكن بخلاف ما ذكرناه» (^١) .
ومن الأدلَّة أيضًا: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ النساء.
الضَمير في الموضعين في هذه الآية يعود على عيسى - ﵍ -، ودلالة السياق تدل على هذا الاختيار. لأمرين:
الأول: أنّ سياق الآيات قبلها جاء في تقرير بطلان دعوى اليهود في زعمهم قتل عيسى - ﵍ -، وبيان ضَلَال النّصارى في تسليمهم لليهود فيما ادّعَوْهُ = بأنَّ الله نجَّى نبيَّه، وطَهَّره من كيد أعدائه؛ برفعه حيًّا إلى السماء، وحصول القتل على شبيهه، وأنّه سينزل في آخر الزمان، فيكسر
_________________
(١) "التمهيد" (١٥/ ١٨٦) .
[ ٤٩١ ]
الصليب، ويضع الجزية، ولا يقبل إلاّ الإسلام. وحينئذٍ يؤمن به جميع أهل الكتاب، ولا يتخلّف عن التصديق به أحد منهم.
الثاني: أن عَوْد الضميرين في ﴿بِهِ﴾ و﴿مَوْتِهِ﴾ إلى عيسى - ﵍ - هو الأَليق بالسياق والنَّظم؛ لأن «عَوْد أحدهما على غير ما يعود عليه الآخَر فيه تشتيتٌ للضمائر. وهذا مما يُنَزَّه عنه الكتاب الكريم» (^١) .
قال أَبو حيان: «والظاهر: أنّ الضميرين في ﴿بِهِ﴾، و﴿مَوْتِهِ﴾ عائدانِ على عيسى، وهو سياق الكلام. والمَعْنِيّ "من أَهل الكتاب " = الذين يكونون في زمان نزوله» (^٢) .
وهذا ظاهر اختيار أبي هريرة - - ﵁ - ـ؛ حيث ربَط بين حديث نزوله - ﵍ -، وبين الآية - كما سبق سَوْقُه ـ. وهو اختيار ابن عباس - - ﵂ - - (^٣)، وابن جرير (^٤)، وأَبي حَيَّان - كما سبق -، وابن كثير (^٥) .
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ﴾ الزخرف: ٦١
والضمير في ﴿وَإِنَّهُ﴾ عائد على " عيسى - ﵍ - ". فيكون مقصود الآية - والله تعالى أعلم ـ: إن نزول عيسى - ﵍ - إشْعَارٌ بقُرب السَّاعة، وأَنَّ مجيئَه في آخر الزمان شَرطٌ من أشراط القيامة.
ومما يؤيد عَوْد الضمير إلى عيسى - ﵍ - أُمورٌ:
الأمر الأوّل: أَن سياق الآيات قبل هذه الآية في شأن عيسى - ﵍ -. قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ
_________________
(١) "نظرة عابرة" (١٠٠) .
(٢) "البحر المحيط" (٣/ ٣٩٢) .
(٣) أخرجه ابن جرير في"تفسيره" (٦/ ١٨) من طريق سعيد بن جبير وصحح إسناده الحافظ ابن حجر = انظر:"فتح الباري" (٦/ ٦٠١) .
(٤) "جامع البيان" (٦/ ٢١) .
(٥) "تفسير القرآن العظيم" (٣/ ١٠٥٣) .
[ ٤٩٢ ]
هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ الزخرف: ٥٧ - ٦١.
الأمر الثاني: أن قراءة ﴿وَإِنَّهُ لَعَلم لِلسَّاعَةِ ﴾ الزخرف: ٦١ بفتح اللام والعين توطِّد هذا الاختيار. وهي قراءة ابن عباس، وأبي هريرة وقتادة، ومجاهد، والأعمش. (^١)
الثالث: أن هذا الاختيار يشهد له ظاهر القرآن، وبه تتسق الضمائر، وتنسجم بعضها مع بَعْضٍ؛ ليس في هذا الموطن فقط، بل في جميع المواطن التي ذُكِر فيها عيسى - ﵍ -.
بيان ذلك:
أن الباري ﷻ قال: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ثم قال ﷻ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾ أي: عيسى. ﴿وَمَا صَلَبُوهُ﴾ أي: عيسى. ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: عيسى. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: عيسى. ﴿فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ أي: عيسى. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: عيسى. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أي: عيسى. ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ﴾ أي: عيسى. ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ أي: عيسى ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي: عيسى. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أي: يكون عيسى - ﵍ - شهيدًا (^٢) .
الأمر الرابع: أَنّ هذا الاختيار تشهدُ له الأحاديث المتقدم ذكرها.
الأمر الخامس: أَن هذا القول احتفَل به جِلّة من أئمة التفسير من السَّلفِ والخَلَفِ؛ كابنِ عبّاسٍ، وأَبي هريرة، ومجاهد، وعكرمة، وأبي العالية، والحسن البصري، والضحاك (^٣)، وابن كثير (^٤)، والأَمين الشنقيطي (^٥) .
_________________
(١) انظر:"المحرر الوجيز" (١٦٨٥)،و"معجم القرآات القرآنية" (٤/ ٣٦٢) .
(٢) انظر:"أضواء البيان" (٧/ ٢٨٢) .
(٣) انظر:"تفسير القرآن العظيم" (٧/ ٣١٥٤) .
(٤) انظر:"المصدر السابق".
(٥) اُنظُرْ:"أضواء البيان" (٧/ ٢٨٠) .
[ ٤٩٣ ]
= ومن الدلائل القرآنية الدالة على نزوله - ﵍ -: قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)﴾ آل عمران: ٤٦ وقال جل وعلا: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ المائدة: ١١٠
ووجه الدلالة من هاتين الآيتين: أنَّ تخصيصَ وقوعِ التكليم من عيسى - ﵍ - بِحالَيْ المَهد والكهولة؛ مع كونه متكلمًا فيما بين ذلك = دلالةٌ ظاهرة على أن لِتيْنِكَ الحالين مزيد اختصاصٍ، ومزيّةٍ؛ فَارقَا بهما جميع كلامه الحاصل بين تَيْنِكَ الحالين.
توضيح ذلك:
أَنّ الكلام في المَهْد خارقٌ للعادة، خارجٌ عن السُّنن. وهذا بَيِّنٌ. فكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَهْلًا﴾ هو عطف على مُتعلق الظرف قبله، آخِذٌ حكمَه؛ أي: يُكلِّم الناس في حال المَهد، ويُكلّمهم في حال الكهولة. «وإذا كان كلامه في حالة الطفولة عقب الولادة مباشرة = آية؛ فلا بُدّ أن المعطوف عليه؛ وهو: كلامه في حال الكهولة كذلك؛ وإلا لم يُحْتجْ إلى التنصيص عليه؛ لأنَّ الكلام من الكهل أَمرٌ مألوف معتاد، فلا يحسُن الإخبار به؛ لا سيما في مقام البشارة» (^١) .
لذا قال ابن زيد: «قد كلّمهم عيسى في المهد، وسيكلّمهم إذا قَتَل الدجال» (^٢) .
وقال الحُسين بن الفضل البجلي: المراد بقوله: ﴿وَكَهْلًا﴾ أن يكون كهلًا بعد أَن ينزل من السماء في آخر الزمان، ويُكلِّم الناس، ويقتل الدجال = وفي هذه الآية نصٌّ في أنه - ﵍ - سينزل إلى الأرض (^٣)».
_________________
(١) فصل المقال"للشيخ محمد خليل هرَّاس (٢٤) .
(٢) انظر:"جامع البيان"لابن جرير (٣/ ٢٧٢)، و"المحرر الوجيز" لابن عطيَّة (٣٠٢) .
(٣) انظر:"مفاتيح الغيب" (٣/ ٢٢٥)
[ ٤٩٤ ]
مع صراحة ما دلت عليه الأدلة من نزول عيسى - ﵍ -، وتضافرها على ذلك، وبلوغها مَبْلغ القطْع = إلَاّ أَنَّ طوائف من المخالفين لأَهل السُّنّة جالَدوا الدلائل، وناقضوا البراهين؛ إمَّا ردًّا للأدلة صراحةً، أو التلفُّع بمُرُط التّأْويل؛ تلطُّفًا في رَدِّها.
وممن نُقل عنه الرَّدُّ من متقدمي الخلَف: بعض الخوارج، وبعض المعتزلة (^١) .
ومن متأخريهم - أعني: متأخري الخلف-: الشيخ محمد عبده؛ حيث نقل عنه تلميذُه "محمد رشيد رضا" موقفَه من أحاديث نزول عيسى - ﵍ -. وهو - أعني: محمد عبده - وإن لم يُصَرِّح بأنَّ هذا موقفه؛ لأنه يعزو ذلك للعلماء، إلاّ أن ظاهرَ طريقته يُفْهَم منها ذلك؛ حيث قال: «ولصاحب هذه الطريقة - أي: مَنْ يقول أن رفع عيسى كان بروحه - في حديث الرفع والنزول في آخر الزمان تخريجان:
أحدهما: أنَّه حديث آحاد متعلق بأمر اعتقادي؛ لأنه من أمور الغيب. والأمور الإعتقادية لا يؤخذ فيها إلا بالقطعي
وثانيهما: تأويل نزوله وحكمه في الأرض بغلَبَة روحه، وسِرّ رسالته على النّاس. وهو ما غَلَب في تعليمه؛ من الأمر بالرحمة، والمحبة، والسِّلم، والأَخْذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها، والتمسك بقشورها دون لُبابها ولما كان أصحاب الشريعة الأخيرة [يعني: المسلمين] قد جمدوا على ظواهر أَلفاظها؛ بل وأَلفاظ مَنْ كتَب فيها معبرًا عن رأيه وفَهْمِهِ، وكان ذلك مُزهقًا لروحها، ذاهبًا بحكمتها = كان لا بُدَّ من إصلاحٍ عيسوي؛ يبيّن لهم أَسرارَ الشريعة، وروحَ الدِّين، وأدبَه الحقيقي. وكل ذلك مطويٌّ في القرآن الذي حُجبوا عنه بالتقليد؛ الَّذي
_________________
(١) انظر::"إكمال المعلم" (٨/ ٤٩٢) .
[ ٤٩٥ ]
هو آفة الحقِّ، وعدوّ الدِّين في كلِّ زَمَان = فزمان عيسى على هذا التأويل: هو الزمان الذي يأخذ الناس فيه بروح الدين والشريعة الإسلامية؛ لإصلاح السرائر، من غير تَقيُّدٍ بالرّسُوم والظواهر» (^١) .
وقد وافق الشيخُ رشيد رضا أستاذَه في إبطال معاني تلك الأحاديث؛ إلا أنه لم يسلك مسلك شيخه في التأويل - كما سيأتي - بل اكتفى بتفويض معاني تلك الأحاديث إلى الله (^٢) .
فكلاهما -في الواقع- يتفقان على تعطيل مدلول تلك الأَحاديث؛ إلا أن الشيخ " محمد عبده " لم يتركْ تلك الأحاديث معطّلةً من المعنى الحق؛ بل اختار أَن يلتمس غريب المعاني ليملأ هذا الفراغ.
وممن ذهب إلى إنكارِ رفع ونزول عيسى - ﵍ -: الشيخ محمد شلتوت. حيث غَالَطَ الحقائق، وأنكر البَدَهِيّات من دين المسلمين؛ فزَعَمَ أنه ليس في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة «مستند يَصْلح لتكوين عقيدة يطمئن إليها القلب؛ بأن عيسى رُفع بجسمه إلى السماء، وأنّه حي إلى الآن فيها، وأنه سينزل منها آخر الزمان إلى الأرض»!! (^٣)
وإذا انتفى المُستند الذي يُثبِت هذه العقيدة؛ فإنّ فُشُوَّها في المحيط الإسلامي - بزعمهم - هو من أثر أحد العوامل الأجنبية التي رسّخت هذه العقيدة بينهم؛ ألا وهو: عامل الإسرائيليات؛ التي تأثر بها المسلمون نتيجة للانحطاط الديني الذي يعايشونه، فتعلّقت آمالهم في الإصلاح والتجديد على مُخلّصٍ يَردُّ أمر الدين إلى حالته المثلى!
وفي تقرير ذلك يقول "حسن الترابي": «وفي بعض التقاليد الدينيَّة تَصَوُّر عقديٌّ؛ بأن خطّ التاريخ الديني بعد عهد التأسيس الأوَّل ينحدر
_________________
(١) انظر:"تفسيرالمنار" (٣/ ٣١٦ - ٣١٧) .
(٢) انظر:"المصدر السابق" (٣/ ٣٩٤)، و"موقف المدرسة العقلية الحديثة" (٣٤٠)
(٣) (نزول عيسى - ﵍ -) مجلة الرسالة، (ص ٣٦٣) العدد (٤٩٦) السنة الحادية عشرة.
[ ٤٩٦ ]
بأمر الدين؛ انحطاطًا مطّرِدًا، لا يرسم نمطًا دوريًا. وفي ظل هذا الاعتقاد ستتركز آمال الإصلاحِ أو التجديدِ نحو حَدَثٍ أَو عَهد واحد بعينه، مرجُوٍّ في المستقبل، يَردُّ أَمر الدِّين إلى حالته المُثْلى من جديد = وهذه عقيدةٌ نشأتْ عند اليهود، واعْتَرت النصارى. وقوامها: انتظارُ المسيح يأتي - أو: يعود عندما يبلغ الانحطاطُ ذِرْوتَه بعهد الدجال؛ قبل أن ينقلب الحال صاعدًا بذلك الظهور وقد انتقلت العقيدة بأثر مَن دَفَع الإسرائيليات إلى المسلمين، وما يزال جمهور من عامة المسلمين يعوّلون عليها في تجديد دينهم ..» (^١).
ويَسِمُ الدكتور مُصْطفى بو هندي تلك الأَحاديث الصحيحة الصريحة التي وقع الإجماع على مَدْلولها = بكونها «مشبّعةً بالمفاهيم الكتابية؛ التي سبق أَن أَشرنا إليها عن المسيح المنتظر. وهو ما يكشف عن مصدريّتها اليهودية والمسيحية، المخالفة لما في الإسلام» (^٢).
_________________
(١) قضايا التجديد"نحو منهج أُصولي" (٧٧ - ٧٨) نقلًا عن"الرد القويم لما جاء به الترابي والمجادلون عنه من الافتراء والكذب المهين"للشيخ الأمين الحاج محمد أحمد (٧٦ - ٧٧).
(٢) "التأثير المسيحي في تفسير القرآن" (١٩١).
[ ٤٩٧ ]