عن عبدالله بن عمر - ﵁ - قال: ذكر النبي يومًا بين ظهري النَّاس المسيحَ الدجَّال، فقال: إنَّ الله ليس بأعور ألا إنَّ المسيح الدجَّال أَعور العين اليمنى كأنَّ عينه عِنَبَةٌ طافيةٌ ..). متفق عليه. (^١)
وعن أَنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما بُعث نبيٍّ إِلَاّ وقد أنذر أُمّته الأَعورَ الكذَّاب. ألا إنَّه أَعور. وإنَّ ربكم ليس بأعور وإنَّ بين عينيه مكتوب "كافر") متفق عليه (^٢).
وعن أَبي سعيد الخُدري - ﵁ - قال: حدثَّنا رسول الله - ﷺ - حديثًا طويلًا عن الدجَّال فكان فيما حدَّثنا به أن قال: «يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة (^٣) فينزل بعض السباخ (^٤) التي تلي المدينة فيخرج إليه يومئذ رجل وهو خير الناس أو من خيار الناس فيقول أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه فيقول الدجال أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر؟ فيقولون
_________________
(١) أخرجه البخاري في: كتاب"الأنبياء"باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ " (٤/ ١٦٥ - رقم [٣٤٣٩])،ومسلم في: كتاب"الفتن وأَشراط السَّاعة"باب"ذكر الدّجال وصفته وما معه" (٤/ ٢٢٤٧ - رقم [٢٩٣٢]).
(٢) أخرجه البخاري في: كتاب"الفتن"باب"ذكر الدَّجَّال" (٩/ ٦٠ - رقم [٧١٣١])،ومسلم في: كتاب"الفتن وأَشراط السَّاعة"باب"ذكر الدجال وصفته وما معه" (٤/ ٢٢٤٨ - رقم [٢٩٣٣])
(٣) نقاب وأَنقاب: جمع نَقَب: وهو الطريق في الجبل، والمعنى: أَنَّ على أَبوابها وكل موضع يُدخل منه إليها ملائكة. انظر: «المفصح المفهم والموضح الملهم» لابن هشام (٢٥٨).
(٤) السباخ: جمع سَبَخة وهي الأرضُ التي تعْلُوها المُلُوحة ولا تكادُ تُنْبِت إلا بعضَ الشجَر .. انظر:"النهاية في غريب الحديث" (٢/ ٨٣٥).
[ ٤٢٦ ]
لا فيقتله ثم يحييه فيقول والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه) متفق عليه (^١) .
وعن المغيرة بن شعبة - ﵁ - قال: ما سأل أحدٌ رسولَ الله - ﷺ - عن الدَّجالِ أكثر ما سألته، وأَنَّه قال لي: (ما يَضُرُّك منه) قلت: لأنَّهم يقولون: إنّ معه جبلَ خُبزٍ، ونهرَ ماءٍ، قال: (هو أهون على الله من ذلك) متفق عليه (^٢) .
وعن النَّواس بن سمْعَانَ، قال: ذكر رسول الله - ﷺ - الدَّجَّال ذاتَ غَدَاةٍ. فَخَفَّضَ فيه ورَفَّعَ (^٣) .
حتَّى ظَنّناهُ في طَائِفَةِ النَّخْلِ فلمَّا رُحْنَا إليه عَرَفَ ذلك فينا. فَقَالَ: «ما شَأْنُكُم؟» قُلْنا يا رسول الله ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فَخَفَّضت فيه وَرَفَّعتَ حتَّى ظَنَّناهُ في طَائفةِ النَّخلِ. فَقَال: «غَيرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُني عَليْكُمْ (^٤) . إنْ يَخْرُجْ وأنا فِيكُم =فأنا حَجِيجُهُ
_________________
(١) أخرجه البخاري في: كتاب"الفتن"باب"لايدخل الدجَّال المدينة" (٩/ ٦٠ - رقم [٧١٣٢])،وأخرجه مسلم في: كتاب"الفتن وأشراط السَّاعة "باب"صفة الدَّجَّال وتحريم المدينة عليه .. " (٤/ ٢٢٥٦ - رقم [٢٩٣٨]) .
(٢) أخرجه البخاري في: كتاب"الفتن"،باب"ذكرالدجال" (٩/ ٥٩ - رقم [٧١٢٢])،ومسلم في، كتاب "الفتن وأَشراط السَّاعة"باب"ذكر الدجَّال وصفة ما معه" (٤/ ٢٢٥٠ - رقم [٢٩٣٧]) .
(٣) فخفَّض فيه ورفَّع: في معناه قولان: أحدهما: أنَّ خفَّض بمعنى حقَّر، وقوله (رفَّع) أي عظّمه وفخمه. فَمِن تحقيره وهوانه على الله =عَوَره، وأَنَّه لا يقدر على قتل أحد إلَاّ ذلك الرَّجل ثُمَّ يعجز عنه وأنَّه يضمحلُّ أمرُهُ، ويقتل بعد ذلك هو وأتباعه=ومن تفخيمه وتعظيم فتنته والمحنة به=هذه الأمور الخارقة= =للعادة، وأنَّه ما من نبي إلَاّ وقد أَنذر قومه. الوجه الثَّاني: أنَّه خفّض من صوته في حال الكثرة فيما تكلَّم فيه، فخفَّض بعد طول الكلام والتعب= =ليستريح ثُمَّ رفع ليبلغ صوته كلَّ أحدٍ.="شرح صحيح مسلم" (١٨/ ٦٣)
(٤) أخوفني عليكم: أي: غير الدَّجَّال أخوف لي عليكم من الدَّجَّالِ، فَحُذِف للعلم به.= "المفهم" (٧/ ٢٧٦) .
[ ٤٢٧ ]
دُونَكُمْ. وإنْ يَخْرجْ ولستُ فِيكمْ= فَامْرؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ. واللهُ خَليفَتِي على كُلِّ مُسْلمٍ. إنَّه شَابٌّ قَطَطٌ (^١) . عَيْنُهُ طَافِئةٌ كأَنِّي أُشَبِهُهُ بِعَبْدِالعُزَّى بْنِ قَطَنٍ. فَمَن أدْرَكَهُ مِنْكُم فَلْيَقرأْ عليه فَوَاتِحَ سُورةِ الكَهْفِ. إِنَّهُ خَارجٌ خَلَّةً بين الشَّامِ والعِراقِ (^٢) . فَعَاثَ يَمِينًا وعَاثَ شِمَالًا. يا عِبَادَ اللهِ فاثْبُتُوا» قلنا يا رسُولَ اللهِ وما لبْثُهُ في الأرض؟ قال: «أَربعونَ يومًا يَومٌ كَسَنَةٍ، ويَومٌ كَشَهْرٍ، ويَومٌ كَجُمُعَةٍ. وسائرُ أَيَّامِهِ كَأيَّامِكمْ» قلنا: يا رَسُولَ اللهِ فَذَلك اليَوْمُ الَّذي كَسَنَةٍ، أَتَكْفِيَنا فيه صَلاةُ يَومٍ؟ قَالَ: «لا. اقدروا له قدره» قلنا: يا رَسُولَ اللهِ. وما إِسْرَاعُهُ في الأَرْضِ؟ قال: «كَالغَيْثِ اسْتدْبَرَتْهُ الرِّيحُ. فَيأْتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُم، فَيؤمُنُونَ بِهِ ويَسْتَجِيبونَ له. فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمطِرُ. والأَرْضَ فُتُنْبتُ. فَتَرُوحُ عليهم سَارِحَتُهُمْ (^٣)،
أَطْوَلَ ما كانت ذُرًا (^٤)،وأَسْبْغَهُ ضُرُوعًا، وأَمَدَّهُ خوَاصِرَ. ثُمَّ يأتي القَوْمَ فَيدْعُوهُمْ فَيَردُّونَ عَليْهِ قولَه؛ فَيَنْصَرفُ عنهم فَيُصْبِحونَ مُمْحلينَ (^٥) ليس بأيديهم شَيءٌ من أموالهِم، ويَمُرُّ بالخَرِبَةِ فيقولُ لها: أَخْرجِي كُنُوزَكِ =فَتَتْبعُهُ كنُوزُها كيَعَاسِيْبِ النَّحْلِ (^٦) . ثُمَّ يَدْعُو رجلًا مُمْتلئًا شَبَابًا فَيَضْرِبُهُ بالسَّيْفِ فَيَقطَعُهُ جَزْلَتَينِ رَمْيَةَ الغَرَضِ (^٧) . ثُمَّ يَدْعوهُ فَيُقْبِلُ ويَتَهلَّلُ وجْهُهُ. يَضْحَكُ.
_________________
(١) قطط: أي شديد جعودة الشَّعر="شرح صحيح مسلم" (١٨/ ٦٣) .
(٢) خلة بين الشام والعراق: الخلَّة، ما بين البلدين =انظر:"المفهم" (٧/ ٢٧٨)،و"شرح صحيح مسلم" (١٨/ ٦٥) .
(٣) سارحتهم: السَّارحة: المواشي التي تخرجُ للسَّرحِ، وهو الرَّعي ="المُفْهم"لأبي العباس القرطبي (٧/ ٢٨١) ..
(٤) ذُرًا: جمع ذُروة، وهي الأَسنمة.="المُفهم" (٧/ ٢٨١) .
(٥) مُمحلِين: مُجْدبين=انظر:"المصدر السابق" (٧/ ٢٨١) .
(٦) يَعَاسيب النَّحل: فُحولها، واحدها يعسوب، وقيل: أُمراؤها. ووجه التشبيه =أَنَّ يعاسِيب النَّحلِ يتبع كلَّ واحد منهم طائفةٌ من النَّحلِ، فتراها جماعاتٍ مُتفرِّقة، فالكنوز تتبع الدَّجَّال كذلك.="المفهم" (٧/ ٢٨٢) .
(٧) جَزْلَتَينِ رمية الغَرَض: قسمه قطعتين وفرقتين،"رمية الغرض":منصوب نصب المصدر، أي: كرمية الغرَضِ في السُّرعة والإِصابة ="المفهم" (٢٨٢) .
[ ٤٢٨ ]
فَبينما هو كذلك =إذْ بَعَثَ الله المسيحَ ابن مَريَمَ. فَينزلُ عند المَنَارةِ البيضاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بين مَهْرودَتَينِ (^١) واضِعًا كَفَّيْهِ على أَجْنِحةِ مَلَكينِ إذا طَأْطَأ رأسَهُ قَطَرَ، وإذا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنهُ جُمَانٌ كاللُّؤلُؤِ. فَلا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيْحَ نَفَسِهِ إلَاّ مَاتَ. ونَفَسُهُ يَنْتَهي حيثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ. فَيَطْلُبُهُ حتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ) أخرجه مسلم. (^٢)
* * *
تمهيد:
دلّت الأحاديث المسوقةُ آنفًا على جملةٍ من المسائل؛ من أهمّها:
أولًا: إثبات أن للمسيح الدجّال وجودًا موضوعيًا.
ثانيًا: أنّ خروجه من أعظم الفتن التي توارَدَ أنبياء الله تعالى على التحذير منها، وكان أشدّهم تحذيرًا منه، وبيانا لنعوته؛ وكشْفًا عن العِصَم التي تقي منه = نبيُّنا محمد - ﷺ -.
ثالثًا: أن خروجه من أعظم دلائل قرب السَّاعة، وأشراطها الكبرى.
وجملة القول أنّ تلك الأحاديث قد تواترت، ونظَمَها غيرُ واحد من أهل العلم بمخارج الأحاديث في سِلْكِ الأخبار المقطوع بثبوتها.
قال الإمام أبو العباس القرطبي - ﵀ -: (والذي يجب الإيمانُ به: أنّه لا بُدّ من خروج الدجّال يَدّعي الإلهية، وأنّه كذّاب أعور؛ كما جاء في الأحاديث الصحيحة الكثيرة، التي قد حَصّلت لمن عاناها العلم القطعي بذلك) (^٣) .
_________________
(١) مهرودتين: أي في شُقّتَيْن أو حُلّتَيْن، انظر النهاية في غريب الحديث (٥/ ٥٨٨) .
(٢) أخرجه مسلم في: كتاب"الفتن وأَشراط السَّاعة"،باب"ذكر الدجَّال وصفة ما معه" (٤/ ٢٢٥٠ - رقم [٢٩٣٧]) .
(٣) "المُفْهِم" (٧/ ٢٦٥) .
[ ٤٢٩ ]
وممّن حكم بتواتُر تلك الأحاديث أيضًا: ابن كثير - ﵀ -. وسيأتي - إن شاء الله - إيراد كلامه فيما بعد (^١) .
وقال الكتّاني - ﵀ -: (ذكر غيرُ واحدٍ أنّها واردةٌ من طرق كثيرة صحيحة عن جماعة كثيرة من الصحابة. وفي " التوضيح " للشوكاني منها مائة حديث، وهي في الصّحاح، والمعاجم، والمسانيد. والتواتر يحصل بدونها، فكيف بمجموعها؟) (^٢) .
وقال العلاّمة محمد ناصر الدين الألباني - ﵀ -: ( فتبيّن لي بعد الدراسة الدقيقة أنّ الحديث بجميع فقراته - إلاّ قليلًا منها - هو من الصحيح لغيره؛ بل إنّ كثيرًا منها من قبيل المتواتر المقطوع بثبوته عن رسول الله - ﷺ -) (^٣) .
ولثبوت أحاديث الدجّال، وصحّة نسبتها إلى الرسول - ﷺ -؛ درجَ أهل العلم على عدِّ الإيمان بما تضمّنتْه تلك الأحاديث من جُمل عقائدهم؛ سواءً كان ذلك في مطاوي مَعْلماتهم الجامعة لأحرف الاعتقاد (^٤)، أو ضمن أسفارهم التي عقدوها على جهة الإفراد؛ لبيان أشراط السَّاعة (^٥)، والفتن الحاصلة في آخر الزمان.
_________________
(١) انظر:"النهاية في الفتن والملاحم" (١٩/ ١٩٣) .
(٢) "نظم المتناثر" (ص ٢٤٠) .
(٣) "قصة المسيح الدجّال" (ص ٧) .
(٤) انظر مثلًا:"شرح أصول اعتقاد أهل السنة"للإمام اللالكائي (٧/ ١٢٩٢) و"السّنة"للإمام ابن أبي عاصم (١/ ٢٨٣) و"أصول السنة"للإمام ابن أبي زَمَنَين (ص ١٨٨) و"الإيمان"للإمام ابن منده (٢/ ٩١١ - ٩٢٣) و"الشريعة"للإمام الآجرّي (٣/ ١٣٠١) و"العقيدة الطحاوية"للطحاوي (٢/ ٧٦٠ - مع شرحها لابن أبي العزّ) وغيرها من أسفار أهل السنة التي تضمّنت أخبار الدجّال، ووجوب الإيمان بها.
(٥) انظر على سبيل المثال:"أشراط السَّاعة وذهاب الأخيار وبقاء الأشرار"للإمام عبد الملك بن حبيب الأندلسي (ص ١٣٤) و"النهاية في الفتن والملاحم"لابن كثير (١٩/ ١١٣ - وما بعدها) و"القناعة فيما يحسن الإحاطة به من أشراط السَّاعة"للسخاوي (ص ١٤) .
[ ٤٣٠ ]
قال الإمام أحمد - ﵀ -: (والإيمان أن المسيح الدجال خارج مكتوب بين عينيه كافر، والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى بن مريم ﵇ ينزل فيقتله بباب لدّ) (^١) .
والإجماع منعقد على ذلك؛ كما حكاه الأشعري - ﵀ -،حيث قال: (وأجمعوا على شفاعة النبي - ﷺ - لأهل الكبائر من أُمَّته وكذلك ما روي من خبر الدجَّال ونزول عيسى ﵇ وقتله الدَّجَّال) (^٢) .
وقال القاضي عياض - ﵀ -: (وهذه الأحاديث التي أدخلها مسلم في قصة الدجال حجّة أهل الحق في صحة وجوده، وأنّه شخص معيّن، ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من قدرته؛ ليتميّز الخبيث من الطيّب .. هذا مذهب أهل السنة، وجماعة أهل الفقه والحديث ونظارهم) (^٣) .
وقال الإمام أبو العباس القرطبي - ﵀ -: (وفائدة الإنذار: الإيمانُ بوجوده [أي: الدجّال] والعزم على معاداته، ومخالفته، وإظهار تكذيبه، وصدق الالتجاء إلى الله تعالى في التعوُّذ من فتنته = وهذا مذهب أهل السنة، وعامّة أهل الفقه والحديث؛ خلافًا لمن أنكره) (^٤) .
وقد ذهب بعضُ أهل العلم إلى أن القرآن وإنْ لم يذكر الدجال تصريحًا إلاّ أنه أشار إلى أمر الدجّال تلميحًا. وهذا الإلماح ورد في مواضع؛ منها:
الموضع الأول: أنّه المُشار إليه في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ الأنعام: ١٥٨ ومن تلك الآيات التي متى ظهرت
_________________
(١) رسالة الإمام أحمد لعبدوس بن مالك (ق:٢/ب) وعنه:"الرسائل المروية عن الإمام أحمد"لعبد الإله الأحمدي (٢/ ١٩٠) .
(٢) انظر:"رسالة إلى أهل الثغر" (ص ٢٩١) .
(٣) "إكمال المعلم" (٨/ ٤٧٤ - ٤٧٥) .
(٤) "المُفهم"للقرطبي (٧/ ٢٦٧) .
[ ٤٣١ ]
امتنع قبول التوبة من التائب = خروج الدجال. ويدل على ذلك: ما جاء عن أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قال: قال رسول اللَّهِ - ﷺ - (ثَلاثٌ إذا خَرَجْنَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ الأنعام: ١٥٨: طُلُوعُ الشَّمْسِ من مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأرض) (^١) .
الموضع الثاني: أنه المراد بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ غافر: ٥٧.
قال البغوي - ﵀ -: (المراد بالناس هنا = الدجال؛ من إطلاق الكل على البعض) (^٢) .
قال الحافظ ابن حجر - ﵀ - معقّبًا على قول الإمام البغوي: (وهذا - إنْ ثبت - أحسن الأجوبة؛ فيكون من جملة ما تكفل النبي - ﷺ - ببيانه. والعلم عند الله تعالى) (^٣) .
الموضع الثَّالث: أنَّ القرآن الكريم أشار إلى نزول عيسى - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ النساء: ١٥٩ وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ الزخرف: ٦١ ومن المعلوم أنه قد صحّ خبرُ قتله للدجال، فاكتُفِي بذكر أحد الضدّين (^٤)؛ وهو مسيح الهدى ﵇: " إذْ من عادة العرب أنها تكتفي بذكر أحد الضدّين عن ذِكر الآخر ..) (^٥) .
وأَيَّا ما كان فسواء سُلِّم بهذا الإلماح في الآيات أم لم يُسلّم؛ يبقى
_________________
(١) أخرجه مسلم في: كتاب "الإِيمان"،باب "بيان الزَّمن الَّذي لا يُقبل فيه الإِيمان" (١/ ١٣٨ - رقم [١٥٨]) .
(٢) نقله عنه الحافظ ابن حجر -كما سيأتي-،ولم أجد نص قوله في تفسيره، ولا في"شرح السنة"والموجود في تفسيره في معرض كلامه عن هذه الآية =قولُهُ: (وقال قوم: أكبر أي أعظم من خلق الدَّجال) "معالم التنزيل" (١١٤٢) .
(٣) "فتح الباري" (١٣/ ١١٤) .
(٤) انظر: المصدر السابق.
(٥) "النهاية في الفتن والملاحم" (١٩/ ١٩٦ - ١٩٧) .
[ ٤٣٢ ]
أَنَّ السُّنة قد تكفَّلت ببيان هذا الأمر، وقد حاول الحافظ ابن كثير - ﵀ - التماس حكمة عدم التصريح باسمه؛ بأنّ في ذلك خَفْضًا من شأنه، واحتقارًا له؛ لكونه يدّعي الإلهيّة، مع بشريّته واتصافه بعوارض النقص والخلل التي تنافي مقام عظمة الربوبية (فكان أمره عند الربّ أحقر من أن يُذكر، وأصغر، وأدْحرُ أن يُجْلى عن أمر دعواه، ويُحذّر. لكن انتصر الرُّسل لجناب الربّ ﷿، فَجَلّوْا لأممهم عن أمره، وحذّروهم ما معه من الفتن المُضِلّة، والخوارق المنقضية المضمحلّة، فاكتفى بإخبار الأنبياء، وتواتُر ذلك عن سيد ولد آدم إمام الأتقياء؛ عن أن يذكر أمره الحقير بالنسبة إلى جلال الله = في القرآن الكريم، ووكل بيان أمره إلى كل نبيّ كريمٍ) (^١) .
وأما ذِكْر فرعون في القرآن مع دعواه الربوبية دون الدجّال؛ فلانقضاء أمر الأوّل، وظهور كذبه، وبطلان دعوته لكل مؤمن عاقل. وأمّا الدجّال فأمره كائن لمَّا يأتِ (^٢) . وماذكره ابن كثير - ﵀ - فيه نَظر، إذ لو كان حكمة عدم التنويه به هو الخفض من شأْنه =للزم أن يطَّرد ذلك أَيضًا في السُّنة.
ومفْصَل القول أنّ خفاء حكمة عدم التصريح بأمر الدجّال في القرآن، لا يعكّر على ما دلّت عليه الأحاديث القطعية من ثبوت أمره؛ وإلاّ لاقتضى ذلك التَّجارِي في إنكار كلّ ما يثبت في السنن من معاقِد الدين، ولم يُذكر في القرآن.
ومع ظهور هذه الدلائل على صحة أمر الدجّال، وعظيم فتنته؛ إلاّ أن طوائف أخطأت، وصدفت عنها. وانقسمت مواقفهم من أحاديث الدجال إلى ثلاثة مواقف:
_________________
(١) "المصدر السابق" (١٩/ ١٩٧) .
(٢) انظر: المصدر السابق (١٩/ ١٩٧) .
[ ٤٣٣ ]
الموقف الأول: رَدّها، وتكذيبها صراحةً.
الموقف الثاني: رَدّها، وتأويل تلك الأحاديث، والخروج بها عن ظاهرها.
الموقف الثالث: التسليم بأصل وجود الدجال، وبعض صفاته، وتأويل بعضها.
الموقف الأول:
أمّا من ردّ أحاديث الدّجال: فطوائف من الخوارج، والجهمية، وبعض المعتزلة (^١) .
قال الإمام أبو محمد ابن حزم - ﵀ - مبيّنًا الذاهبين إلى إنكار الدجّال جملةً: (فأمّا ضرار بن عمرو وسائر الخوارج؛ فإنهم ينفون أن يكون الدجال جملةً، فكيف أن يكون له آية!) (^٢) .
الموقف الثاني:
مَن تأوّل الأحاديث الدالة على شخص الدجال، وإثبات أمره.
وممّن ذهب إلى ذلك: " محمد عبده "؛ حيث خرج بهذه الأحاديث عن حقائقها التي تدل عليها، ولا موجب لذلك. وقد قرره بقوله: (إن الدجال رمز للخرافات والدجل، والقبائح التي تزول بتقرير الشريعة على وجْهها، والأخذ بأسرارها، وحُكْمِها ..) (^٣) .
ودرج على ذلك أيضًا: " محمد فهيم أبو عبَّية "؛ حيث قال معلّقًا على الأحاديث الواردة في الدجال: (اختلاف ما رُوي من الأحاديث في مكان ظهور الدجال، وزمان ظهوره، وهل هو ابن صيّاد أم غيره؟ = يشير إلى أن المقصود بالدجال الرَّمزُ إلى الشرّ، واستعلائه، وصولته،
_________________
(١) انظر:"إكمال المعلم" (٨/ ٤٧٥) .
(٢) "الفصل" (١/ ٨٩) .
(٣) نقله عنه تلميذه في"تفسير المنار" (٣/ ٣١٧) .
[ ٤٣٤ ]
وجبروته، واستشراء خطره، واستفحال ضرره في بعض الأزمنة، وتطايُر أذاه في كثير من الأمكنة؛ بما يتيسّر له من وسائل التّمَكُّن والانتشار، والفتنة بعض الوقت، إلى أن تنطفئ جذوته، وتموت جمرته بسلطان الحق، وكلمة الله: إن الباطل كان زهوقا) (^١) .
أمّا " مصطفى محمود " فإنّه يتأول الدجّال بأنّه " الحضارة الغربية "، فيقول: (تَروي لنا الأديانُ حكاية رجل يظهر في آخر الزمان، يأتي من الخوارق والمعجزات ما يفتن الناس، من كافة أرجاء الأرض، فيسيرون خلفه، وقد اعتقدوا أنه إله. وتصفه الروايات بأنه "أعور"، وأنه يملك من القوة الخارقة ما يجعله يرى بهذه العين الواحدة ما يجري في أقصى الأرض، كما يسمع بأُذُنِهِ ما يتهامس به الناس عبر البحار، كما يُسقِط الأمطار بمشيئته ذلك هذا المسيخ الدجال إحدى علامات السَّاعة التي نقرأ عنها في كتب الدين. والمسيخ الدجال قد ظهر بالفعل؛ كما يقول الكاتب البولندي " ليوبولد فايس" (^٢) .. وهذا المسخ الشائه، ذو العين الواحدة - كما يقول ليوبولد فايس - هو = التقدم المادي، والقوة المادية، والترف المادي .. معبودات هذا الزمان.
مدنيّة هذا العصر الذرّي، العوراء التي تتقدّم في اتجاه واحدٍ، وترى في اتجاهٍ واحدٍ؛ هو الاتجاه المادّي. بينما تفتقد العين الثانية " الرُّوح" التي تبصر البُعد الرُّوحي للحياة .. فهي قوة بلا محبّة، وتكنلوجيا بلا أخلاق. وقد استطاع هذا المسخ فعلًا عن طريق العلم أن يسمع ما يدور في أقصى الأرض " باللاسلكي" ويرى ما يجري في آخر الدنيا " بالتليفزيون" وهو الآن يُسْقِطُ المطر بوسائل صناعيّة ) (^٣) .
_________________
(١) "النهاية في الفتن والملاحم"بتحقيق أبو عبية (١/ ١١٨ - ١١٩) وعنه:"أشراط السَّاعة"للدكتور يوسف الوابل (ص ٣١٦) .
(٢) هو: محمد أسد.
(٣) "رحلتي من الشكّ إلى الإيمان"لمصطفى محمود (١٠٤ - ١٠٥) .
[ ٤٣٥ ]
الموقف الثالث:
وهم الذين أقرّوا بأصل الأخبار الدالّة على وجود الدجال، مع تأويل بعض صفاته، وما ثبت له من خوارق.
وممّن ذهب إلى ذلك: " الجبائي " من المعتزلة، وبعض الجهميّة (^١)؛ وابن حزم - ﵀ - حيث قال في معرض ردِّه على أَهل الكتاب: (فإن قيل: إنَّكم تقولون: إنَّ الدَّجَّال يأتي بالمُعجِزات.
قُلنا: حاشا لله مِن هذا!،وما الدَّجال إلَاّ صاحبُ عجائب، كأبي العجب الشّعبذ (^٢) ولافرق، وإنَّما يتحيَّلِ حيلا معروفة، كلُّ من عرفها عمل مثل عمله، وقد صحَّ عن النبي - ﷺ - أنَّ المغيرة بن شُعبة سأله: هل مع الدجال نهرُ ماء، وخبز ونحو ذلك؟ فقال له رسول الله - ﷺ -:هو أهون على الله من ذلك ..) (^٣).
فهؤلاء أقرّوا بوجود الدجّال؛ لكنهم أبَوْا التسليم بحقيقة ما تضمّنته الأحاديث من ثبوت الخوارق له، وزعموا أن ما يُظْهِره إنما هو حيل، ومخارق لا حقيقة لها، وعلةُ نفيهم دعواهم أنَّه لو صحت هذه الخوارق =لكانت قدحًا في النُّبوّة (^٤).
وقد وافقهم الإمام الطحاوي - ﵀ - في النتيجةِ، وإن اختلف معهم في المأخذ الذي انطلق منه المخالفون، فإنّ مأخذه - ﵀ - إرادة الجمع بين النُّصوص، فأدّاه اجتهاده إلى تلك النتيجة، حيث قال بعد أن ساق الأحاديث المثبتة لخوارق الدجال: (فتأملنا هذه الآثار فيما ذكر أنه مع الدجّال من الجزر والماء؛ هل ذلك على الحقائق أو على ما سواها؟) (^٥). ثم بعد أن أورد حديث المغيرة بن شعبة المتقدّم ذِكرُه، وفيه: قال: ما سأل
_________________
(١) "إكمال المعلم" (٨/ ٤٧٥).
(٢) كذا، ولعلَّ الصواب: المُشعبذ.
(٣) "الفصل" (٢/ ١١٨).
(٤) انظر:"إكمال المعلم" (٨/ ٤٧٥).
(٥) "شرح مشكل الآثار" (٩/ ٤٠٩ - ٤١٢ - تحفة الأخيار بترتيب شرح مشكل الآثار).
[ ٤٣٦ ]
أحدٌ رسولَ الله - ﷺ - عن الدجال أكثر مما سألته. فقال: (ما يصيبك، إنّه لا يضرّك) قلت: إنهم يزعمون أن معه الطعام والأنهار. قال: (هو أهون على الله من ذلك) قال الإمام الطحاوي: (فكان تصحيح حديث المغيرة هذا، وما رويناه قبله على أن ما رويناه قبله هو ما يوهمه الدجالُ الناس بسحره أنّه ماءٌ وخُبزٌ، فيرونه كذلك بسحره الذي يكون معه؛ مما يَقْدِرُ به عليهم، حتى يرون أن ذلك في الحقيقة كما يرونه بأعينهم في ظنونهم = وليس كذلك، وإنما هو كمثل ما أخبر الله عما كانت سحرة فرعون فعلتْه بقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ طه: ٦٦
فقال قائل منهم: فقد رويتم عن رسول الله - ﷺ - في هذا الباب ما يخالف ما ذكرتم قال هذا القائل: ففي هذا الحديث تحقيق هذه الأشياء أنها تكون من الدجال.
فكان جوابنا له في ذلك: إن هذا الحديث ما يدل على غير ما ظنّ، وذلك أن فيه: (ثم يأمر السماء فتمطر فيما يُرى، ويقتل نفسا ثم يحييها فيما يرى الناس) (^١) . وفي ذلك تحقيق ما قلناه: إنّ هذه الأشياء إنما تكون منه على جهة السحر الذي يُخيّل إلى من لحقه ذلك السحر أنه حقائق، وليست بحقائق ) (^٢) .
وقد أبْعد العلاّمة الشيخ عبد الرحمن السعدي - ﵀ - في تنزيله الأخبار الواردة في أمر " الدجال " على الواقع الذي كان يعيشه الشيخ آنذاك؛ من مناصرة الإنجليز لليهود على اغتصاب فلسطين، وإقامة مملكتهم عليها. وقد أدّاه ذلك - ﵀ - إلى الوقوع في التكلّف في فهم الأحاديث، والخروج بها عن ظاهرها. وشاهد هذا التكلّف منه - ﵀ وعفا عنه -: أنّه في موطن من رسالته " فتنة المسيح الدجّال " يفسّر
_________________
(١) سيأتي تخريج هذه اللَّفظة.
(٢) "شرح مشكل الآثار" (٩/ ٤٠٩ - ٤١٢ - مع تحفة الأخيار بترتيب شرح مشكل الآثار) .
[ ٤٣٧ ]
" الدجّال " بالإنجليز. يقول - ﵀ - في تقرير ذلك بعد سوقه لنص نقله عن الشيخ محمد رشيد رضا: ( وأنهم يستعينون على ذلك [أي: اليهود في إعادة ملكهم المزعوم] بالاعتماد على الإنكليز؛ الذي هو أكبر الدجالين، وبخوارق العلوم والفنون العصرية، والمخترعات الهائلة. ويكون على هذا ذِكْرُ النبي - ﷺ - لبعض تفاصيل فتنته في الأحاديث السابقة؛ على وجه التقريب والتمثيل. ويدلّ على ما قاله [أي: على ما قاله الشيخ محمد رشيد رضا] الحديثُ السابق؛ وهو ما رواه مسلم عن نافع عن عتبة، عنه - ﷺ - أنه قال: (تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم تغزون فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله) (^١) . فدلّ هذا الحديث، وترتيب الفتوحات المذكورة بحسب قربهم من المسلمين، وأنهم بعد فتح فارس والروم؛ يغزون الدجال فيفتحه الله = أنّهم الأمم الذين وراء فارس والروم من الأمم الإفرنجية وتوابعهم، وكونهم السبب الوحيد الذي مهّد لليهود ملك فلسطين) (^٢) .
ثم إنّه عاد - ﵀ - ليقرّر أن الدجالَ شخصٌ معيّنٌ من اليهود، ينزل عيسى - ﵇ - لقتْله. فقال: (ولا بدّ أن تتوسّع سيطرة اليهود، ولا بدّ لهم من التضييق على جيرانهم من الحكومات العربية، ولا بدّ أن يتبيّن مَن الشخصُ الذي هو المسيح الدجال المعيّن بذاته، وتجري بقية ما ذكره الرسول - ﷺ - على يده، حتى ينزل عيسى ابن مريم، ويُعين الله المسلمين، فيقاتلونهم، فيقتلون اليهود، ويقتُل عيسى - ﷺ - مسيحَهم الدجّال) (^٣) .
ولم يكتفِ بذلك - ﵀ -؛ بل ذهب أيضًا إلى تأويل بعض خوارق
_________________
(١) أخرجه مسلم في: كتاب"الفتن وأشراط السَّاعة"،باب"ما يكون من فتوحات المسلمين قبل الدَّجَّال" (٤/ ٢٢٢٥ - رقم [٢٩٠٠]) .
(٢) "فتنة المسيح الدجال"للعلامة السعدي (٣٥ - ٣٦) .
(٣) المصدر السابق (ص ٣٨) .
[ ٤٣٨ ]
الدجال، وأن منها ما يكون على جهة التمويه والخداع؛ الذي لا حقيقة تحته. قال - ﵀ -: (ومما يؤيد أن العلوم العصرية المتنوعة هي من خوارق الدجال: ما تقدم في حديث النواس بن سمعان - ﵁ -: قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: (كغيث استدبرته الريح) (^١). وهذا بأسباب المخترعات الحديثة من المراكب البرية الهوائية. وقد قال كثير من أهل العلم في قوله - ﷺ - عن الدجال: (إنّه مكتوب بين عينيه " كافر " يقرؤه كل مؤمن، كاتبٍ وغير كاتب) (^٢): إنّ هذا على جهة التمثيل، وأنّ معناهُ: أنَّ أمره واضحٌ، لا يخفى على كل مؤمن أنّه كافر، وأن ما معه ومع أتباعه من الخوارق لا تدلّ على صحة قوله، وإنما هي صناعات ماديّة يشترك فيها البَرّ والفاجر.
ومما يدلّ على أنها تمويهات: ما تقدّم في حديث المغيرة بن شعبة الثابت في الصحيحين، قال: " ما سأل أحدٌ رسولَ الله - ﷺ - عن الدجال أكثر ما سألته. وأنه قال لي: (ما يضرك) قلت: إنهم يقولون: إنّ معه جبال من خُبز، ونهر من ماء، قال: (هو أهون على الله) (^٣) الحديث. فقوله: (هو أهون على الله) أي: من أن يكون لهذه المذكورات حقائق صحيحة تدلّ على صِدْقِه، وإنّما معه أمورٌ ومخترعات موجودة مشترَكة ) (^٤).
وقد تأوّل بعضهم ما ورد من الكتابة بين عيني الدجال من أن معنى ذلك ما ثبت من سمات حَدْثِهِ، وشواهد عجْزه، وظهور نقْصه (^٥).
وبيان ما في هذه التأويلات من وجوه التعسُّف لمدلول تلك الأحاديث في المبحث التالي.
_________________
(١) تقدم تخريجه في المطلب الأول.
(٢) تقدم تخريجه في المطلب الأول.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) المصدر السابق (٣٨ - ٣٩).
(٥) ذكره القرطبي - ﵀ - ولم يُسمِّ قائله. انظر:"المفهم" (٧/ ٢٦٨).
[ ٤٣٩ ]