أمّا الجواب عمّا أوردوه من المعارضات؛ فيتلخص في الأوجه التالية:
- الوجه الأول: أنَّ انتفاء العلم بتحقق الحكمة من هذه الأشراط في بعض الخلق؛ لا يعني العدم؛ إلاّ إنْ ادّعى المعترض الإحاطة بذلك. وهذه الكُلِّية السَّالبة ينقضها، واقعُ من روى هذه الأحاديث من المُحدّثين، وما هم عليه من الخشية والفَرَق، وكمال الورع والتقوى. وحَمْلُ هذه الأحاديث لهم على الحزْم، ومعرفة حقيقة الدنيا. ومَن طالَع أخبارهم، وقرأ سِيَرَهم؛ علِم بطلان ما ذكره المعترض. بل من قرأ هذه الأحاديث على جماعة المسلمين؛ رأى مدى تأثّرهم بها، ومسارعتهم للطاعة بعدها، ورغبتهم عن غِشْيان المخالفات؛ لِوَقْع تلك الأحاديث على قلوبهم. ومهما يكن من أمرٍ؛ فإنّا لو التزمنا إبطال كلّ حديث تضمّن زجرًا عن أمرٍ، أو تخويفًا؛ لانتفاء ثمرته في واقع بعض الناس = للزم من ذلك إبطالُ السّنة؛ بل إبطال الدين كلّه؛ لأنّ ما يَصْدُق في السُّنَّة يصحّ قوله في القرآن. فإنّ الله أنزل كتابه هدايةً للبشرية، ومع ذلك فقد كان فتنةً لبعض الخلق؛ كما قال ﵎: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾ فصلت.
- الوجه الثاني: أنّ هذا الاعتراض؛ وإنْ رَاشَه المعترض على تلك الأحاديث، إلاّ أنه فاته أنّ ذلك الاعتراض يسري إلى الآيات النّاصة على أَنّ للساعة أَشْراطًا؛ سواءً بسواء. ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ محمد: ١٨ وقوله تعالى:
[ ٤٢٢ ]
﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ الزخرف: ٦١.وقوله ﷿: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ النمل: ٨٢.وقوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ الأنعام: ١٥٨.
وبهذا الإلزام يغرقُ المعترض في مَخَاضَةٍ لا محيص له عنها؛ إلاّ باتهام رأيه قبل التسارع في الطعن في الدلائل ببادي الرأي.
- الوجه الثالث: أنّ حصول الأمن لدى بعض الخلق لا ينفي حصول الخوف عند غيرهم، وحصول الانحراف في فَهم بعض الأدلّة لا يكون باعثًا لردّها؛ وإلاّ للزم ردّ كثير من نصوص الشريعة بحجّة أنها قد تكون حاملة على الاتكال والقعود. والفقيه حقًّا من بصَّر الناسَ بحقيقة هذه الأشراط، وحكمتها؛ ليستقرَّ أثرها في القلوب؛ ومِن ثَمّ تنبعث الجوارح تأهُّبًا ليوم المعاد = لا أنْ يُتَسلَّط على تلك الأحاديث بالتعطيل لها؛ تعلُّقًا بكلّ سبب، واسترواحًا إلى كلِّ شَغَب.
- الوجه الرَّابع: أنّ من مثارات الغلط في هذه الدّعوى نَصْبَ التلازم بين التصديق بهذه الأشراط، وبين انتفاء ما اختصّت به السَّاعة من مجيئها بغتةً = والواقع أنَّ التلازُمَ مُنْتَفٍ؛ فإنّ هذه الأشراط التي صحّ الخبر بها، غايتها أن تتميّز بها السَّاعة قدرًا من التمييز. وأما التحديد التام فهو من الغيب المطلق الذي اختصّ الله به.
قال جلّ ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ لقمان: ٣٤.
وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ الأعراف.
قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري - ﵀ -: (.. مما أنزل الله من القرآن على نبيه - ﷺ - ما لا يوصل إلى علم تأويله، إلَاّ ببيان الرسول - ﷺ - وأنّ منه مالا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهّار، وذلك ما فيه من الخَبَر عن آجالٍ حادثة، وأوقات آتية؛ كوقت قيام السَّاعة،
[ ٤٢٣ ]
والنفخ في الصور، ونزول عيسى ابن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، وما أشبه ذلك.
فإن تلك أوقات لا يعلم أحدٌ حدودَها، ولا يعرف أحد من تأويلها إلاّ الخبرَ بأشراطها؛ لاستئثار الله بعلم ذلك على خلقه، وبذلك أنزل ربُّنا في محكم كتابه ، وكان نبينا محمد - ﷺ - إذا ذكر شيئًا من ذلك لم يدلّ عليه إلاّ بأشراطه، دون تحديد وقته؛ كالذي رُوِي عنه - ﷺ - أنه قال لأصحابه - إذْ ذَكر الدّجّال -: (إنْ يخرُج وأنا فيكم، فأنا حجيجه. وإنْ يخرجْ بعدي فالله خليفتي عليكم) (^١) . وما أشبه ذلك من الأخبار الدالّة على أنّه - ﷺ - لم يكن عنده علِم أوقات شيءٍ منه بمقادير السنين والأيام، وأن الله جلّ ثناؤه إنّما عرّفه مجيئه بأشراطه، ووقته بأدلّته) (^٢) .
ومحصّل القول أنّ هذه الأشراط إنّما تدلّ على قُرب السَّاعة، لا على تحقق العلم بوقوعها «فالسَّاعة كالحامِلِ المُتِمّ؛ لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها، ليلًا أو نهارًا.» (^٣) وعلّة ذلك انتفاء العلم بالمدّة الزمنية بين تلك الأَشراط وبين وقوع السَّاعة. وبهذا يكون الأمر نقيضَ ما ذكره المعترضون؛ بأن يكون العلم بهذه الشراط باعثًا على العملِ، موقِظًا من الغفلة، زاجرًا عن التمادي في المعاصي. وما قطع قلوب الصالحين، وأذاب أكبادهم = كمثل تذكّر تلك الأهوال العظام، وما فيها من فِتَنٍ تفزع منها القلوب.
_________________
(١) أخرجه مسلم في: كتاب"الفتن وأَشراط السَّاعة"،باب"ذكر الدَّجَّال وصفة ما معه" (٤/ ٣٧٥) .
(٢) "جامع البيان" (١/ ٣٣) .
(٣) جزءمن حديث ورد مرفوعًا من حديث ابن مسعود - ﵁ - أخرجه أحمد في:"المسند" (١/ ٣٧٥) والحاكم في"المستدرك" (٢/ ٤١٦) وصحَّحه. وقد ضعفه الألباني في"السلسلة الضعيفة" (٩/ ٣٠٧) .
[ ٤٢٤ ]