أمّا المعارض الأول: فَمَدَارُها على أصلين فاسدين:
- الأصل الأول: استنادهم إلى طريقة الأعراض.
- الأصل الثاني: قياسُهم الغائب على الشاهد.
فأمّا الأصل الأول:
فإن القول بمنْع وزن الأعمال؛ لكونها أعراضًا أثرٌ من آثار بدعة " دليل الحدوث " الذي تمسَّك به المتكلمون في تقرير إثبات وجود الله: وحدوث العالَم. وقد اسْتولَد هذا الدليلُ الباطلُ بِدَعًا شنيعة أدّت إلى مُجالدة الدلائل الشرعية، وردِّها، أو تأويلها وتحريفها.
وقد التزموا لأجل " دليل الحدوث " لوازم معلومة الفساد؛ كالقول بأن الأعراض لا تبقى زمانين، واستحالة انتقال الأعراض، ومنع قيام الأعراض بالأعراض .. إلى غير تلك اللوازم الباطلة شرعًا وعقلًا؛ كَنَفْي الصفات الإلهية، وإنكار الرؤية، وإنكار وزْن الأعمال، وغيرها من أمور الآخرة. فالقول بمنع وزن الأعمال؛ لكونها أعراضًا قولٌ باطلٌ، ودلائل ذلك ما يلي:
أولًا: أنّ هذا القول قولٌ مُحْدَث لا بُرهان عليه من الشرع. والخالِق ﷾ لم يَكِلْنا لمعرفة ديننا إلى معرفة الأعراض ولا الجواهر، ولا غيرها من الألفاظ المجملة المُحْدَثة. وقد مضى الجيلُ الأول الذي نزل بين أظهرهم الوحيُ، ولم يعرفوا طريقة الأعراض، ولا لوازمَها، مع كمال عقلهم، وموفور دينهم، وحِرْصِهم على كلّ خير. لذا يقول ابن عقيل الحنبلي: (أنا أقطعُ أن الصحابة ماتوا، وما عرفوا الجواهر والعرَض،
[ ٥٥٧ ]
فإن رضيتَ أن تكون مثلهم فَكُنْ، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أَولى من طريقة أبي بكر وعمر = فبئس ما رأيتَ) (^١) .
وقال نوحٌ الجامع: قلتُ لأبي حنيفة - ﵀ -: ما تقول فيما أحدث الناسُ من الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: مقالاتُ الفلاسفة، عليك بالأثر، وطريقة السلف، وإياك كلّ محدثة، فإنها بِدعَة) (^٢) .
فدليلُ الأعراض دليلٌ بِدْعيٌّ لا يُعوَّل عليه في مِثْل هذه المطالب. وبدعية هذا الدليل لا لكونه اشتمل على ألفاظٍ مُحدثةٍ فحسْب؛ (بل لأن المعاني التي يعبّرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجبُ النهي عنه؛ لاشتمال هذه الألفاظ على معاني مجملة في النفي والإثبات فإنه لا يوجد في كلام النبي - ﷺ - ولا أحد من الصحابة والتابعين، ولا أحد من الأئمة المتبوعين أنّه علّق بمسمّى لفظ " الجوهر " و " العَرَض "، ونحو ذلك شيئًا من أصول الدين؛ لا الدّلائل، ولا المسائل) (^٣) .
فدليلُ الأعراض دليل مركّب من أغاليط ومشتبهات لا يُوصِل المستدِل به إلى طِلَبتِه؛ إلاّ بعد مضائق ومسالكَ ينقطع دونها الأذكياء، فضلًا عن غيرهم.
فإذا استبان بطلان هذا الدليل = استبان لنا أيضًا بُطلان لوازمه؛ ومنها:
ثانيًا: قولهم: إن الأعراضَ لا تُوْزَن؛ لأن ذلك يستلزم - عندهم - أن تقوم بنفْسها، وهذا عند طوائف المتكلمين ممتنع؛ حتى قال التفتازاني: (الضرورة قاضية بأن العرض لا يقوم بنفسه) (^٤) .
_________________
(١) "ذيل طبقات الحنابلة " لابن رجب (١/ ٣٣٧) .
(٢) "ذم التأويل " للإمام ابن قدامة (٢٤٥) .
(٣) "مجموع الفتاوى" (٣/ ٣٠٧) .
(٤) "شرح المقاصد" (٢/ ١٥٠) .
[ ٥٥٨ ]
وسبب هذه الإحالة أنّ العرض لو كان قائمًا بنفسه لجاز قبولُه العرض = وقيام العرض بالعرض مُحالٌ.
فيقال: أمّا قيام العرض بالعرض فليس مُحالًا بإطلاق؛ فالسّرعة والبطء عَرَضانِ قائمان بالحركة، والحركة عَرَضٌ = فدلّ على جواز قيام العرض بالعرض في الجُمْلة. ولذا خالف الرازي جمهور أصحابه، وقال بصحة قيام العرض بالعرض؛ لقوّة البرهان الدالّ على ذلك (^١) .
فإذا كان عِلّة المنْع من قيام العرض بنفسه =إحالةَ قيام العَرَض بالعَرَض، فقد تبيَّن بُطلان الملزوم، فبطل بذلك لوازمه من منْع قيام العَرَض بنفسه، ومنع جواز وزن الأعراض.
وقد اختار بعض أهل العلم كابن قيِّم الجوزيَّة، وابن رجب الحنبلي؛ أنَّ الله يقلب الأعمال أجسامًا لِتوزن (^٢) وقد نَصَر هذا القولَ الإمامُ جلال الدِّين السيوطي - ﵀ -؛ بل أَرْبَى على ذلك بأنْ رأى أنّ حقيقة الأعراض في هذه الدنيا - وإنْ كانتْ في نظر العبادِ أعراضًا - مُجسّمة مُشَخَّصَةٌ عند الله تعالى. وفي تقرير ذلك يقول: (التحقيق الشامل لذلك، ولغيره: أنّ جميع المعاني المعقولة عندنا مُصوّرةٌ عند الله بصورة الأجسام، ومُشخّصة بصورة الأشخاص، وإنْ كنّا لا نحس ذلك؛ لكوننا محجوبين عنه ..) (^٣) .
وجنح إلى هذا القول أيضًا الإمامُ الصنعاني - ﵀ - (^٤) .
_________________
(١) انظر:"المباحث المشرقية"للرَّازي (١/ ٢٥٦ - ٢٥٧) .
(٢) انظر: ابن القيم في"حادي الأرواح" (٢/ ٨١٥ - ٨١٦)،و"فتح الباري"لابن رجب (٢/ ١٠٩ - ١١٠) .
(٣) من رسالته: المعاني الدقيقة في إدراك الحقيقة. نقل ذلك عنه الإمام الصنعاني في رسالته: "جمع الشتيت" (١٣٢) .
(٤) المصدر السابق.
[ ٥٥٩ ]
والقول بتجسيد الأعمال لتُوْزَن - مع معقوليّته - إلاّ أنّ الأدلّة لا تُسعِف أصحابَها للقطع بأنّ مااختاروه هو مدلول هذه النُّصوص؛ وذلك لأمرين:
الأمر الأول: أن القول بتجسيد الأعراض فيه تسليم ضمني-وإن لم يُقصد- من القائلين به بصحة بدعة امتناع قيام العرض بنفسه. ولا ريب أن البدعة لا تُردّ ببدعة أخرى.
الأمر الآخَر: أن المانعين من وزْن الأعمال لكونها أعراضًا: قاسوا الغائب - وهو: ما أخبرتْ به النصوص من وزْن الأعمال يوم القيامة - على الشَّاهدِ؛ حيث إنَّ الشاهدَ يمتنع فيه قيامُ العرض بِنفْسِه؛ فكذلك يجري الامتناع فيما أخبر به الكتاب والسُّنَّة، ممّا سيقع في اليوم الآخرِ من وزْن الأعمال. وهذا هو الأَصل الثَّاني الَّذي تفرَّعت عنه شُبهة استحالة وزن الأَعمال.
[بطلان الأَصل الثَّاني]
والقائلون بتجسيد الأعمال حقيقة قولهم موافَقَةُ المانعين في مادة هذا القياس وهذا القياس فاسدٌ من وجْهَين:
الأول: أنّهُ لا يُسلَّم بامتناع وزن الأعراض في الشاهد، فإنّ المنْع قد بُني بالنِّسبة لماتحصَّل لديهم في تلك الحِقبة من المعارف والعلوم. ولا ريبَ أن المعارف تلك لم تعد على حالها؛ بل اتّسعت اتساعًا لم تعْهدْ البشرية مثلَه من قبلُ، وفيما بلغت إليه هذه العلوم= ما يشهدُ بصحة ما أخبرتْ به النصوص، ونطق به الوحي. فهذه العلوم من أعظم الدلائل على ما جاءت به الشرائع. وإنّ مما جادت به قرائح البشر: أنْ وضعوا الموازين التي يقيسون بها الحرارة، والبرودة، وغير ذلك من الأعراض التي لم تكن البشرية تتصوّر من قبلُ إمكان وزنها؛ لكونها أعراضًا، والأعراضُ لا تقوم بنفسها!! فإذا كان المخلوق مع ما جُبِل عليه من
[ ٥٦٠ ]
النقص، والجهل، وضعف القدرة = استطاع أن يزن الأعراض، أفليس الخالق القادرُ قادرًا على وزن ذلك من باب أَوْلَى؟!
الوجه الآخر: أنّه على فرْض تحقُّق استحالة وزْن الأعراض في الشاهد؛ فإنّ الذي لا ينطق عن الهوى أخبرَ بذلك، وقبوله متحتّم، وأمور الآخرة أحكامُها تختلف عن أحكام الدنيا، فهو من الغيب الذي يجبُ الإيمانُ به، وعدم إطلاق العقْل في مَسَارِحه؛ لعدم قدرته على شهود كيفيات هذه الأمور المُخبر بحصولها في الآخرة.
وممن جوّز وزن الأعراض وأنكر على المانعين والقائلين بتجَسُّدها= الشيخ محمد رشيد رضا فقال: (فإن الخَلَفَ المنتمين إلى مذاهب السنة خاضوا فيما خاض فيه غيرهم من تحكيم الرأي في أمور الغيب، فالمعتزلة أخطأوا في قياس عالَم الغيب على عالَم الشهادة، وإنكار وزن الأعمال بحجة أنّها أعراض لا تُوْزَن، وأنّ علمَ الله بها يغني عن وزنها. وردّ عليهم بعض المنتمين إلى السنة ردًّا مبنيًّا على أساس مذهبهم في قياس عالَم الغيب على عالَم الشهادة، وتطبيق أخبار الآخرة على المعهود المألوف في الدنيا، فزعموا أن الأعمال تتجسّد وتُوْزَن، أو توضع في صورة مجسّمة، أو أن الصحائف التي تُكتب فيها الأعمال هي التي تُوْزَن؛ بناءً على أنها كصحائف الدنيا؛ إمّا رَقٌّ - جِلْد -، أو وَرَقٌ.
والأصل الذي عليه سلف الأمة في الإيمان بعالَم الغيب = أن كلّ ما يثبت من أخباره في الكتاب والسنة فهو حقٌّ لا ريب فيه؛ نؤمن به، ولا نحكّم رأينا في صفته وكيفيته. فنؤمن إذًا بأن في الآخرة وزنًا للأعمال فقط، ونرجّح أنّه بميزان يليق بذلك العالم؛ يوزن به الإيمان، والأخلاق، والأعمال. لا نبحث عن صورته وكيفيته .. وإذا كان البشر قد اخترعوا موازين للأعراض؛ كالحرّ، والبرد، أفيعجزُ الخالق البارئ القادر على كلّ شيءٍ عن وضْع ميزانٍ للأعمال النفسية والبدنية المعبَّر
[ ٥٦١ ]
عنها بالحسنات والسيئات؟) (^١) .
=أمّا جواب المعارض الآخر: الذي يتضمّن إنكار فائدة الوزن مع تحقُّقِ علم الله.
فيقال: جهْلُ المخاطب بالحكمة من ذلك، لا يعني انتفاء الحكمة؛ فعدمُ العلم ليس علمًا بالعدم. فإن الله متّصِف بكمالِ الحكمة والعلمِ. ومُحالٌ أن تكون أفعالُه خاليةً من الحكمة؛ فإنّ ذلك عبَثٌ يُنَزَّه عنه الباري ﵎. فوجبَ الإيمانُ بما نطقت به النصوص، والتسليم لها.
فإن ظهرَ لبعض المكلَّفين وجوه من الحِكَم والمصالِح؛ فَبِها ونِعْمتْ، وإلاّ أُجريَ الأصْلُ المعقودُ سابقًا على بابه. فما وزن الأعمال مع علم الله تعالى بمقاديرها قبل كونها = إلَاّ نظير إِثباته إيَّاها في أُمِّ الكتابِ واسْتنساخه ذلك في الكتاب من غير افتقار به إليه، ولا خوف من نِسْيانه، وهو العالم بكلِّ ذلك في كُلِّ حالٍ - ﷿ - (^٢) .
وقد تلمّس بعض أهل العلم، الحِكَمَ من وزْن الأعمال مع علم الربّ ﵎ بها؛ فمن تلك الحِكَم:
١ - إظْهار كمال عدل الربّ ﵎، وأنّه لم يظلمْ مثقال ذرّة من خير أو شرّ. قال الإمام مرعي الكرمي - ﵀ -: (الحكمة منه: إظهارُ العدل، وبيان الفضل؛ حيث إنه تعالى يَزِنُ مثاقيل الذّرّ من الأعمال: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ النساء) (^٣) .
٢ - تعجيل مَسرّة المؤمن، وغمِّ الكافر. وهذا يوم القيامة.
٣ - أنَّ في علم العبد أن أعمالَه ستُوْزَن يوم القيامة = فائدةً في
_________________
(١) تفسير المنار (٨/ ٣١٣)
(٢) انظر"جامع البيان" (١٠/ ٧٠ - ط/هجر) .
(٣) "تحقيق البرهان" (٦٥) .
[ ٥٦٢ ]
التكليفِ؛ وهي: أنّه إذا علِم حصول الوزن على رؤوس الملأ دفعَه العلمُ بذلك إلى أداء الواجبات، واجتناب الموبقات. وفي هاتين الفائدتين يقول القاضي عبد الجبار: (وأمّا فائدتُه - أي: الوزن - فهو تعجيل مسرّة المؤمن، وغمّ الكافر؛ هذا في القيامة. وفيه فائدةٌ أخرى تتعلق بالتكليف = وهي أن المرءَ مع علمه أن أعماله تُوْزَن على الملأ؛ كان ذلك أقرب إلى أداء الواجبات، واجتناب المقبحات. وهذه فائدةٌ عظيمة) (^١) .
_________________
(١) "شرح الأصول الخمسة" (٧٣٦) .
[ ٥٦٣ ]