ما استرْوح إليه " هيكل " مخالِفٌ تمام المخالفة لما دلّ عليه الحديث. والمُلجِئُ إلى ذلك فرارُه من إثبات المعجزات؛ للأسباب التي تقدّم بيانُها. لذلك عمد إلى تخلية الحديث من معنى الإعجاز الذي فهمه سراقة - ﵁ -، ثم أخذ في نسْج قصة توافق اعتقاده؛ فما جرى لفرس سراقة - حسب زعمه - مجرد كبوة قد جرتْ له من قبلُ مرّتين!!
وسبب امتناعه عن القبض على رسول الله - ﷺ - وصاحبه - في ظنّ هيكل - هو تطيُّر سراقة بهذه الكبوة التي حدثتْ لفرسه!
وهذا الذي ذكره، أتى به من كِيْسِه؛ وإلاّ فليس في الحديث ما يدلّ على أنّ ما جرى لفرس سراقة كان مجرّد كبوة!، ولا أنّ سبب رجوعه عن تحقيق المهمة التي رصدتْ قريشٌ لمن يقوم بها الجوائزَ الكريمة=هو ما أُلْقي في رُوعه. فكلّ ذلك محضُ تقوُّلٍ.
ذلك: أن فرس سراقة لمّا غاصت يداها في الأرض؛ كما روى - ﵁ - هو ذلك: (ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تُخرِج يديها ) لم يكن ذلك مجرد كبوة؛ كان ذلك إجابة من الله تعالى لدعاء نبيه - ﷺ -، وآيةً وعلامةً لسراقة على امتناع لحوق ضرر بالنبي - ﷺ -. ودليلُ ذلك: رواية البراء - ﵁ -؛ حيث قال: (لمّا أقبل النبي - ﷺ - إلى المدينة تبعه سراقة بن مالك بن جعشم، فدعا عليه النبي - ﷺ -، فساخت فرسه) (^١)
_________________
(١) تقدم تخريجه في المطلب الأوَّل.
[ ٣٩٧ ]
فقول البراء: (فدعا النبي - ﷺ -، فساخت فرسه) دليلٌ بيِّنٌ على ما قرّر من قبل: أن سوْخ فرس سراقة كان من أثر دعاء النبي - ﷺ -؛ ذلك أن البراء - ﵁ - عبّر بـ "الفاء" المفيدة للتَّسبيب.
وكذلك جاء في رواية أنس بن مالك - ﵁ -: (فالتفت أبو بكر؛ فإذا هو بفارس لقد لحقهم، فقال: يا رسول الله، هذا فارسٌ قد لحق بنا = فالتفت نبي الله - ﷺ - فقال: (اللهم اصرعْهُ)، فصرعه الفرس) (^١)
فهذان صحابيان رَوَيا هذه الحادثة بهذا اللفظ؛ مما يدلّ على أنهم فهموا أنّ ما جرى لفرس سراقة كان آيةً، وعَلَمًا من أعلام نبوته - ﷺ -. بل إن سراقة نفسه - ﵁ - تحقّق عنده هذا المعنى، وكان من الجلاء بمكان، فتراه - ﵁ - يصف ذلك بقوله: (ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أنْ سيظْهر أمر رسول الله - ﷺ -) (^٢) ويقول في بيانٍ مُشْرِقٍ مخاطبًا الرسول - ﷺ -: (علمتُ أنّ هذا عملك = فادعُ الله يُخلّصني مما أنا فيه) (^٣)
أفيكون هؤلاء قد فهموا فهمًا مغلوطًا، ويكون فهْمُ " هيكل " هو الحقيق بالصواب؟!.
يقول الإمام النَّووي - ﵀ - مبيّنًا الفوائد الملتَمَسة في هذا الحديث: (وفي هذا الحديث فوائد؛ منها: هذه المعجزة الظاهرة لرسول الله - ﷺ -) (^٤)
_________________
(١) تقدم تخريجه في المطلب الأوَّل.
(٢) تقدم تخريجه في المطلب الأوَّل.
(٣) تقدم تخريجه في المطلب الأوَّل.
(٤) "شرح صحيح مسلم" (١٨/ ١٥٠)
[ ٣٩٨ ]