من المتحقَّق علمُه بين نُقّاد الحديث: صحّة إسناد حديث فاطمة بنت قيس، وبراءة متنه ممّا يُستنكر. ولا أعلم حتى ساعتي هذه - بحسب قاصر نظري - مَنْ ردّه وطعَن فيه من الأئمة المعتبَرين؛ بل إن الإمام البخاري - ﵀ - مع إعراضه عن إخراج الحديث، واكتفائه بإخراج حديث جابر عن عمر (^١)﴾ الوارد في ابن الصّيّاد؛ سالكًا في ذلك مسْلك الترجيح (^٢) = إلاّ أنه مع ذا نطق بتصحيح حديث فاطمة بنت قيس ﵂؛ كما نقله عنه تلميذه الإمام الترمذي - ﵀ -؛ حيث قال: (سألتُ محمدًا عن هذا الحديث [يعني: حديث الجسّاسة] فقال: يرويه الزهري عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس.
قال محمد: وحديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس في الدجّال = هو حديث صحيح) (^٣).
فلم يحملْه - ﵀ - رجحان حديث جابر - ﵁ - عنده على الطعن في حديثنا هذا.
وعلى هذا؛ ينبغي النظر فيما ثوَّره الشيخ محمد رشيد رضا وغيرُه على متن الحديث من الاعتراضات العقلية، فيقال:
أما دعوى المعترضين: أنّ كُلًا من البحرين قد مَسَحَهُ البحّارة في هذه الأزمنة مسحًا الخ ما قالوا.
_________________
(١) أخرجه البخاري في: كتاب"الاعتصام"،باب"من رأى ترك النَّكير من النبي - ﷺ - حجَّة " (٩/ ١٠٩ - رقم [٧٣٥٥])،ومسلم في: كتاب"الفتن وأَشراط السَّاعة"،باب"ذكر ابن الصيَّاد" (٤/ ٢٢٤٣ - رقم [٢٩٢٩]).
(٢) انظر"فتح الباري" (١٣/ ٤٠١ - ط دار السلام) و"الأسئلة الفائقة بالأجوبة اللائقة" (٢٦) كلاهما للحافظ ابن حجر.
(٣) "العلل الكبير" (٢/ ٨٢٨).
[ ٤٦٦ ]
فالجواب عن ذلك يتحصّل بالنظر في أحد أمرين:
الأوّل: أن العلم الحديث مع بلوغه في الاتساع والتطوُّر شأوًا عظيمًا؛ إلاّ أنّه مع هذا الترقّي في العلوم ما زال الحس يقضي بقصور منجزاته عن الإحاطة بكل شيء. وما مَثَل هؤلاء البحّارة، وما حصلوه من أَسباب العلوم؛ إلا كمثل شخصٍ حلَّ في فِناءٍ قد أضاءَ له بعض أرجائه، وجرَّ الظلامُ أذيالَه على ما أكَنَّه الجانب المظلم من أصناف الموجودات التي حالت الظلمة دون اكتشافها في الجانب الآخر من هذا الفناء؛ فأخبر - لقصور مداركه - أنه لا يوجد شيءٌ ألبتّة سوى ما رأى. فهذا أخبر بما علم، وليس عدمُ علمه بما غُبِّي عليه بقاضٍ لأن ينفي ما لم يعلم؛ لأن عدم العِلم بالشيءِ لا يسْلِبُه حقيقة الوجوديّة؛ إن كان كذلك.
فقبول أحاديث المصطفى - ﷺ - ليس مرهونًا بتصحيح علوم البشر القاصرة لها؛ بل علوم البشر مرهونٌ قبولها بألاّ تخالف ما صحّ عن النبي - ﷺ -، ولا يُترك المقطوع بصحّته لأمرٍ تعتوره الظنون، وتحيط به من كل جانب.
والمتأمل في أحوال العلوم - مع تطوّرها نسبيًّا - يجدُ أنّها في طور المَهْد بالنسبة لما يخْفى علينا. وبرهان ذلك: ما نراه من اكتشافات للكهوف، ومعالم، وآثار كانت في حيّز المجهول عجزت التكنولوجيا من قبل عن اكتشافها؛ مع وقوع هذه المكتشفات في دائرة أراضي هؤلاء المكتشفين (^١). فلأن يخفى عليها ما هو خارجٌ عن أرضها أَوْلى.
وقد نشرت بعض الصحف خبرًا يتضمّن اكتشاف جزيرة مغمورة تحت البحر، وهذا نصّ الخبر:
_________________
(١) انظر"دفاع عن السنة (ص ٩٦) و"نهاية التاريخ"للعبدلي (ص ١٧٦).
[ ٤٦٧ ]
(تم اكتشاف جزيرة جديدة في الشواطئ السياحية الواقعة بمحافظة أبْيَن (^١) من قِبَل أحد صيّادي المحافظة. وتقع تلك الجزيرة التي اكتُشِفت مؤخَّرًا عن طريق الصدفة في المنطقة الواقعة إلى الشرق من مدينة أصور (^٢)، وأمام وادي البرك. وهي من أودية باكازم. وقد أُطلِق على تلك الجزيرة المغمورة تحت مياه البحر اسم: " جزيرة الحوت " نسبةً إلى مكتشفها، واسمه " الحوت "، وهو من ساكني مدينة أصور) (^٣).
فانظر؛ كيف قاد الله هذا الصيّاد لاكتشاف هذه الجزيرة، وأعمى عنها التكنولوجيا التي تتبجّح بأنها أحاطت بكل شيء خُبْرًا! ولا يظنّنّ عَجِلٌ أن الشرع يأمر المكلَّف بالإيمان بأمرٍ لا واقع له؛ فإن هذا مُنتَفٍ في تضاعيف الأدلة الشرعية، لكن الشرع يأمر امتحانًا وابتلاءً بالإيمان لواقع مُغيَّب غير مشهود. والمغالطة تنشأ حين يخلط بين البابين. هذا أمرٌ ..
وأمرٌ آخر؛ أن يقال: إن الربّ ﵎ إذا أراد شيئًا هيّأ أسبابه. فالله جلّ وعلا من حكمته أن أطلع تميمًا الداري - ﵁ -، ومَن معه على أمر الدجّال؛ ليكون ذلك توكيدًا لما كان يُحدِّث به النبي - ﷺ - أصحابه من شأن الدجّال،
فالذي قدر على إطلاع تميم - ﵁ - على هذه الجزيرة قادرٌ على أن يُضِلّ الناس عنها؛ ليجري قدرُه على وِفق ما قضى وأراد، لا معقّب لحكمه ﷾.
_________________
(١) "أَبْيَن: مخلاف باليمن، منه عدن. يقال: إنّه سُمّي بأبْين بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حميل بن سبأ". انظر:"معجم البلدان" (١/ ٨٦).
(٢) أصور: مخلاف باليمن. انظر:"معجم البلدان" (١/ ١١٨).
(٣) صحيفة"٢٦ سبتمبر"اليمنيَّة يوم الأحد ٢٧ يونيو حزيران ٢٠٠٤ م.
[ ٤٦٨ ]
الجواب عن المعارض الثاني:
أمّا ما اعترض به الشيخ أبو الأعلى المودودي، فدون النّاظر إنعام الفكر فيه: هل يصلح لأن يكون علة للقدح في الحديث، أو لا؟
وإنّي لأعجب من استرواح المودودي - عفا الله عنه - إلى هذه الشبهة المتهافتة، وارتكازه عليها. فليس في تأخُّر خروج المسيح الدجال إلى ساعتنا هذه ما يكون باعثًا للطعن في خبر النبي - ﷺ -. فليس بمثل هذه المعارضات تُبطل الأخبار. نعم؛ ينقدح الاستشكال، لا الإبطال: لو أنه جاء في الحديث تعيين وقت خروجه، ثمّ لم يخرج في الوقت المخبَر به = فحينئذ يتّجه النظر لحلّ هذا المشكل.
وبعد نقض هذين الاعتراضين، ينصرف الحديث إلى تعقُّب بعض ما جاء في كلام الشيخ محمد رشيد رضا في إبطال بعض ما تضمّنه كلامه - ﵀ - من الحيدة عن الصواب. يغني ذلك عن تعقُّب كلام محمود أبي رية؛ لأنه لا يخرج في كلامه عمّا قرّره محمد رشيد رضا.
فأمّا الشيخ محمد رشيد رضا؛ فإنّه جعل حكاية النبي - ﷺ - لما قصّه عليه تميم - ﵁ - لا يعدُّ تقريرًا لخبره، ولا تصديقًا لقوله. واعتضد - ﵀ - بما نقله الحافظ ابن حجر عن ابن دقيق العيد - رحمهما الله تعالى - في تحريره مسألة: ما لو أُخبِر بحضرة النبي - ﷺ - بأمرٍ ليس فيه حكم شرعي؛ هل يُعدّ سكوتُه من قبيل التقرير لما أخبر، أو لا؟ وقبل مناقشته - ﵀ - في قوله، وفيما اعتضد به؛ فإنّه يَحسن ابتداءً سوقُ كلام ابن دقيق العيد من مصدره، دون الاقتصار على ما نقله الحافظ ابن حجر، الذي نقله عنه الشيخ محمد رشيد رضا.
يقول ابن دقيق العيد - ﵀ -:
( الثالثة: في قاعدة التقرير والسكوت. ذكر في فن الأصول من ذلك: أن الرسول - ﷺ - إذا سُئل عن واقعةٍ، فسكت عن جوابها، فيدلّ
[ ٤٦٩ ]
ذلك على أنه لا حُكم لله تعالى فيها. فأمّا إنْ فُعل فِعْلٌ عنده، أو في عصره، وعَلِم به - قادرًا على الإنكار (^١) - فلم ينكره؛ فإن كان مُعتَقَدًا لكافرٍ؛ كالمصلّي إلى الكنيسة، فلا أثر للسكوت إجماعًا. وإلاّ دلّ على الجواز إن لم يسبق تحريم، وعلى النسخ إن سبق؛ لأنّ تقريره - مع تحريمه - ارتكاب محرَّم، وأيضًا فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، لإيهام الجواز والنسخ.
وقد تصدّى النظرُ، ورأى ذلك في صور:
رابعُها: أن يُخبَر بحضرته عن أمرٍ ليس بحكم شرعي، يحتمل أن يكون مطابقًا، ويحتمل أن لا يكون؛ فهل يكون سكوته دليلًا على مطابقته؟
مثاله: حلف عمر بحضرته - ﷺ - أنّ ابن صيّادٍ الدّجالُ، ولم ينكر عليه ذلك؛ فهل يدلّ ذلك على كونه هو أم لا؟ وفي ترجمة بعض أهل الحديث ما يُشعِر أنه ذهب إلى ذلك.
والأقرب عندي: أنه لا يدلّ؛ لأن مأخذ المسألة ومناطها - أعني: كون التقرير حجة - هو العصمة من التقرير على باطل، وذلك يتوقّف على تحقق البطلان، ولا يكفي فيه عدم تحقق الصحّة؛ إلاّ أن يدّعي مُدّعٍ أنّه يكفي في وجوب البيان عدم الصحّة؛ فيحتاج إلى بيان ذلك، وهو عاجزٌ عنه. نعم التقرير يدلّ على جواز اليمين على حَسَب الظنّ، وأنه لا يتوقف على العلم؛ لأن عمر - ﵁ - حلَف على حسب ظنّه، وأُقرَّ عليه) (^٢).
_________________
(١) هذا القيد الذي ذكره المؤلف اعتُرِض عليه بأنّ من خصائصه - ﷺ -: أنّ وجوب إنكاره المنكر لا يسقط عنه بالخوف على نفسه؛ لأنّ الله تعالى ضمن له النصر والظفر، بقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ [الحجر] ولأنه لو لم يُنكِره لكان يوهم أن ذلك جائز، وإلاّ لأمر بتركه انظر: حاشية محقّق الكتاب (١/ ٢١٥) و:"إرشاد الفحول" (١/ ١٨٤ - ١٨٥).
(٢) "شرح الإِلمام بأحاديث الأحكام" (١/ ٢٢١ - ٢٢٢).
[ ٤٧٠ ]
فالمتأمل في سياق ما حرّره الإمام ابن دقيق العيد - ﵀ - يجده لا يُسْعِف الشيخ محمد رشيد رضا فيما توخّاه من الاعتضاد؛ بل هو دالٌّ على نقيض مقصوده. وبيان ذلك: إن الشيخ محمد رشيد رضا - ﵀ - ساوى بين أمرين مختلفين = سكوتُه - ﷺ - عن حلف عمر - ﵁ - على أن ابن الصياد هو الدجّال، وبين تحديث النبي - ﷺ - بخبر تميم - ﵁ -.
والأمران مختلفان قطعًا لمن تأمّل هاتين الحادثتين، فقول الشيخ محمد رشيد رضا: " هل يجب أن تكون حكايته - ﷺ - لما حدَّث به تميم تصديقًا له؟ وفي معناه: إقراره - ﷺ - لعمر على حلفه بأن ابن الصيّاد هو الدجّال ) (^١) = قولٌ غير سديد؛ ذلك أن سكوته - ﷺ - هو لعدم تحقُّقه من بطلان ما حلف عليه عمر - ﵁ -، فلا يُعد هذا السكوت في هذه الحالة تقريرًا خصوصًا إذا علمت أَنّ من شرْط العمل بالتقرير: ألَّا يعارضه تصريحٌ يخالفه؛ كما هو بيّنٌ في تحديثه - ﷺ -. وأمّا تحديث النبي - ﷺ - بخبر تميم - ﵁ - فهو وإن كان تقريرًا إلَاّ أنّه في أعلى مراتبه؛ لكونه نُطْقٌ لا مجرّد سكوت، هذا النَّطقُ خْرج مخرج الرِّضا والموافقة لِمَا كان يُخبر به النبي - ﷺ - أصحابَه، بعد تجلِّي أمر ابن الصيّاد له ﵊ = فكيف يُجعل هذان الأمران المتباينان بمنزلة واحدة؟
ثم؛ إنّ عدّه لخبر تميم من قبيل الأخبار التي لا يتعلق بها مسائل شرعية = ليس بجيّد؛ لأنه إذا لم تكن أشراط السَّاعة منها؛ فما هي الأمور الشرعية إذنْ؟
وأمّا قوله - ﵀ -: (وهل كان [يعني: الرسول - ﷺ -] معصومًا من تصديق كلّ كاذبٍ في خبره، فيُعد تصديقه لحكاية تميم [- ﵁ -] دليلًا على صدقه فيها؟).
_________________
(١) "تفسير المنار" (٩/ ٤٩٥).
[ ٤٧١ ]
وقوله: (ثم إنّ رواية الرسول - ﷺ - له عن تميم الداري - إنْ سلم سندُها من العِلل -: هل تجعل الحديثَ مُلحقًا بما حدّث به النبي - ﷺ - من تلقاء نفسه، فيُجزم بصدق أصله؟ والظاهر لنا: أنّ هذا القياس لا محلّ له هنا. والنبي - ﷺ - ما كان يعلم الغيب؛ فهو كسائر البشر يحمل كلام الناس على الصدق ..). الخ ما سبق نقلُه.
فيقال: قد انطوى كلامُه - ﵀ - على مآخذ، منها::
أنّ انتفاء علم الغيب عن النبي - ﷺ - ليس مُطلَقًا؛ كما يظهر من كلام الشيخ وإن كان هذا خلاف مقصوده - قطعًا -؛ بل هو مقصور على ما لم يعلّمه الله جلّ وعلا. هذا أوَّلًا.
ثانيًا: أنّه لا يلزم من كونه - ﷺ - لا يعلم الغيب - إلاّ ما علّمه الله إيّاه - = أن يصدّق خبرَ كلّ أحدٍ؛ فإن هذا لا يليق بآحاد العقلاء من الناس؛ فضلًا عن أكمل الخلق - ﷺ -.
فـ (لم يكن - بأبي وأمي - مغفّلا، ولم يصدّق المنافقين؛ أي: يعتقد صِدْقهم، بل ولا ظنَّه، وإنما كان الأمر عنده على الاحتمال. ولهذا عاتبه الله ﷿ على الإذن لهم. وهذا واضح بحمد الله.
والعُرَنيون لم يتحقق منهم كذبٌ؛ فلعلّهم كانوا صادقين في إسلامهم، وإنما بدا لهم أن يرتدّوا لمّا وجدوا أنفسهم مُنْفردين بالإبل والراعي؛ بعيدًا عن المدينة.
وقصّة بئر معونة اختُلِف فيها؛ فلم يتحقّق فيها شاهدٌ على ما نحنُ فيه) (^١).
الثالث: على فرْض أنه - ﷺ - يحْمل كلام كلٍّ أحدٍ على الصدق = فإنّ ذلك لا يدوم؛ لنزول الوحي بتكذيب مَنْ كذبَ عليه في حديثه. وقد
_________________
(١) "الأنوار الكاشفة" (ص ٣٠).
[ ٤٧٢ ]
كان هذا معلومًا لدى صحابة رسول الله - ﷺ -؛ حتى قال كعب بن مالك - ﵁ - حين تخلّف عن تبوك: (والله، ما أنعم الله عليّ من نعمةٍ بعد إذْ هداني أعظَمَ من صِدقِي رسولَ الله - ﷺ -، أنْ لا أكون كَذَبْتُه فأهلَك؛ كما هلك الذين كذبوا حين أُنزِل الوحي: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ ..﴾ التوبة: ٩٥ (الآية (^١)
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب"التفسير"باب: سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم الآية (٦/ ٦٨ - ٦٩ - رقم [٤٦٧٣]).
[ ٤٧٣ ]