الجوابُ عن الاعتراضات التي اعترض بها المنكرون لهذا الحديث، وذلك في الأوجه التالية:
الوجه الأول: اعتراضهم بأنَّ الحديث مخالف للآية الواصفة لإبراهيم - ﵇ - أنه كان صديقًا المقتضيةِ لكثرة صدقة وانتفاء الكذب عنه في قوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)﴾ مريم.
والجواب عن ذلك: أَنَّ وقوعَ التعارض الظَّاهري بين دليلين صحيحين =لايلزم منه الفَزَع إلى ردِّهما، أَو إهدار أحدهما مع إمكان الجمع بينهما. هذا من جهة.
من جهة أُخرى؛ فإنَّ السُنَّة الصحيحة لا تُناقض أَبدًا ما دلَّ عليه القرآن، بل هي بيان له وبيان السنة للقرآن هو مراد الله تعالى ولا شكَّ، توضيحُ ذلك:
أَنَّ وَصْفَ إبراهيم - ﵇ - بأنَّه كان (صدِّيقًا) يقتضي كثرة صدقه - ﵇ -؛ لأنَّ الصدق من أبنية المبالغة عند أهل اللِّسان (^١)، والمقصود وصفه أنه كان بليغًا في الصدق، وهذه إخبار عن كثرة صدقه، ولا يقتضي ذلك امتناع وقوع ما أخبر به النبي - ﷺ - من الكذبات الثلاث، فإن ذلك يمتنع متى ما أخبرَ بكثرة كذبه، وحاشاه - ﵇ - من ذلك، ولذا قال النبي - ﷺ - (لم يكذب إلا ثلاث كذبات) ونفيه أولًا دليل على تحريه الصدق، والتزامه له، وأن وقوع تلك الكذبات الثلاث لا تخدش في كونه صديقًا
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٦٣٥)
[ ٢٨٩ ]
كما وصف الله تعالى، وشَاهد ذلك من العقل والحسِّ: بأنَّه لو عُرف عن إنسان كثرة قيامه لصلاة الليل كثرةً أصبحت صفةً له حتى نُعت بأنه "قوام" الدالة على كثرة قيامه = فإنَّ ذلك الوصف لا يُنفي عنه لتخلفه عن القيام في بعض الليالي، وكذلك مثلًا لفظ "الطيِّع" هو كثيرُ الطاعة مبالغة في "طائع" لا يقتضي لغةً، ولا عَقلًا أَن يكون مقتضى هذا الوصْفِ: الذي لا يعصي أبدًا، وكذا "الكذاب" هو كثير الكذب، وليس هو الذي لا يصدق (^١) .
وهذا معلوم لا ينكره أحدٌ، فكذلك وصفُ الله تعالى له ﵊ بـ"الصديقيَّةِ" لا ينتفي بسبب وقوع الكذب منه، -والذي تقدم من قبل بأنه ليس بكذبٍ محض -بل وصف الصديقية ما زال منطبقًا عليه لم يَزَلْ.
وأمَّا اعتراضهم بأن من أعظم صفات الرُّسل الصدق وعصمتهم من الكذب.
وصدور الكذب منهم -ولو مرة واحدة- يمنع من الوثوق بما أخبروا به، وسبب لتطرُّق التهمةِ إلى الشرائع كلها، فيبطل حينئذ الاحتجاج بها.
فيقال: لا ريب أنَّ من أعظم صفات الرُّسُلِ الصدقَ، وامتناع الكذب عليهم فيما يبلغونه عن الله تعالى.
وقد نقل الاتفاق على ذلك القاضي عياض فقال: (وكذلك اتفقوا على أن كلَّ ما كان طريقه البلاغ في القول فإنهم معصومون فيه على كل حال) . (^٢)
_________________
(١) انظر: "مشكلات الأحاديث النبوية" (١٣٢)
(٢) "إكمال المعلم"للقاضي عياض (٢/ ٨٤٩)
[ ٢٩٠ ]
لكن وقوع المعاريض، منهم غير ممتنع إذا كان لداعٍ استدعاهم لذلك في غير التبليغ.
ثم إنَّ في نص النبي - ﷺ - على انتفاء الكذب عن إبراهيم - ﵇ - إلَّا في تلك الكلمات =دليلًا بيِّنًا على امتناع وقوعها فيما بلَّغ - ﵇ -، وانحصارها في غير ذلك لتحقق المصلحة ورجحانها: من ذبٍّ عن عرض، وإبطال عبادة غير الله على وجه الحِجَاجِ والمُنَاظَرَةِ.
فإن قيل: ثبوت الكذب ولو مرة واحدة عنهم يطعن في عصمتهم في التبليغ والوحي.
فيقال: البراهين قد انتصبت على عصمتهم في التبليغ والوحي، ولا يطعن في عصمتهم ما ذُكر من شأن تلك الكذبات، إذ تبيَّن وجهها، فبرهان العصمة إذًا متحقق في الوجود، إلَاّ إذا كان المنكرون للحديث لا دليل عندهم على عصمتهم إلَاّ رد هذين الحديثين؛ فعندئذٍ لا مناص لهم إلَاّ أَن يتطلّبوا براهينها عند الأئمة المحققين؛ لئلَّا تنتقض معاقد الدِّين عندهم بسبب فوات تحصيلهم لهذه البراهين، ثمَّ إنَّ هذه الكذبات الواردة من باب الخطإ والنسيان المجوَّز وقوعهما في حقِّ الأنبياء ﵈ فهم قد ينسون، وقد يخطئون فيما اجتهدوا فيه دون إقرار من الله - ﷿ - على الخطأ (^١)، وما اعترضوا به من امتناع الكذب، ليس هو فيما سبيله التبليغ عن الله، فما كان جوابًا عن النسيان والاجتهاد = كان جوابًا عن هذين الحديثين سواء بسواء.
وأما دعواهم أن ما ورد عن إبراهيم - ﵇ - لا يدخل في حقيقة الكذب، ولا يطلق عليه كذلك.
_________________
(١) انظر: "إكمال المعلم"للقاضي عياض (٢/ ٨٤٩ - ٨٥٠) "الشفا" له أَيضًا (١٤٠)، و"مجموع الفتاوى" (٤/ ٣١٩) و"الموافقات"للشَّاطبي (٤/ ٣٣٥)، و"نظم الفرائد" للعلائي (١٧١)
[ ٢٩١ ]
فيقال: أولًا: تقديم قوله عن كلماته - ﵇ - أنها كذبٌ - كما ورد في حديث الشفاعة - أولى من تقديم قول غيره بلا ريب.
فإن قيل: إنَّ قوله كان على سبيل التواضع.
فيقال: يلزم من قولكم نِسبة الكذب إليه؛ إذ إنَّه أخبر بخلاف الواقع، والحامل لكم على ردِّ الحديث إِنَّما هو نَفْيُ الكذب عنه - ﵇ - فوقعتم فيما فررتم منه!!.
وقد تقدم أن دخول الكذب في كلماته من جهة إفهام السامع خلاف ما يقصد، وأما ذات مراده فصدق، وحق. والله تعالى أعلم.
* * *
[ ٢٩٢ ]