والجواب عما اعترض به الطاعنون على تلك الأَحاديث، بأن يقال:
أولًا: أمّا دعواهم: بأن القول بنزول عيسى - ﵍ - متّبعًا - هروبًا من الوقوع في مصادمة دلائل ختم النبوة - لا مُشرعًا = يُلْزِم القائلين به الوقوعَ في التناقض؛ لأنّ مَن كان متّبعًا لا يأمر الناس أن يؤمنوا به، ثم يجعل عقوبة من امتنع من ذلك القتل!
هذا حصيلة ما اعترض به المعترض، وقد تقدم سوق كلامه بحروفه.
والجواب عن ذلك: أنّ من أُصول النّظر في الدَّلائل الشرعية: النّظرَ إليها «كالصورة الواحدة؛ بحَسَبِ ما ثبت من كُليّاتِها، وجزئياتها المرتبة عليها، وعامِّها المُرتب على خاصها، ومُطْلَقِها المحمول على مُقيِّدها، ومُجْمَلها المفسَّر بمبينها. إلى ما سوى ذلك من مَنَاحيها. فإذا حَصَل للنَّاظر مِن جُمْلتها حُكْمٌ من الأحكام = فذلك هو الذي نطقت به حين اسْتُنْطِقَت» (^١).
وبمقتضى هذه الأُصول فَهِمَ السلفُ أَحاديث نزول عيسى - ﵍ - في ضوء فهمهم للأحاديث الدالة على ختم النبوة، ولم يكن القولُ بأن المسيح - ﵍ - ينزل تابعًا لشريعة النبي - ﷺ - = مِن عندياتهم، بل هو حاصل النظر في جُمْلة الأَخبار الواردة في ذلك. فأَخبار المصطفى - ﷺ - لا تتناقض؛ لأنها حق وصدق: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ يونس: ٣٢.
وعلى هذا؛ فالذي يتقرر هنا أمور:
_________________
(١) "الاعتصام" (٢/ ٥٠).
[ ٥٠٠ ]
الأوّل: أَن القول بنزول عيسى - ﵍ - متبعًا لا مشرعًا؛ ليس من محض اختراع من أَصحاب الروايات - كما افتراه بو هندي في زَعَمَاتِهِ ـ، بل هو مقتضى ما دلت عليه النصوص. وبرهان ذلك قول النبي - ﷺ - كما في حديث أبي هريرة: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم. وإمامكم منكم؟) (^١) .
ورَفْضُ عيسى - ﵍ - التقدُّم للإمامة، وقبولُه أن يكون مقتديًا برجل من هذه الأمة = فيه اجتثاثٌ لإشكالٍ يمكن أَن يقع في النفس؛ من كونه نزل مبتدئًا شرعًا لا متبعًا.
الأَمر الثاني: أَنَّ معنى كونه - ﵍ - متبعًا، لا ينزع عنه سِمَةَ النبوة.
فإن قيل: يُشْكِلُ عليه قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ الأحزاب: ٤٠ وقوله ﵊ (لا نبي بعدي) (^٢) .
فالجواب: إنما يصح التناقض إذا كان المدلول المراد نفيه في هذه الدلالة هو ذاتُه المُثبت في الأَحاديث الدالة على نزول عيسى - ﵍ - في آخر الزمان؛ ولكن عند اختلاف المدلولين فلا تناقض.
بيان ذلك: أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وبقوله - ﷺ -: (لا نبيَّ بعدي) - والله أعلم ـ: امتناع حدوث وصف النُّبوة في أحد من الخلق بعد النبي محمد - ﷺ - ينسخُ بشريعته شريعةَ نبينا - ﷺ -؛ لقيام القَواطِع امتناع ذلك. وعيسى - ﵇ - لم يحدث له هذا الوصف، لأنّه لم يزل مُتصفًا به منذ أن تحلّى به، ولم يسلب منه برفعه إلى السماء. يقول الإمام الآلوسي - ﵀ -: (والمراد بكونه -﵊- خاتمهم: انقطاع
_________________
(١) تقدم تخريجه
(٢) جزء من حديث أخرجه البخاري في:"كتاب الأنبياء"باب"ما ذكر عن بني إسرائيل" (٤/ ١٦٩ - رقم [٣٤٥٥])،ومسلم في: كتاب"الإمارة"باب"وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء، الأول فالأول" (٣/ ١٤٧١ - رقم [١٨٤٢]) .
[ ٥٠١ ]
حدوث وصف النبوة في أحد من الثقلين بعد تحليه -﵊- بها في هذه النشأة.
ولا يقدح في ذلك ما أجمعت الأمة عليه واشتهرت فيه الأخبار، ولعلها بلغت مبلغ التواتر المعنوي، ونطق به الكتاب على قول، ووجب الإيمان به، وأكفر منكره؛ كالفلاسفة من نزول عيسى - ﵇ - آخر الزمان؛ لأنه كان نبيا قبل تحلِّي نبينا -صلى الله تعالى عليه وسلم- بالنبوة في هذه النشأة ثم أنه - ﵇ - حين نزوله باقٍ على نبوته السابقة لم يعزل عنها. قال: لكنه لا يتعبد بها لنسخها في حقه وحق غيره، وتكليفه بأحكام هذه الشريعة أصلًا وفرعًا. فلا يكون إليه - ﵇ - وحي ولا نصب أحكام بل يكون خليفة لرسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- وحاكما من حكام ملته) . (^١)
وعلى هذا؛ فقول (بو هندي) أنّ «أَصحاب الروايات يدّعون أن المسيح عندما يجيء في آخر الزمان لن يكون نبيًا» لم يُسمّ قائلَه.، والأدلة لا تسعفه. وإلا فيبقى الشَّكُّ في تقوُّل هذا المدعي.
الأمر الثالث: زَعْمه أن الروايات تقول: من لم يؤمن به - أي بعيسى - ﵍ - - يُقْتَلْ إلخ.
الجواب أن يقال:
أين في الروايات الصحيحة ما يفيد أن عيسى - ﵍ - يقتل الناس حتى يؤمنوا به؟! بل قتالُه للكفرة من أهل الكتاب وغيرهم؛ لتكون الدعوى واحدة، وهي دعوى الإسلام. فعيسى - ﵍ - إِنما يدعو إلى دين الإسلام، لا إلى ذاته.
وقد دل على ذلك ما رواه أَبو هريرة - ﵁ - مرفوعًا: (ليس بيني
_________________
(١) "روح المعاني" (٢٢/ ٣٤) .
[ ٥٠٢ ]
وبينه نبي -يعني عيسى ﵇وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحُمرة والبياض، بين ممصّرتين، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب، ويَقْتُل الخنزيرَ، ويضع الجزية، ويُهلكُ الله في زَمَانِهِ المِلَل كُلَّها إلَاّ الإسلام ) (^١) الحديث.
فقوله - ﷺ -: (فيقاتل الناسَ على الإسلام) صَريحٌ في نقض دعوى المعترض.
جواب الاعتراض الثاني؛ وهو:
دعوى المعترض: أن عيسى - ﵍ - لو كان ينزل في آخر الزمان متبعًا لمحمد - ﷺ - فعليه أن لا يغير في شريعته شيئًا .. الخ
فيقال: قد سبق الكشف عن معنى قول النبي - ﷺ -: (لا نبي بعدي) وأمَّا وضْعُ الجزية، ودق الصليب الخ .. في زمن وجود عيسى - ﵍ - في آخر الزمان؛ مع كون المقرّر في الشرع أخْذ الجزية، وتخيير أهل الكتاب بين أدائها وبقائهم على دينهم، وبين القتال = فليس ذلك على معنى الإنشاء والنسخ للشريعة المحمدية؛ ابتداءً لتشريع آخر من قبل المسيح - ﵍ - - كما توهَّمه المعترض ـ
وإنما المقصود: أن مشروعية أخذ الجزية، وتخيير أَهل الذمة بين الإيمان، وبين أداء الجزية أو القتال = كلُّ ذلك على التأقيت. أَي أنَّها مُقيَّدةٌ بزمنٍ، هذا الزَّمَنُ هو زمنُ ما قبل نزول عيسى - ﵍ -. والتقييد جاء من قِبَل النبي - ﷺ - - كما دلت عليه هذه الأحاديث؛ لا من قِبَل عيسى - ﵍ -. فلن يقع من عيسى - ﵍ - نَسْخٌ، ولا تغييرٌ ولا تبديل في شريعة الإسلام.
_________________
(١) أخرجه أحمد في"مسنده" (٣/ ١٢٥)، وأبو داوود في"السنن"كتاب"الملاحم"،باب"خروج الدجال" (٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤ - رقم [٤٣٢٤]) وصحح إسنادَه الحافظُ ابن حجر في"الفتح" (٦/ ٦٠٢) .
[ ٥٠٣ ]
وفي تقرير هذه الحقيقة، يقول الإمام النووي - - ﵀ - ـ: «ومعنى وضع عيسى الجزية؛ مع أنها مشروعة في هذه الشريعة = أَنّ مشروعيّتها مقيدة بنزول عيسى؛ لما دَلّ عليه هذا الخبر. وليس عيسى بناسخٍ لحكم الجزية، بل نبينا - ﷺ -، وهو المُبيّن للنّسخ بقوله هذا» (^١) .
وأَما الجواب عن الاعتراض الثالث، وهو:
قول المعترض: كيف يملأ المسيح الدُّنيا عدلًا بعد أن ملئت جورًا؟ إلخ ..
فيقال: ليس ذلك بمنكور في بَدَائِهِ العقول. وفي التأريخِ ما يشهد لهذه الحقيقة، ويؤيدها. فإن النبيّ - ﷺ - وخلفاءَه من بعْده قد خَطّوا خُطّة العَدْل، وحرّروا البلاد والعباد من رق العبودية للخلق إلى العبودية لرب الخلق وخالقهم. فما الذي يَمْنع نبي الله عيسى - ﵍ - أن يملأَها - أي الدنيا - عدْلًا من بعد ما مُلِئَتْ جورًا؟! فالله تعالى قادرٌ على تمكينه من ذلك. وبراهين الشرع، والحس، والعقل دالة على صحة ذلك.
بقي أَنْ يُنظر في تلك الدّعاوى التي انطوت في أقوال الطاعنين المساقة سالفًا.
فأَمّا دعوى الشيخ " محمد عبده " والشيخ " محمد شلتوت ": بأن أحاديث نزول عيسى - ﵍ - أحاديث آحاد، لا يُرْكن إلى مثلها في تقرير العقائد = فقولٌ خَشِيبٌ؛ لأَنه على فرض كون تلك الأحاديث آحاد، فإن خبر الآحاد متى صحّ فهوحُجّةٌ في العقائد والأَحكام، يَجِبُ المصير إليه. وهذا ما انعقد عليه إجماع أهل السُّنة.
فإن قيل: قد ذكرتَ آنفًا أن هذا التقرير لحجيّة أخبار الآحاد
_________________
(١) "شرح صحيح مسلم" (٢/ ١٩٠) .
[ ٥٠٤ ]
عمومًا، وحجّيّة الأَحاديث الدالة على نزول عيسى - ﵍ - على جهة التعيين؛ هو على جهة الفَرْض. فإن كان هذا التقرير على جهة الفَرْض، فلم يبقَ إلَاّ أن تكون أَحاديث نزوله - ﵍ - بلغت مبلغ التواتر. وهذا ما رددته سابقًا، وهذا عين التناقض!
والجواب: أَنّ أَحاديث النزول؛ وإن كانت لا تدخل في حَدِّ التواتر اللفظي المشار سَلَفًا عن نُدْرتِه، أو تعسُّرِ الظَّفَر به = إلَاّ أنها - بيقينٍ قد استفاضت وتواترت تواترًا معنويًّا. وهذا ما سبق أنْ سِيقتَ أَقوال الأَئمة في بيانه، في أَوائل المبحث. فلا تناقض حينئذٍ.
وبذا؛ يتبين خطأ الشيخ "محمد عبده" ومَن جَرَى في مَهْيَعِه في ردّهم لهذه الأحاديث بكونها خبر آحاد = على كلا الاعتبارين.
وأَما تأويل نزوله - ﵍ - وحكمه في الأرضِ؛ بغَلَبة روحه، وسِرّ رسالته على الناس إلخ .. = فتأويلٌ بَاردٌ، وتحكيمٌ للتلاعُب والعبث في تفسير الأدلة.
وبيان ذلك في الوجوه التالية:
الأوّل: أَن هذا التأويل مُعرّىً عما يعضده من الأدلة التي تشهد له.
الثاني: أنه يرجع على ما تضمنته الأحاديث من معاني بالبطلان. ذلك أنه لو صَحَّ هذا التأويل لكانت الأَحاديث حينئذٍ مبشرة بانتشار روح المسيح، وذيوع تعاليمها. وهذا المعنى الفاسد هو نقيض ما صرّحت به أَحاديث النزول؛ من أن عيسى - ﵍ - لا يقبل إلاّ الإسلام، وأنه يُهْلِك المِلَل كلَّها إلَاّ الإسلام.
الثالث: أَنَّ تأويل نزوله - ﵍ - وحكمه في الأرض؛ بما غلب في تعليمه من الأمر بالرحمة، والمحبة، والسِّلْم = باطلٌ. لأنه يوهم أن الشريعة المحمدية غُفْلٌ عن ذلك. وهذه الأمور - الرّحمة، والمحبّة، -
[ ٥٠٥ ]
مُقرَّرةٌ في الشريعة بضوابطها المتضمنة للحكمة والعدل، جاء الأَمر بها، وتوطيدها. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ الأنبياء: ١٠٧
وقد قال - ﷺ -: (لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حتى تُؤْمِنُوا، ولا تُؤْمِنُوا حتى تَحَابُّوا. أَوَلَا أَدُلُّكُمْ على شَيْءٍ إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ) (^١).
وأمرَ اللهُ عبادَه بالدخول في الإسلام فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ البقرة: ٢٠٨
الرابع: أن دعوى جمود اليهود على ظواهر ألفاظ التوراة دعوى ينقضها البرهان؛ بل من المعلوم شرعًا: أن اليهود عُرفوا بالتحايُل على أَلفاظ التوراة، والتنصُّل من أَحكامها. وقد أخبر الله بذلك في كتابه، قال جل وعلا: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ المائدة: ١٣
الخامس: أن الأَحاديث تضافرت أن المسيحَ - ﵍ - يقتُل مسيح الضلالة. وروحُ عيسى - ﵍ - وسِرُّ رسالته ليس فيها قتلٌ، ولا قتال.
السادس: أَنه لو صَحَّ هذا التأويل؛ لما امتنع طَرْدُه في بقية الأشراط، بل في بقية الأَخبار التي تضمنتها نصوص الكتاب والسُّنة.
وبمثل هذا التأويل فتحَ الشيخ " محمد عبده " الباب على مِصْراعَيه لمن جاء بعده من الباطنيين الجُدُدِ ليجروا بدلالات الأدلة في أودية العبثيَّة المُغْرِقة في الضَلَال؛ التي دارت في فَلَكٍ مُباينٍ لِمَا يدل عليه النظمُ من
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب"الإيمان"باب"بيان لا يدخل الجنة إلا المؤمنون" (١/ ٧٤ - رقم [٩٣]).
[ ٥٠٦ ]
جهة المواضعة ومن جهة قصد المتكلِّم بدعوى: «حُريّة التعدديّة القرائية»، أو «التعددية الدلاليّة»! فلم يعد التأويل مقصورًا على ما يدعى أنّه مخالفٌ لمقتضى الدلالة العقلية فقط، بل أَصبح ضرورةً عند هؤلاء الباطنيين في كُلِّ نصٍ سواء وجدت المعارضة المُدَّعاة أم لم توجد، حتى قال أحدُ دعاة هذه المدرسة الباطنية المُحْدَثة: «النصُّ المقدَّسُ ما إنِ انتقل من فضائه الإلهي إلى الفضاء الإنساني، حتَّى أَخذ يعيش حالةً من التشظيِّ الدَّلالي المُعْنمي عبْر البشر الفرادى، والمجتمعين المتشظِّين؛ وفق مواقعهم المتجمعيَّة - فئات، وشرائح، وطبقات، ونقابات، وشعوب، وأمم .. إلخ -، والمعرفية - المستوى العلمي الطبيعي، والاجتماعي، والإنساني -، إضافةً إلى الأيديولوجيَّة - السياسية، والدِّينية، والأَخلاقية، والجمالية إلخ - والإثنيَّة - الانتماء الأَقوامي العرقي.
والحقَّ؛ إِنه ليس في ذلك غرابة؛ بل الغرابة ألَاّ يتمّ الأَمرُ وفق ذلك.
فالتَّعددية البشرية هي من طبائع الأمور. إذْ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ هود: ١١٨ ومن هناك كان الوهم والاعتقاد بأنَّ خطابًا «دينيًا أو أدبيًّا، أو اجتماعيًا .. إلخ؛ يلقى أصداءً متماثلة لدى مجموعات بشرية متمايزة على النحو المحدد آنفًا» (^١).
فالتأويل عند أَذناب هذه النِّحلة: «ضرورةٌ للنَّصِ، ولا يوجد نَصٌ إلاّ ويمكن تأويلُه؛ من أَجل إيجاد الواقع الخاص به حتى النُّصوص الجليّة الواضحة التي لا تحتاج في فهمها إلى التَأويل حتى هذه النصوص؛ لفهمها حدسًا تحتاج إلى مضمون معاصر، يكون أَساس الحدس» (^٢).
_________________
(١) "الإسلام والعصر"الدكتور طيب تزبيني (١١١).
(٢) "من العقيدة إلى الثورة" حسن حنفي (١/ ٣٩٨).
[ ٥٠٧ ]
ولا ريب أَنّ مَنْ طَرقَ جانب التأويل في أي باب من أبواب الشرع دون قرينة شرعيّة توجب ذلك = فإنه يلزمه أَنْ يطرد هذا التأويل في أَبواب الشريعة كلِّها؛ شاء، أم أَبى. ولا خَلَاص للشيخ محمد عبده وأَتباعه ممن بقي فيهم أَصلُ التسليم والتعظيم للأدلة الشرعيّة =من ورطة هذا اللازم إلاّ بالرجوع إلى هَدْيِ السّلف في تعظيم النص الشرعي، وفهمِه وفق ما فَهِمه الرعيل الأوَّل، وفْق أُصول الدلالات التي وظّفوها في فهم النصوص.
وأَمّا من رَدّ هذه الأَحاديث بزعم أَنّها نَتَاج عُقْدة الانتظار، التي نَبَعَتْ في أول أمرها - أي: هذه العقدة - عند اليهود، ثم انتقلت إلى النصارى، ثم تَسَرَّبت إلى المسلمين = فخطأ؛ لأَنّ هذه الأَحاديث قد تحقَّق أهل الصنعة - وهم المحدِّثون - من كون أَسانيدها متصلة إلى قائلها؛ وهو رسول الله - ﷺ -. فلا يمكن - عقلًا وشرعًا - أن يُطْبِق المسلمون على نسبة هذه الأحاديث إلى رسول الله - ﷺ -، ثم يكون حقيقة الحال أَنها مجرد أَثَر سلبي لواقعٍ يعايشه المسلمون. ثم إن هذه الأحاديث قد كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يَبُثّونها في الأمة؛ مع كون عصرهم عصر انتصاراتٍ، وعزٍّ، وتمكين. وكذا عصر التابعين، ومَن بَعدَهُم. فأي انحطاط كان يعيشه هؤلاء السادة القادة؟!.
وأما وقوع الاتفاق بين أهل الإسلام وبين أَهل الكتاب في قضيَّة عقدية كهذه فأمرٌ لا يُستغرَب؛ فإن هذا من بقايا إرث الأَنبياء. ولكن يبقى أن هذا الموروث عند أَهل الكتاب مُرْتهَنٌ بتصحيح الدين المهيمن على كل كتاب ودين سبقه؛ فإنّه الدِّين المحفوظ إلى قيام السَّاعة، وكتابَه الكتابُ الناسخ لكل الكتب، والمهيمن عليها.
[ ٥٠٨ ]
قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ المائدة: ٤٨.
[ ٥٠٩ ]