أحْمَدُه -جَلَّ ذِكْرُه - بجميع محامِدِه، وأُثْني عليه بتواتُر فواضله ونِعَمه، وأَستهديه سبيل الصواب في القول والعَمَلِ بمننِهِ، وأُصلي على خير خلقه وأكْرم رُسله - ﷺ -، وعلى أَصحابه وأهل بيته.
ثم أمَّا بعدُ:
فإِنّ من حِكْمةِ الله تعالى، وجَسيمِ لُطفْهِ ورحمته بعباده: أنْ ابْتعثَ إِليهم خيَر خَلْقهِ، وخاتَم رُسُلِهِ محمّدًا -صلوات ربي وسلامه عليه-، وجعله محْفوفًا ببرهان الوحي المُشتمل على هداية البشريَّة من لُجَج الظُّنون، ونورًا للبريّةِ من مُدْلَهِمَّات الشُّبهات وغَسَق الفُتون، وافترضَ على العباد اتّباع وحْيِهِ كتابًا وحِكْمةً، وأَناط الفوزَ والسعادةَ الأبدية للمتمسكين به، الصَّادرين عنه، المُدِيرين عليه أَقوالَهم وأَعمالَهم = فكان أَسعدَ الخلقِ بهذا النُّورِ، وأَحقَّ النّاس به، وأَعلاهم به عينًا، وأَشدَّهم تعظيمًا واتباعًا له = أَهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ؛ لانطواء ضَمَائرِهِم على يقينٍ كُلّيٍّ بِصدْق ضرورتين فطريتين:
الضرورةِ الأُولى: قيامُ التلازُم بين نور الوحي وبين بَصَر العقل، وتعذُّر الانتفاع بأَحدهما دون الآخر. فنورُ الوحي بلا بصرِ العقل لا تتحصّل الاستفادةُ منه؛ إذْ بالعقل عُلِم صِدقُ الوحي، وأنّه من لَدُن حكيمٍ عليم، وبَصَرُ العقل بلا نورِ الوحي قضاءٌ على العقل بالضياع في مَنَادِح الأَهواء، ومَسَارِب العَمَايةِ.
الضرورة الأخرى: أَنَّ جرَيَان التناقُض بين وحيه تعالى المشمول
[ ١٣ ]
بالإِرادة الأَمرية الشرعيّة، وبين العقل الذي تنتظمه إرادَةُ الربّ الخَلقيّة التكوينيّة = ممتنعٌ. ومَجْلى هذا الامتناع: أَنّ كِلَيهما - أعني: الوحي، والعقل - من عند الله. فالأوّل: أمره، والثّاني: خَلْقُه؛ ولا تعارُضَ بين خَلْقه، وأمره ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ الأعراف: ٥٤.
فهاتان ضرورتان برهانيّتان ينقشع بهما عِثْيَرُ مُناقضة البراهين، ومدافعة الدلائل؛ بافتراعِ خُصومةٍ مُلدَّةٍ بين الدّلائل الشرعية - نَقْلِيِّها، وعَقْلِيِّهِا. يتولَّى كِبْرَ الخصومة، ويتقحّمُ جراثيمَ هذه المُشاقّةِ طوائفُ في القديمِ الحديثِ، اجْتَوت المنهلَ الرِّساليَّ الصَّافي؛ بادّعاءِ التعارُض، وسَوْق أَوقارِ الشُّبُهات في سُوقِ النّكاية بالنُّصوصِ الشَّرعيَّةِ. نَظَرتْ كل فِرقةٍ منها إِلى تلك الدَّلائل نظْرةً مبتَسرةً، تختزلُها في رؤيةٍ واحديةٍ تتّسقُ مع أَصْلِها البِدْعيّ الذي نصّبَتْهُ مركزًا تقْضي به على ما عداه.
فالمدارسُ الكلاميةُ استولدت هذا النزاع، لينتهي أَمرُه إلى نَصْب العقل الكلامي أَصلًا يُقضَى به على النَّقل؛ طَلبًا لتنزيهِ النَّقل - في اعتقادهم - عن مناقضة العقل. فكانوا كمن نقض رُكنًا في بيته ليرِمَّ صدْعًا في رُكنٍ آخرَ.
ولئن كانت هذه المدارس أطلقت أوّلية العقل عند التعارض، فإِنّ طوائفَ أُخر ألغت هذا القَيدَ؛ لتبلُغَ بهذه الخصومةِ إِلى أَقصى درجاتِها. فأطْلقت العقل في مَسَارِحَ تنبو عن مدركه، ليعود حسيرًا مَسْلوبًا، وجرت بدلالات النَّص الشرعي في مهامِهِ التحريفِ والتفريغِ من مضامينه الحقَّة التي رامها المتكلمُ بها. مُسلِّطة عليه مَنَاهجَ استشراقِيَّة كَفَرتْ بالوحي، فتعاملت مع النَّص الشرعي بحسبانه ظاهرةً مادّيةً خالصةً؛ مُتعامِيةً عن حقيقة مصدره الإلهي، وأنّه وحْيٌ معصوم، متجاوِزٌ، لا يتطرّق إليه باطل = فأزهقوا العقل، وأَبطلوا النقلَ، وآلت الحالُ إِلى عبثيَّةٍ مُمَزِّقةٍ، وعدميّة مُهلكةٍ؛ لا خلاصَ منهما إلا بمنهج يأبى الخصومة، ويكشِف عن
[ ١٤ ]
الاتِّساق بين الدلائل الشرعية. ولا يتحقق ذلكَ إلا بلزوم سابلة المنهج السلفي المعصوم.
وإن من واجب الوقت، وحق الدّيانة= النُّهودَ إلى مُراغَمَةِ هذه الأَهواءِ المُضَلِّلةِ، والفِتن المتماحلةِ؛ بِنُصرةِ السُّنن، وذلك بدفْعِ ما يعارضُها مِنْ شُبَهِ المعقولات، وإِزهاقِ ما يناقضها من أَغاليط السفسطات.
وما هذا المرقوم إلَاّ تَأخٍّ لهذا المقصد، لِيكون لَبِنةً متواضعةً من لبنات النّزَال مع الباطل، وحلقة تَتّصِلُ أَسبابُها بأسباب تلك الصحائف المباركة، التي خَطَّها أَئمَّةُ أهل السُّنَّة؛ باستحياءِ مناهجهم، وتوظيفِ كُلّيات طرائقِهم. وقد وُسِمَ بـ "دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد " دراسةٌ لما في الصحيحين.