والمشاركة في الهدي الظاهر توجب أيضًا مناسبةً وائتلافًا وإن بعد المكان والزمان فهذا أيضًا أمر محسوس.
قال والمشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة انتهى.
وما ذكره رحمه الله تعالى من نتائج التشبه بأعداء الله تعالى وثمراته السيئة فكله واقع في زماننا ولاسيما مواصلة أعداء الله تعالى ومؤاخاتهم وموالاتهم وموادتهم ومحبتهم والاختلاط التام بهم في بعض الأقطار بحيث قد ارتفع فيها التمييز ظاهرًا بين المسلم والكافر فلا يعرف هذا من هذا إلا من كان يعرفهم بأعيانهم.
وقد قادت هذه الموافقة والمشابهة بعض الناس إلى النفاق وبعضهم إلى الردة والخروج من دين الإسلام عياذًا بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه.
(فصلٌ)
إذا علم ما ذكرنا فمن أقبح المشابهة ما ابتلي به كثير من المسلمين من التشبه بالمجوس وطوائف الإفرنج في التمثيل بشعر الوجه، وهم بذلك على طرائق شتى:
فمنهم من يحلق لحيته كلها ذقنها وعارضيها ومنهم من ينتفها نتفًا، ومنهم من يحلق العارضين ويقص من الذقن حتى
[ ١٧ ]
لا يبقى منه إلا القليل، وكثير منهم يبالغون في قص الذقن حتى لا يبقى فيه إلا أصول الشعر، وبعضهم يحلق لحيته وشاربه ويترك من الشارب نقطة أو نقطتين تحت الأنف ومن اللحية نقطة في العنفقة والذقن، وكثير منهم يحلقون لحاهم ويعفون شواربهم.
وكل من هذه الأفعال مثلة قبيحة، وقد روى الطبراني عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «من مثل بالشعر فليس له عند الله خلاق».
قال الهروي والزمخشري وغيرهما من أهل اللغة مثل بالشعر صيره مثلة بأن حلقه من الخدود أو نتفه أو غيَّره بالسواد وكذا قال ابن الأثير وابن منظور في لسان العرب.
وقد عظمت بالبلوى بالتمثيل بالشعر في زماننا وزين الشيطان ذلك لكثير من المنتسبين إلى العلم من معلمين ومتعلمين فأجابوا دعوة عدو الله وامتثلوا أمره وعصوا الله ورسوله ﷺ على بصيرة.
قال الله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال تعالى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]،
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «خالفوا المشركين وفروا اللحى واحفوا الشوارب» وفي لفظ «انهكوا الشوارب واعفوا اللحى».
[ ١٨ ]