(فصلٌ)
ومما ينبغي التنبيه عليه والنهي عنه ما يفعله بعض السفهاء من المعلمين والمتعلمين في بعض محافلهم التي هي محافل السخف والرعونة في الحقيقة وذلك أنهم يأخذون قطعة من جلد ضأن أو معز عليها صوفها فيضعونها على ذقن بعض الصبيان الصغار كأنها لحية ثم يخرجونه على محفلهم ذلك ليضحك الحاضرون منه. وهذا الصنيع منكر من وجوه.
أحدها أن إقامة التمثيلات لم يكن من هدي رسول الله صلى الله عليه سلم ولا من هدي أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين ولا من عمل التابعين وتابعيهم بإحسان وإنما حدث ذلك في زماننا. وقد حث رسول الله ﷺ أمته على التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده وحذرهم من محدثات الأمور وأخبرهم أن كل بدعة ضلالة.
الثاني أن إقامة التمثيلات من التقاليد الإفرنجية وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال من تشبه بقوم فهو منهم رواه الإمام وأبو داود وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄. وجاء عنه ﷺ أنه قال ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
[ ٨١ ]
وجاء عنه ﷺ أنه قال ليس منا من عمل سنة غيرنا رواه الطبراني من حديث ابن عباس ﵄. وأصل إقامة التمثيلات مأخوذ مما يفعله النصارى في عيد الشعانين فإنهم يخرجون فيه بورق الزيتون ونحوه ويزعمون أن ذلك مشابهة لما جرى للمسيح حين دخل إلى بيت المقدس راكبًا أتانًا مع جحشها فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فثار عليه غوغاء الناس وكان اليهود قد وكلوا قومًا معهم عصي يضربونه بها فأورقت تلك العصي وسجد أولئك الغوغاء للمسيح. فعيد الشعانين مشابهة لذلك الأمر.
ذكر هذا شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى الثالث أن في إقامة التمثيل باللحية مضاهاة بخلق الله تعالى وقد قال النبي ﷺ «أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله» رواه الإمام أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه من حديث عائشة ﵂.
وفي رواية لمسلم والنسائي أن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله. وفي الصحيحين ومسند الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يقول الله ﷿ (ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي فليخلقوا ذرة أو فليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة)».
الرابع أن في إقامة التمثيل باللحية نوعًا من الاستهزاء بخصلة من خصال الفطرة. وفاعل هذا يخشى عليه أن يمرق من
[ ٨٢ ]
دين الإسلام وهو لا يشعر قال الله تعالى ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]. وقد تقدم ذكر الإجماع على تكفير من سخر بأمر من أوامر الله تعالى أو استهزأ بشيء من أفعال الرسول ﷺ أو ألحق به نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه أو فعله أو عرض بذلك. ولا يخفى على عاقل ما يشتمل عليه إقامة التمثيل باللحية من السخرية بأمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ بإعفاء اللحى ومن الاستهزاء بفعل رسول الله ﷺ وهديه في إعفاء لحيته. وإن لم يكن الاستهزاء صريحًا في إقامة التمثيل باللحية والضحك منها فالتعريض بذلك حاصل ولا بد. فالواجب على ولاة أمور المسلمين منع السفهاء من هذا المنكر الوخيم وغيره من المنكرات والأخذ على أيديهم وتأديب المعاندين منهم.
[ ٨٣ ]