باللحى يمثلون بلحاهم. ورأينا كثيرًا من تلاميذ المتهاونين بالصلاة يتهاونون بالصلاة. ورأينا كثيرًا من تلاميذ شاربي الدخان الخبيث منهمكين في شربه. ورأينا كثيرًا من تلاميذ العاكفين على اللهو واللعب واستماع الغناء وآلات اللهو يحذون حذو أساتذتهم في هذه الأفعال الذميمة. إلى غير ذلك من الأفعال السيئة التي رأينا كثيرًا من التلاميذ يتبعون أساتذتهم عليها. وربما صرح بعض العصاة بالتقليد لمشايخهم في فعل المعاصي كما تقدم عن المدرس المستجلب من مكان بعيد للتعليم في الجزيرة العربية أنه احتج على تمثيله بلحيته بأن كبير المفتين عندهم يفعل نحو ذلك.
وحدثني بعض أهل العلم أنه جلس إلى جنب رجل من أهل غزة في المسجد الحرام وكان قد أعفى لحيته قال فقلت له إنه ليعجبني فعلك لأني رأيت كثيرًا من أهل بلدك لا يعفون لحاهم فقال إنهم يقتدون في ذلك بعلمائهم أو كما قال. قلت وأقاويل العصاة في الاحتجاج بعلماء السوء كثيرة فلا نطيل ذكرها.
ولهذا قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى لو صلح القراء لصلح الناس. وقال أيضًا نعوذ بالله من فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون. وقال أيضًا كان يقال احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون رواه أبو نعيم في الحلية.
وقد روي عن سفيان بن عيينة مثل ذلك. وقال الشعبي
[ ١٠١ ]
رحمه الله تعالى اتقوا الفاجر من العلماء والجاهل من المتعبدين فإنهما آفة كل مفتون. وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى صنفان إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس قيل من هم قال الملوك والعلماء. وقال أيضًا وأحسن فيما قال:
وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها
لقد رتع القوم في جيفة مبين لذي اللب أنتانها
وقال غيره
فساد كبير عالم متهتك وأكبر منه جاهل يتنسك
هما فتنة للعالمين عظيمة لمن بهما في دينه يتمسك
وقد جاء في هذا المعنى حديث ضعيف رواه أبو نعيم وغيره عن ابن عباس ﵄. آفة الدين ثلاثة فقيه فاجر وإمام جائر ومجتهد جاهل وروى الطبراني في معجمه الصغير عن علي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إني لا أتخوف على أمتي مؤمنًا ولا مشركًا أما المؤمن فيحجزه إيمانه وأما المشرك فيقمعه كفره ولكن أتخوف عليكم منافقًا عالم اللسان يقول ما تعرفون ويعمل ما تنكرون.
وفي المسند بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهدي قال إني لجالس تحت منبر عمر ﵁ وهو يخطب الناس فقال في خطبته سمعت رسول الله ﷺ يقول إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة كل منافق عليم اللسان. وفي رواية في غير المسند يتكلم بالحكمة ويعمل بالجور.
[ ١٠٢ ]
وروى الإمام أحمد أيضًا في الزهد عن الأحنف بن قيس عن عمر بن الخطاب ﵁ قال كنت عنده جالسًا فقال إن هلكة هذه الأمة على يدي كل منافق عليم. وروى الإمام أحمد في الزهد والدارمي في سننه عن هرم بن حيان أنه قال إياكم والعالم الفاسق فبلغ عمر بن الخطاب ﵁ فكتب إليه وأشفق منها ما للعالم الفاسق فكتب إليه هرم والله يا أمير المؤمنين ما أردت به إلا الخير يكون إمام يتكلم بالعلم ويعمل بالفسق فيشتبه على الناس فيضلون.
إذا علم هذا فقد قال سفيان بن عيينة وغيره من علماء السلف من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى. وإذا كان الفاسق من الأساتذة مشابهين لليهود في زيغهم عن الحق وارتكابهم المعاصي على بصيرة فتلامذهم المتبعون لهم على المعاصي مشابهون للنصارى في ضلالهم واتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله. وللأساتذة العصاة نصيب من أوزار المقتدين بهم في المعاصي.
وهكذا كل عالم فاسق يقتدي به الجهال في أعماله السيئة والدليل على ذلك قول الله تعالى ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥].
وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور
[ ١٠٣ ]