(فصلٌ)
ومن التمثيل المذموم صبغ الشيب بالسواد وقد نهى عن ذلك رسول الله ﷺ وغلظ فيه كما في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد والسنن إلا الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا فقال رسول الله ﷺ غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد.
ورواه الطبراني في معجمه الصغير بإسناد جيد ولفظه قال لما قدم رسول الله ﷺ مكة أتي بأبي قحافة ورأسه ولحيته كأنها ثغامة فقال غيروا الشيب واجتنبوا السواد.
وفي المسند من حديث أنس بن مالك ﵁ نحوه وإسناده صحيح. وروى الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة ﵁ نحوه وفي إسناده ضعف.
وروى الطبراني أيضًا في الأوسط عن أنس بن مالك ﵁ قال كنا يومًا عند النبي ﷺ فدخلت عليه اليهود فرآهم بيض اللحى فقال ما لكم لا تغيرون فقيل إنهم يكرهون فقال النبي ﷺ لكنكم غيروا وإياي والسواد.
قال الهيثمي فيه ابن لهيعة وبقية رجاله ثقات وهو حديث حسن
وروى عمر بن شبة في (أخبار المدينة) عن عبد العزيز بن أبي رواد قال اختضب عمرو بن العاص بالسواد فجاء إلى عمر ﵁ فسلم عليه فقال له من أنت قال عمرو بن العاص قال فرضيت بعد أن كان يقال لك كهل قريش أن يقال لك شاب من شباب قريش ثم قال خضاب الإيمان الصفرة وخضاب الإسلام الحمرة وخضاب الشيطان السواد.
وفي مستدرك الحاكم عن أبي عبد الله القرشي قال دخل عبد الله بن عمر ﵄ على عبد الله بن عمرو رضي
[ ١١٥ ]
الله عنهما وقد سود لحيته فقال عبد الله بن عمر السلام عليك أيها الشويب فقال له ابن عمرو أما تعرفني يا أبا عبد الرحمن قال بلى أعرفك شيخًا فأنت اليوم شاب إني سمعت رسول الله ﷺ يقول الصفرة خضاب المؤمن والحمرة خضاب المسلم والسواد خضاب الكافر.
وروى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال يكون في آخر الزمان قوم يسودون أشعارهم لا ينظر الله إليهم. قال الهيثمي إسناده جيد.
وفي المسند وسنن أبي داود والنسائي من حديث عبيدالله بن عمرو الرقي عن عبد الكريم بن مالك الجزري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة. إسناده جيد. وقال الحافظ صلاح الدين العلائي في كتابه (النقد الصحيح) إسناده على شرط الصحيحين.
وقد رواه الحافظ الضياء المقدسي في المختارة وصححه أيضًا غير واحد من الحفاظ وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري إسناده قوي إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه وعلى تقدير ترجيح وقفه فمثله لا يقال بالرأي فحكمه الرفع انتهى وقد وهم الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى فأورد هذا الحديث في الموضوعات قال والمتهم به عبد الكريم بن أبي المخارق أبو أمية البصري ثم نقل تجريحه عن جماعة قال الحافظ ابن حجر العسقلاني وأخطأ في ذلك فإن الحديث المذكور
[ ١١٦ ]
من رواية عبد الكريم الجزري الثقة المخرج له في الصحيح انتهى.
وقال الحافظ أيضًا في جوابه عن الأحاديث التي وقعت في (مصابيح السنة) وقيل أنها موضوعة.
حديث (يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بهذا السواد كحواصل الحمام لا يجدون رائحة الجنة) أخرجه أبو داود والنسائي من طريق عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس، ولم يقع منسوبًا في السنن، وفي طبقته آخر يسمى عبد الكريم يروي أيضًا عن عكرمة والأول هو ابن مالك الجزري ثقة متفق عليه أخرج له البخاري ومسلم، والآخر هو ابن أبي المخارق وكنيته أبو أمية وهو ضعيف، فجزم بأنه الجزري الحفاظ أبو الفضل بن طاهر وأبو القاسم بن عساكر والضياء أبو عبد الله المقدسي وأبو محمد المنذري وغيرهم وزاد أنه ورد في بعض الطرق منسوبًا كذلك.
قلت وهو مقتضى صنيع من صححه كابن حبان والحاكم انتهى.
وقد جزم المزي في الأطراف بأنه عبد الكريم بن مالك الجزري.
وقال الحافظ المنذري قول من قال أنه عبد الكريم بن مالك الجزري هو الصواب فإنه قد نسبه بعض الرواة في هذا الحديث فقال فيه عن عبد الكريم الجزري وعبد الكريم بن أبي المخارق من أهل البصرة نزل مكة.
وأيضًا فإن الذي روى عن عبد الكريم هذا الحديث هو عبيد الله بن عمرو الرقي هو مشهور بالرواية عن عبد الكريم الجزري وهو أيضًا من أهل الجزيرة. قلت وقد صرح أبو داود في روايته بأن عبد الكريم هو الجزري فلم يبق بعد ذلك لابن الجوزي ولا لغيره متعلق في توهين هذا الحديث وقد اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديث عبد الكريم الجزري وقال أحمد وابن معين ثقة ثبت.
وقد زعم بعض العصريين أن في متن هذا الحديث نكارة لما فيه من الوعيد الشديد على الصبغ بالسواد وهو على تقرير هذا العصري لا يستحق ما جاء في الحديث من الوعيد الشديد وقد استبدل بزعمه هذا على وضع الحديث. وهذا منه خطأ محض وليس في متن الحديث نكارة كما زعمه فإن الخاضب بالسواد قد خالف أمر الرسول ﷺ وارتكب نهيه وقد قال الله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقال تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ
[ ١١٧ ]
اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وقال تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]، ففي هؤلاء الآيات أبلغ تحذير من مخالفة أمر الرسول ﷺ وارتكاب نهيه.
والخاضب بالسواد قد خالف أمر الرسول ﷺ وارتكب نهيه فتعرض بفعله ذلك للوعيد الشديد وهو تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء عفى عنه. والذي عليه سلف الأمة وأئمتها إمرار آيات الوعيد كما جاءت مع الإيمان بها واعتقاد أنها حق.
ومن مذهبهم أيضًا التسليم لما صح عن رسول الله ﷺ وإمرار أحاديث الوعيد كما جاءت مع الإيمان بها واعتقاد أنها حق قال الحميدي حدثنا سفيان قال قال رجل للزهري يا أبا بكر قول النبي ﷺ ليس منا من شق الجيوب ما معناه فقال الزهري من الله العلم وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم وقد ذكر البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه معلقًا بصيغة الجزم.
وروى أبو نعيم في الحلية من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن الزهري أنه روي أن النبي ﷺ قال «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» فسألت الزهري عنه ما هذا فقال من الله العلم وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم أمروا أحاديث رسول الله ﷺ كما جاءت.
قلت وقد صحح الحفاظ حديث ابن عباس ﵄
[ ١١٨ ]
في الوعيد الشديد لمن خضب بالسواد كما تقدم ذكره. فعلينا أن نسلم للرسول ﷺ ونؤمن بما قال ونمر هذا الحديث كما جاء مثل نظائره. وليس لنا أن نحكم الآراء فيما تضمنه بأن نقول كما قال ذلك العصري أن الخاضب بالسواد لا يستحق هذا الوعيد الشديد ونحو ذلك من الأقوال التي يفهم منها الاعتراض على الحديث فإن هذا شأن أهل البدع والله أعلم.
وقد جاء في ذم الخضاب بالسواد أحاديث سوى ما تقدم منها ما رواه الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «من خضب بالسواد سود الله وجهه يوم القيامة».
قال الهيثمي فيه الوضين بن عطاء وثقه أحمد وابن معين وابن حبان وضعفه من هو دونهم في المنزلة وبقية رجاله ثقات. ومنها ما رواه ابن سعد في الطبقات عن عامر مرسلًا أن الله تعالى لا ينظر إلى من يخضب بالسواد يوم القيامة.
ومنها ما رواه ابن عدي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا أن الله تعالى يبغض الشيخ الغربيب. قيل هو الذي لا يشيب وقيل هو الذي يسود شعره وهذا أظهر لأن الذي لا يشيب خلقة ليس له من عمل في شعره يستحق عليه البغض والمقت بخلاف الذي يسود شعره فإنه مرتكب لنهي رسول الله ﷺ فاستوجب البغض من الله تعالى والله أعلم.
[ ١١٩ ]
وروى أبو نعيم في الحلية عن كعب الأحبار أنه قال ليصبغن أقوام بالسواد لا ينظر الله إليهم يوم القيامة. وقد ذكر الحافظ ابن حجر عن ابن الكلبي أن أول من اختضب بالسواد من العرب عبد المطلب وأما مطلقًا ففرعون انتهى.
وفي حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا السواد خضاب الكافر. وإذا كان الخضاب بالسواد من أفعال الكفار فمخالفتهم مطلوبة شرعًا والتشبه بهم حرام وبغيض إلى الله تعالى.
وقد تقدم ما رواه الإمام أحمد في الزهد عن عقيل بن مدرك السلمي قال أوحى الله إلى نبي من أنبياء إسرائيل قل لقومك لا يأكلوا طعام أعدائي ولا يشربوا شراب أعدائي ولا يتشكلوا شكل أعدائي فيكونوا أعدائي كما هم أعدائي.
[ ١٢٠ ]
(فصلٌ)
وقد اختلف العلماء في الخضاب بالسواد فأجازه قوم ومنعه آخرون والمنع هو الصحيح والحجة في ذلك ما تقدم من حديث جابر وأنس وابن عباس ﵃ وليس مع المجيزين حجة تصلح لمعارضة هذه الأحاديث. فإن قيل إن حديث جابر وأنس ﵄ قضية في عين فيختص المنع من السواد بأبي قحافة وحده.
قيل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين وقد قال النبي ﷺ في حديث جابر ﵁ غيروا الشيب واجتنبوا السواد وهذا لفظ عام يتناول أبا قحافة وغيره من هذه الأمة.
وقد احتج الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره من العلماء بهذا الحديث على كراهة الخضاب بالسواد على العموم. وفي حديث ابن عباس ﵄ أوضح دليل على العموم والله أعلم.
قال النووي رحمه الله تعالى ويحرم خضابه بالسواد على الأصح وقيل يكره كراهة تنزيه والمختار التحريم لقوله ﷺ واجتنبوا السواد. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى وأما الخضاب بالسواد فكرهه جماعة من أهل العلم وهو الصواب بلا ريب وقيل للإمام
[ ١٢١ ]
أحمد رحمه الله تعالى تكره الخضاب بالسواد قال أي والله ولأنه يتضمن التلبيس بخلاف الصفرة.
وقال ابن حجر الهيتمي في كتاب الزواجر الكبيرة الحادية عشرة بعد المائة خضب نحو اللحية بالسواد لغير غرض نحو جهاد ثم ذكر حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة». ثم قال تنبيه عد هذا من الكبائر هو ظاهر ما في هذا الحديث الصحيح من هذا الوعيد الشديد وإن لم أر من عده منها انتهى.
وما استثناه من الجواز للجهاد وغيره من الأغراض لا دليل عليه والصواب القول بعموم المنع وعلى ذلك تدل ظواهر الأحاديث عن ابن عباس وجابر وأنس ﵃ والله أعلم.
وقد تقدم قول الهروي والزمخشري وابن الأثير وابن منظور أن تغيير الشعر بالسواد من التمثيل الذي ورد الوعيد عليه في حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «من مثل بالشعر فليس له عند الله خلاق» رواه الطبراني.
فإن قيل إن جماعة من الصحابة ﵃ كانوا يخضبون بالسواد وذلك يدل على الجواز. فالجواب ما قاله ابن القيم رحمه الله تعالى أن في ثبوته عنهم نظرًا قال ولو ثبت فلا قول لأحد مع رسول الله ﷺ وسنته أحق بالاتباع ولو خالفها من خالفها انتهى.
[ ١٢٢ ]
وهذا الذي قاله ابن القيم رحمه الله تعالى من وجوب اتباع السنة واطراح ما خالفها هو الحق الذي لا ريب فيه لقول الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، الآية ولقوله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، الآية وقد أمر النبي ﷺ أن يخضب الشعر بالصفرة أو بالدهمة أو بالحمرة ونهى أن يخضب بالسواد فوجب امتثال أمره واجتناب نهيه وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد وقال ابن عباس ﵄ يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله ﷺ وتقولون قال أبو بكر وعمر.
وإذا كان هذا قول ابن عباس ﵄ لمن خالف السنة بقول أبي بكر وعمر ﵄ فكيف بمن عارضها بقول غيرهما فالله المستعان وعلى تقدير ثبوت ما روي عن بعض الصحابة ﵃ من الخضاب بالسواد فهو محمول على أنه لم يبلغهم النهي عنه والتغليظ فيه ولو بلغهم ذلك لما خضبوا به وحاشاهم أن يخالفوا أمر نبيهم ﷺ أو يرتكبوا نهيه وهم يعلمون.
وهذا هو المعروف عنهم واللائق بهم فإنهم كانوا خير هذه الأمة وأتقاها وأعظمها طاعة لله تعالى ولرسوله ﷺ وأشدها حرصًا على متابعة السنة والبعد عما خالفها.
[ ١٢٣ ]
وقد كان يصدر من كثير منهم مخالفة الأمر الشرعي قبل أن يعلموا به فإذا علموا به أخذوا به ولم يخالفوه والأمثلة على ذلك كثيرة وليس هذا موضع ذكرها. فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.
وقد وقع مصداق حديث ابن عباس ﵄ يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام وظهر ذلك في زماننا ظهورًا بينًا وكثر الخضاب به في المنتسبين إلى العلم فضلًا عن العوام فالله المستعان. وما أحسن قول بعضهم:
يا أيها الرجل المسود شيبه كيما يعد به من الشبان
أقصر فلو سودت كل حمامة بيضاء ما عدت من الغربان
وقال آخر
شيب تغيبه كيما تغرّ به كبيعك الثوب مطويًا على حرق
وقال آخر
نسود أعلاها وتأبى أصولها ولا خير في الأعلى إذا فسد الأصل
[ ١٢٤ ]