محارم الله بأدنى الحيل. وأما قول بعضهم أنها تتحات بسبب المرض. فيقال نعم هو كذلك ولكنه مرض في القلوب لا في اللحى. ولا دواء لهذا المرض إلا بالتوبة الصادقة والإنابة إلى الله تعالى والرضاء بقضائه وقدره والتسليم لأمره وأمر رسوله ﷺ واجتناب نهيه ونهي رسوله ﷺ والله الموفق.
(فصلٌ)
ومن مثل بلحيته فقد جاهر بالمعصية لأن مثل هذا العمل لا يمكن إخفاؤه وسواء في ذلك حلقها ونتفها وفركها حتى تتكسر وتحات لأن كلا من هذه الأفعال يشوه الوجه ويذهب نوره وبهاءه.
فإن كان فاعل ذلك عالمًا بالتحريم فلا بأس بهجره حتى يتوب وتظهر توبته وإن كان جاهلًا بالتحريم فالواجب تعليمه فإن أصر بعد العلم بالتحريم فلا بأس بهجره حتى يتوب وتظهر توبته وليس هذا من الهجر المذموم كما قد يتوهمه بعض ذوي الجهل المركب في زماننا بل هو هجر مشروع كما قال ابن عبد القوي:
وهجران من أبدى المعاصي سنة وقيل إذا يردعه أوجب وأكد
[ ٨٨ ]
وقيل على الإطلاق ما دام معلنا ولاقه بوجه مكفهر معربد
فلم يذكر خلافًا في سنية هجر العاصي المجاهر بالمعصية سواء ارتدع بالهجر أو لم يرتدع وإنما الخلاف في الوجوب هل هو على الإطلاق أم إذا كان العاصي يرتدع به.
وقد جاءت السنة بهجر أهل المعاصي حتى يتوبوا كما هجر النبي ﷺ كعب بن مالك وصاحبيه خمسين يومًا ولم يكلمهم حتى تاب الله عليهم. وهجر زينب بنت جحش ﵂ أكثر من شهرين لما قالت أنا أعطي تلك اليهودية - تعني صفية ﵂. وهجر الذي بنى فوق الحاجة حتى هدم بناءه وسواه بالأرض. وهجر رجلًا رآه متخلقًا بزعفران حتى غسله وأزال عنه أثره. وهجر رجلًا رأى عليه جبة من حرير حتى طرحها. وهجر رجلًا رأى في يده خاتمًا من ذهب حتى طرحه.
وفي سنن أبي داود وجامع الترمذي ومستدرك الحاكم أنه ﷺ هجر رجلًا رأى عليه ثوبين أحمرين. ولما دخل عليه قهرمان باذام وصاحبه وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما كره النظر إليهما وقال لهما ويلكما من أمركما بهذا. فإذا كان هذا قوله ﷺ لرجلين كافرين وتغليظه عليهما فكيف لو رأى رجلًا مسلمًا قد مثل بلحيته. وإذا كان ﷺ قد هجر الرجل الذي بنى فوق الحاجة وهجر الذي رأى عليه جبة من حرير وهجر
[ ٨٩ ]
الذي رأى في يده خاتمًا من ذهب وهجر الذي رأى عليه ثوبين أحمرين. فكيف لو رأى الذين يمثلون باللحى من أمته ويتشبهون بأعداء الله تعالى وأعداء رسوله ﷺ وأعداء كل مؤمن ولا يبالون بمخالفة أمره ﷺ وارتكاب نهيه. فهؤلاء أولى بالهجر والتغليظ وأحق بالزجر والتأديب والله المستعان.
وقد كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يهجرون من أظهر المعصية حتى يتوب وتظهر توبته. وكانوا يبالغون في هجر المخالفين لأحاديث الرسول ﷺ ويشددون عليهم ما لا يشددون على غيرهم من العصاة وربما كان هجرانهم إياهم دائمًا إلى الممات وقد هجر ابن عمر ﵄ ابنًا له حتى مات من أجل مخالفته لحديث حدثه به عن النبي ﷺ. وهجر عبادة بن الصامت ﵁ معاوية ﵁ وترك مساكنته في الشام من أجل معارضته لحديث حدثه به عن النبي ﷺ. وهجر أبو الدرداء ﵁ معاوية أيضًا وترك مساكنته من أجل معارضته لحديث حدثه به عن النبي ﷺ. وهجر عبد الله بن مغفل ﵁ قريبًا له وقال له لا أكلمك أبدًا من أجل مخالفته لحديث حدثه به عن النبي ﷺ. وهجر عبد الله بن مسعود ﵁ رجلًا رآه يضحك في جنازة وقال والله لا أكلمك أبدًا.
فإذا كان هذا فعل الصحابة ﵃ مع المخالفين لأحاديث الرسول ﷺ فكيف لو رأوا من يمثل بلحيته ولا
[ ٩٠ ]
يبالي بمخالفة أمر النبي ﷺ بإعفائها ولا بما ثبت عنه ﷺ من التغليظ في التشبه بأعداء الله تعالى ولا بما ثبت عنه أيضًا من اللعن للمتشبهين بالنساء من الرجال فهؤلاء الجامعون بين مخالفة أمر الشارع وبين التشبه بأعداء الله تعالى والتشبه بالنساء أولى بالهجر ممن هجرهم الصحابة ﵃ إلى الممات.
وقد كان الإمام أحمد ﵁ يهجر من تعدى أحاديث الرسول ﷺ ذكره عنه الخلال. وكان الإمام الشافعي ﵁ من أشد الناس إنكارًا وتغليظًا على من خالف أحاديث الرسول ﷺ.
وكذلك كان ابن أبي ذئب ووكيع بن الجراح وغيرهما من أكابر الأئمة.
[ ٩١ ]