بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي جعل اللحى جمالًا للرجال، وجعل عدمها جمالًا للنساء والأطفال، فسبحان من فاوت بين الرجال والنساء في هذا الجمال.
أحمده وهو المحمود على كل حال، وأشكره على ما أولاه من الإنعام والأفضال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبير المتعال، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله الصادق المقال، الآمر أمته بمخالفة أهل الشرك والزيغ والضلال واللاعن للمتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه في الأقوال والأعمال، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد فلا يخفى ما عظمت به البلوى في زماننا من التشبه بالمشركين واليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من أعداء الله تعالى واتباع سننهم حذو النعل بالنعل.
وقد أصيب بهذا الداء العضال كثير من المنتسبين إلى العلم من معلمين ومتعلمين فضلًا عن غيرهم من الخاصة والعامة فمستقل من هذا الداء ومستكثر فالله المستعان.
وهذا مصداق ما جاء في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:
[ ٥ ]
«لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعا ذراعًا حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن!» متفق عليه.
وفي صحيح البخاري أيضًا وسنن ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع فقيل: يا رسول الله كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك» هذا لفظ البخاري.
ولفظ ابن ماجه لتتبعن سنن من كان قبلكم باعًا بباع وذاعًا بذراع وشبرًا بشبر حتى لو دخلوا في جحر ضب لدخلتم فيه قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن إذًا.
ورواه الحاكم في مستدركه بنحو رواية ابن ماجه ثم قال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
قال الحافظ بن حجر في فتح الباري الأخذ بفتح الألف وسكون الخاء على الأشهر هو السيرة، يقال أخذ فلان بأخذ فلان أي سار بسيرته وما أخذ أخذه أي ما فعل فعله ولا قصد قصده انتهى.
وروى البزار بإسناد جيد والحاكم في مستدركه من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «لتركبن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو أن أحدهم
[ ٦ ]
دخل جحر ضب لدخلتم وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه» صححه الحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي جامع الترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك» وذكر تمام الحديث قال الترمذي هذا حديث حسن غريب.
وروى أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة من حديث عمرو بن عوف المزني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لتسلكن سنن الذين من قبلكم حذو النعل بالنعل ولتأخذن مثل مأخذهم إن شبرًا فشبر وإن ذراعًا فذراع وإن باعًا فباع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتم فيه».
وروى الآجري أيضًا عن شداد بن أوس ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: «لتحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم حذو القذة بالقذة».
وروى الترمذي في جامعه عن أبي واقد الليثي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
وروى الطبراني عن المستورد بن شداد ﵁ مرفوعًا لا تترك هذه الأمة شيئًا من سنن الأولين حتى تأتيه.
[ ٧ ]
وروى الشافعي من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ لتركبن سنة من كان قبلكم حلوها ومرها.
وروى أبو بكر الآجري عن حذيفة ﵁ أنه قال لتتبعن أمر من كان قبلكم حذو النعل بالنعل لا تخطئون طريقتهم ولا تخطئكم.
ورواه الحاكم في مستدركه ولفظه لتسلكن طريق من كان قبلكم حذو القذة بالقذة وحذو النعل بالنعل لا تخطئون طريقهم ولا تخطئكم. وذكر تمام الحديث قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه وهذا في حكم المرفوع لأنه إخبار عن أمر غيبي فلا يقال إلا عن توقيف.
قال النووي في الكلام على حديث أبي سعيد الذي سبق ذكره السنن بفتح السين والنون وهو الطريق، وقال الحافظ ابن حجر بفتح السين للأكثر وقال ابن التين قرأناه بضمها وقال المهلب بالفتح أولى لأنه الذي يستعمل فيه الذراع والشبر وهو الطريق قال الحافظ وليس اللفظ الأخير ببعيد من ذلك انتهى.
قال عياض الشبر والذراع والطريق ودخول الجحر تمثيل للاقتداء بهم في كل شيء مما نهى الشرع عنه وذمه.
وكذا قال النووي قال وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ فقد وقع ما أخبر به ﷺ. وقال الحافظ ابن حجر قد وقع معظم ما أنذر به ﷺ وسيقع بقية ذلك.
[ ٨ ]
وقال المناوي في شرح الجامع الصغير هذا من معجزاته ﷺ فقد اتبع كثير من أمته سنن فارس في شيمهم ومراكبهم وملابسهم وإقامة شعارهم في الحروب وغيرها وأهل الكتابين في زخرفة المساجد وتعظيم القبور حتى كاد أن يعبدها العوام وقبول الرشا وإقامة الحدود على الضعفاء دون الأقوياء وترك العمل يوم الجمعة والتسليم بالأصابع وعدم عيادة المريض يوم السبت والسرور بخميس البيض وأن الحائض لا تمس عجينًا إلى غير ذلك مما هو أشنع وأبشع.
قلت وفي زماننا لم يبق شيء مما يفعله اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من أمم الكفر والضلال إلا ويفعل مثله في أكثر الأقطار الإسلامية، ولا تجد الأكثرين من المنتسبين إلى الإسلام إلا مهطعين خلف أعداء الله تعالى يأخذون بأخذهم ويحذون حذوهم ويتبعون سننهم في الأخلاق والآداب واللباس والهيئات والنظامات والقوانين وأكثر الأمور أو جميعها فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[ ٩ ]