(فصلٌ)
إذا علم ما ذكرنا فللممثلين باللحى شبه يوردونها يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره وأنا أذكر ههنا ما بلغني من شبههم وأكشفها بالحق إن شاء الله تعالى.
الشبهة الأولى قولهم أن إعفاء اللحى ربما جمع بعض جراثيم الأمراض المضرة بالبدن وفي حلق اللحى أمان من تلك الجراثيم والجواب أن يقال إن هذه الشبهة من دسائس أعداء الله تعالى وكأنها متلقاة من الإفرنج وأشباههم من أولياء الشيطان وجنوده. ومقصودهم بها إغراء جهال المسلمين على معصية نبيهم ﷺ ومخالفة هديه الذي هو خير الهدي. ولو طمع أعداء الله أن يجيبهم المسلمون إلى الكفر لأمروهم به وحسنوه لهم قال الله تعالى ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء: فأعداء الله تعالى حريصون كل الحرص على إغواء المسلمين وإضلالهم مهما أمكنهم ذلك. وإذا يئسوا من المساواة في الكفر قنعوا بالمساواة فيما دون ذلك من الفسوق والعصيان ولاسيما الأفعال التي يكون فيها تشبه بهم واتباع لسننهم.
والله المسئول أن يعيذني وإخواني المسلمين من وساوس الشيطان وجنوده ودسائسهم. وقد اغتر بهذه الشبهة كثير من ضعفاء البصيرة وظنوا أن أعداء الله صادقون فيما زعموه وليس الأمر كما يظنون.
[ ٦٥ ]
ولو كانت هذه الشبهة حقًا لكان أصحاب اللحى أو أكثرهم صرعى بالأمراض ولكان محلقو اللحى ومن في معناهم من النساء والمردان أقل أمراضًا وأصح أجسامًا. والواقع شاهد بأنه لا مزية لهؤلاء على هؤلاء وكفى بالواقع برهانًا على بطلان هذه الشبهة. وأيضًا فلو كانت هذه الشبهة حقًا لكان شعر الرأس أحرى باجتماع جراثيم الأمراض فيه وتولدها منه لما يتصاعد إليه من الأبخرة ويجتمع فيه من الأوساخ بخلاف اللحية.
وأعداء الله تعالى لا يقولون في شعر الرأس بما يقولونه في شعر اللحية إذ لا غرض لهم في ذلك ولو كان حلق الرأس حرامًا كاللحية لم يبعد أن يقول أعداء الله أن تحت كل شعرة منه جرثومًا من جراثيم الأمراض المهلكة. وقد رأيت أعداء الله يوفرون شعر الرأس بعض التوفير ورأيت كثيرًا منهم يعالجونه مع ذلك بالأدهان حتى يصير على الزي المسمى عندهم بالتواليت.
ورأيت كثيرًا من غوغاء المسلمين يتشبهون بهم في هذا الزي القبيح. وهذا الفعل أحرى بتلبد الأوساخ في الرأس واجتماع جراثيم الأمراض فيه. فإن نفى أعداء الله ذلك عن الرأس فاللحية أولى: بهذا النفي وأحرى لنظافتها وسلامتها من الأوساخ بخلاف الرأس. وإن أثبتوا أن في اللحية جراثيم للأمراض فشعر الرأس أولى بما أثبتوه وأحرى لما ذكرناه والله أعلم.
الشبهة الثانية قول بعض أعداء السنن أن توفير اللحى يحدث عنه خفة في العقل. والجواب أن يقال لهؤلاء الحمقى بل الأمر
[ ٦٦ ]
بالعكس والواقع شاهد بأن أن أهل اللحى أوفر عقولًا في الغالب وأكثر وقارًا ورزانة وأعظم مهابة وجلالة من غيرهم وأئمتهم في ذلك الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فهم أعقل الناس على الإطلاق وأكثرهم وقارًا ورزانة وأعظمهم مهابة وجلالة.
وهذا مما لا يشك فيه مسلم. وسيد الأنبياء بل سيد بني آدم كلهم محمد ﷺ كان كث اللحية ضخمها عظيمها وكان مع ذلك أعقل الناس وأوقرهم وأرزنهم وأعظمهم عزًا ومهابة وجلالة وكان يشبه أباه إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله وسلامه عليهما. فهل يقول أعداء اللحى أن الأنبياء كانوا من أخف الناس عقولًا بسبب توفيرهم اللحى أو يستثنوهم.
فإن قالوا بالأول فذلك كفر لا شك فيه لتنقصهم بالأنبياء ومن تنقص نبيًا من الأنبياء كفر فكيف بمن تنقصهم كلهم. وقد حكى بعض العلماء الإجماع على ذلك كما سيأتي ذكره قريبًا إن شاء الله تعالى. وإن قالوا باستثناء الأنبياء طولبوا بالفرق بينهم وبين أتباعهم ولن يجدوا إلى ذلك سبيلًا.
وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ من أعقل الناس وأوقرهم وأرزنهم وأعظمهم عزًا ومهابة وجلالة بعد الأنبياء وكانوا مع ذلك يوفرون لحاهم. وكذلك كان التابعون لهم بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم. ومن ادعى في الصحابة والتابعين
[ ٦٧ ]
وتابعيهم بإحسان إلى يومنا هذا خلاف ذلك فهو من المفترين المغموصين بالنفاق.
وقد روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد ابن المسيب يقول كان إبراهيم خليل الرحمن أول الناس رأى الشيب فقال يا رب ما هذا قال الرب ﵎ وقار يا إبراهيم قال رب زدني وقارًا. وكل ذي شيبة من المؤمنين أتباع ملة إبراهيم له نصيب من هذا الوقار الذي ابتدئ به إمام الحنفاء ولاحظ في ذلك لمحلقي اللحى المتشبهين بالمجوس والنساء والمردان.
وربما اعترف بعض محلقي اللحى بأن الوقار والرزانة من صفات ذوي اللحى وأن محلقي اللحى أولى بخفة العقل كالصبيان وقد ذكر عن بعضهم أنه عوتب في حلق لحيته فقال إنا نحتاج إلى الركض في الأسواق في بعض الأحيان وذلك لا يليق بذي لحية وإذا حلقناها لم يستنكر الناس ركضنا في الأسواق ولم يعيبوا ذلك علينا كما لا يعيبون مثل ذلك على الصبيان.
وهذا الذي صرح به هذا القائل يصدقه فيه كل عاقل وعقلاء محلقي اللحى يعلمون ذلك وإن كتموه دفعًا للشنعة عنهم وقد رأينا أهل اللحى في سائر طبقات الناس أرجح عقولًا من غيرهم وأفضل منهم في جميع الخصال الحميدة.
رأينا ذلك في المنتسبين إلى العلم وفي الأمراء والكتاب وأهل التجارات والصناعات وغيرهم. ومن تأمل أحوال الناس وكان
[ ٦٨ ]
ذا لبّ لم يخف عليه هذا. وقد صار إعفاء اللحى من سيما أهل الصلاح والتقى في زماننا فلا تجد ذا صلاح وتقى إلا من أهل اللحى وكفى بهذا شرفًا لأهل اللحى. وأما التمثيل باللحى فقد صار من سيما أهل الفسوق والعصيان ولهذا تجد فيهم من التهاون بالواجبات وانتهاك المحرمات ما لا تجده في أهل اللحى وكفى بهذا نقصًا وخزيًا لمحلقي اللحى.
الشبهة الثالثة أن بعض الحمقى إذا نهي عن التمثيل بلحيته وقيل له إن التمثيل بها لا يجوز لأنه من فعل المجوس وأشباههم من المشركين وقد أمر النبي ﷺ بمخالفتهم في ذلك ونهى عن التشبه بهم.
فجواب الأحمق أن يقول إن أطول الناس لحى البانيان وأشباههم من المشركين. وتقرير قول الأحمق أن عباد البقر وبعض أصناف المشركين من غيرهم يبالغون في إعفاء لحاهم فيكون المسلم المعفي للحيته متشبهًا بهم كما أن الممثل بلحيته متشبه بالمجوس وطوائف الإفرنج ومن شاكلهم من المشركين فيتقابل الفريقان المعفون والممثلون.
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه أحدها أن يقال أن مشروعية إعفاء اللحى ثابتة بالنصوص الصريحة الصحيحة عن النبي ﷺ وما كان مشروعًا للمسلمين ففعل المشركين له لا يضر المسلمين شيئًا ولا يكون ذلك من المشابهة المذمومة.
[ ٦٩ ]
يوضح ذلك الوجه الثاني وهو الإيراد على المسلمين بأفعال المشركين يقتضي القدح في كثير من شرائع الإسلام ويستلزم إبطالها. والأمثلة على ذلك كثيرة لا يتسع هذا الموضع لبسطها. فمن ذلك الختان فإنه مشروع للمسلمين وقد كان اليهود ومشركو العرب يختتنون ولم يكن على المسلمين من فعلهم ذلك بأس. ومن ذلك أن المشركين كانوا يعتكفون في المسجد الحرام كما قال عمر ﵁ يا رسول الله إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال النبي ﷺ أوف بنذرك متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄. وقد شرع الله للمسلمين الاعتكاف في المساجد ولم يكن عليهم بأس من اعتكاف المشركين.
ومن ذلك أن المشركين كانوا يحجون فيطوفون بالبيت ويسعون بين الصفا والمروة ويقفون بالمشاعر ويهدون الهدي ويفعلون كثيرًا مما يفعله المسلمون في الحج ولم يكن على المسلمين من ذلك بأس. ومن ذلك أن المشركين كانوا يجعلون الدية مائة من الإبل وقد جاء الإسلام بتقرير ذلك ولم يكن على المسلمين من ذلك بأس. ومن ذلك أن المشركين كانوا يحكمون بالقسامة وقد جاء الإسلام بتقرير ذلك ولم يكن على المسلمين من ذلك بأس. إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة. أفيقال أنه لا يجوز للمسلمين إعفاء اللحى ولا الختان ولا الاعتكاف في المساجد ولا الطواف بالبيت ولا السعي بين الصفا والمروة ولا الوقوف
[ ٧٠ ]
بالمشاعر ولا غير ذلك مما ذكرنا ومما لم نذكره من أجل أن المشركين كانوا يفعلون مثل ذلك. هذا لا يقوله مسلم.
الوجه الثالث أن إعفاء اللحى من خصال الفطرة التي فطر الله الناس عليها كما تقدم النص على ذلك في حديث عائشة ﵂ وأما التمثيل باللحى فهو محدث وضلالة زينها الشيطان للمجوس ولمن تابعهم وتشبه بهم يريد عدو الله بذلك إفساد الفطرة وتغيير خلق الله كما أخبر الله عنه أنه قال ولآمرنهم فليغيرن خلق الله.
وعلى هذا فمن كان من المسلمين متمسكًا بهذه الخصلة من خصال الفطرة فهو محمود على لزومه للسنة والفطرة ولا يضره كون بعض الكفار محافظين على لزوم هذه الخصلة من خصال الفطرة فإن مشابهتهم في مثل هذا غير مذمومة وإنما المذموم التشبه بالكفار المخالفين للفطرة المغيرين خلق الله.
الوجه الرابع أن يقال أن الكفار المعفين للحاهم هم المتشبهون بالمسلمين في الحقيقة إما قصدًا وإما اتفاقًا. ومن تشبه بالمسلمين في شيء من هدي الإسلام فهو أقرب إلى موافقة المسلمين وأحسن حالًا ممن خالفهم ورغب عن هدي الإسلام.
الوجه الخامس أن المرجع في جميع الأحكام إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ فهما الميزان العدل الذي توزن به أقوال الناس وأفعالهم فما وافقهما فهو حق مقبول ممن جاء به سواء كان
[ ٧١ ]
مسلمًا أو كافرًا وما خالفهما فهو باطل مردود من صاحبه كائنًا من كان. وإذا عرضنا إعفاء اللحى على الكتاب والسنة وجدنا ذلك حقًا ثابتًا موافقًا للكتاب والسنة.
فمن فعله من المسلمين يبتغي بذلك وجه الله تعالى ويتحرى متابعة السنة فهو مأجور إن شاء الله تعالى ومحمود من وجهين أحدهما متابعته للسنة وتمسكه بالفطرة. ثانيهما مخالفته لهدي المجوس وطوائف الإفرنج ومن شاكلهم من المشركين الذين جنوا على الفطرة وغيروا خلق الله ﷿.
ومن فعل ذلك من الكفار فقد تمسك بخصلة من خصال الفطرة ومن تمسك منهم بشيء من الفطرة فهو أحسن حالًا ممن خالفها منهم. وإذا عرضنا التمثيل باللحى على الكتاب والسنة وجدناه باطلًا مخالفًا للكتاب والسنة فمن فعله من الكفار فهو مذموم من ثلاثة أوجه أحدها جنايته على الفطرة.
ثانيهما تغييره خلق الله. ثالثهما مخالفته للمسلمين. ومن فعله من المسلمين فهو جدير بالعقوبة ومذموم من أربعة أوجه أحدها جنايته على الفطرة. ثانيها تغييره خلق الله ﷿. ثالثها مخالفته لأمر النبي ﷺ وارتكابه لنهيه ورغبته عما أرشد إليه أمته من هدي الإسلام الفاضل الكامل. رابعها مشابهته لأعداء الله تعالى فيما ابتدعوه من المثلة القبيحة. وبما ذكرته في هذا الفصل يتضح بطلان ما يورده الحمقى الذين لا يعلمون حدود ما أنزل الله على رسوله ﷺ، إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس.
[ ٧٢ ]