قال الحاكم صحيح على شرطهما جميعًا ولا أعرف له علة ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومن السنن الثابتة عن النبي ﷺ من قوله وفعله إعفاء اللحية وترك التعرض لها بحلق أو نتف أو قص، وقد تمسك بهذه السنة الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يومنا ولله الحمد والمنة.
وقد كان أبو بكر الصديق ﵁ خفيف العارضين ذكر ذلك ابن عبد البر وغيره عن عائشة ﵂.
وكان عمر ﵁ كث اللحية ذكره ابن عبد البر.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناد صحيح عن أبي رجاء العطاردي قال: كان عمر ﵁ كثير السبلة في أطرافها صهوبة وفي عارضيه خفة: السبلة عند العرب مقدم اللحية وما أسبل منها على الصدر قاله ابن الأثير وابن منظور في لسان العرب قال ابن منظور يقال للرجل إذا كان كذلك رجل أسبل ومسبل إذا كان طويل اللحية.
وقال أبو زيد السبلة ما ظهر من مقدم اللحية بعد العارضين والعثنون ما بطن، وقال ثعلب هي اللحية كلها بأسرها.
وذكر البخاري في التاريخ الكبير عن العداء بن خالد ﵁ قال رأيت النبي ﷺ حسن السبلة وكانت العرب تسمي اللحية السبلة.
[ ٣٧ ]
وقد تقدم عن الجوهري والأزهري أن السبلة الشارب قال ابن دريد من العرب من يجعل السبلة طرف اللحية ومنهم من يجعلها ما أسبل من شعر الشارب في اللحية.
قلت والمراد بالسبلة في حديث أبي رجاء مقدم اللحية وما أسبل منها على الصدر ولهذا وصفها بالكثرة ووصف العارضين بالخفة.
وأما ما في حديث ابن عمر ﵄ الذي تقدم ذكره فالمراد به الشارب وسياق الحديث واضح في ذلك والله أعلم.
وكان عثمان ﵁ كبير اللحية عظيمها وكان يصفر لحيته ذكر ذلك ابن عبد البر وغيره.
وروى الحاكم في مستدركه عن أبي عبد الله مولى شداد بن الهاد قال: رأيت عثمان بن عفان ﵁ على المنبر يوم الجمعة فذكر أنه طويل اللحية حسن الوجه.
وكان علي ﵁ كبير اللحية ذكر ذلك ابن عبد البر وغيره.
وهؤلاء الأربعة هم القدوة بعد رسول الله ﷺ وهم الذين أمر الرسول ﷺ بالأخذ بسنتهم والتمسك بها والعض عليها بالنواجذ.
إذا علم هذا فمن حلق لحيته أو نتفها أو قصها فهو مخالف لسنة رسول الله ﷺ في شعر الوجه ومخالف لما كان عليه الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
[ ٣٨ ]
ومرتكب خصلة من خصال الضلالة وان كان عالما بوجوب إعفاء اللحية وتحريم التمثيل بها فهو مشارك بقدر إجرامه للذين قال الله تعالى فيهم ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦].
وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من رغب عن سنتي فليس مني» وفي المسند من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ مثله.
وفي المسند أيضًا وسنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم عن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» ومن هذه المحجة البيضاء إعفاء اللحى فمن مثل بلحيته ففيه نوع من الزيغ عما ترك عليه رسول الله ﷺ، وهو جدير بالهلاك الأخروي كما يدل على ذلك هذا الحديث وحديث ابن عمر ﵄ من تشبه بقوم فهو منهم.
وجدير أيضًا بالعقوبة العاجلة في الدنيا كما قال الله تعالى مخبرًا عن أصحاب السبت ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٥].
وفي الصحيحين وسنن أبي داود وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «من أحدث في أمرنا
[ ٣٩ ]
هذا ما ليس منه فهو رد». وفي رواية لأحمد ومسلم والبخاري تعليقًا مجزومًا به من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.
ورواه الدارقطني في سننه وأبو الفرج ابن الجوزي بلفظ من فعل أمرًا ليس عليه أمرنا فهو رد.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى المراد بأمره ههنا دينه وشرعه انتهى.
والرد هنا بمعنى المردود من إطلاق المصدر على اسم المفعول.
قال النووي وغيره معناه فهو باطل غير معتد به انتهى.
ومن المعلوم أن النبي ﷺ شرع لأمته إعفاء اللحى وأمرهم بمخالفة المشركين ونهاهم عن مشابهتهم فمن مثل بلحيته بحلق أو نتف أو قص فقد أحدث في أمر الإسلام ما ليس منه وخالف ما أمره به النبي ﷺ وارتكب ما عنه نهاه فيكون عمله في لحيته مردودًا وقد عصى الله ورسوله واتبع غير سبيل المؤمنين قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
ومن مثل بلحيته بعدما علم أن رسول الله ﷺ أمره بإعفائها ونهاه عن التشبه بالمشركين فقد شاق الله ورسوله ﷺ بقدر مخالفته واتبع غير سبيل المؤمنين في تمثيله بلحيته.
وجدير بمن عصى الله ورسوله وخالف المؤمنين على بصيرة أن يوليه الله ما تولى بأن يزين له المعصية استدراجًا له،
[ ٤٠ ]