وهم كانوا أتبع من غيرهم من الأمم لهدي الأنبياء والمرسلين إذا كان ذلك موافقًا للشريعة المحمدية.
ولم تزل اللحية ذات قدر رفيع عند أتباع السنة من الخاصة والعامة إلى زماننا حتى عند الجفاة من الأعراب فقد رأيناهم يكرمون اللحى ويوفرونها ولا يرضون أن يمسها أحد بسوء وقد رأيت مرة أعرابيًا عند بعض القضاة يخاصم رجلًا نتف من لحيته شعرات ورأيته يتغيظ كثيرًا من إقدام خصمه على النتف من لحيته وبلغني عن غيره مثل ذلك، وأبلغ من هذا أن قينًا من قيونهم كان ضعيف العقل وكان ذا لحية طويلة فجاء رجل منهم فمزح عليه وجز بعض لحيته فلما علم أخو القين بذلك أخذ سكينًا فضرب بها أنف الرجل يريد جدعه ثم هرب واستجار ببعض رؤساء القبيلة فأجاره وقام على مجلس فيه كبير القوم فأعلمهم بإجارته للقين فسأله أهل المجلس ما ذنب المضروب الأنف فأخبرهم أنه قد جز بعض لحية القين فقالوا: إن جزاءه لأعظم من خطم الأنف وأن الذي يتعرض لجز اللحية ينبغي أن يقتل.
ومن أمثال العامة قولهم هو أعز من شعر اللحية، وإذا اجتهد أحدهم في التأكيد على نفسه قال: هو محلوق اللحية إن لم يفعل كذا وكذا، وربما قال بعضهم هو منتوف اللحية إن لم يفعل كذا وكذا.
ومرادهم بهذا المثل أنه كما يكون محلوق اللحية أو منتوفها في غاية الذل والهوان والخزي بين الناس فكذلك تكون حال
[ ٤٧ ]
هذا الذي يؤكد على نفسه بضرب هذا المثل ثم لا يفعل ما يقول.
وكثيرًا ما يقبض بعضهم على لحيته إذا أراد التأكيد على نفسه في نفي شيء أو إثباته ثم يقول لمن يخاطبه احلق هذه أو انتف هذه إن كان كذا وكذا أو إن لم يكن كذا وكذا وإنما يقولون هذا مبالغة في تعظيم حلق اللحية ونتفها.
ولو قيل لأحدهم يا محلوق اللحية أو يا منتوف اللحية لغضب وبادر إلى عقوبة قائل ذلك لأنه من أبلغ السباب عندهم وإن كف عنه وسكت سكت على غيظ وحنق.
ومما يذكر عن العرب أنهم يقولون للرجل المعيب المتهم قد برقع لحيته أي غطاها، قال ابن منظور في لسان العرب يقال للرجل المأبون قد برقع لحيته ومعناه: تزيا بزي من لبس البرقع ومنه قول الشاعر:
ألم تر قيسًا قيس عيلان برقعت لحاها وباعت نبلها بالمغازل
والمأبون هو من رمى بخلة من خلال السوء قاله ابن الأثير وغيره من أهل اللغة.
وإذا كانت العرب تعيب وتذم ببرقعة اللحية فكيف بحلقها ونتفها فهاتان الخلتان أولى أن يذم بهما لأنهما أقرب إلى مشابهة النساء والتزيي بزيهن.
وقد كان الملوك فيما مضى يحلقون لحية الرجل إذا اشتد غضبهم عليه
[ ٤٨ ]
وأرادوا المبالغة في إهانته وإخزائه عند الناس ثم انعكس الأمر عند السفهاء فكانوا يستحسنون هذا الخزي ويتولون إخزاء أنفسهم بأيديهم وأموالهم وهذا من مكر الشيطان وتلاعبه بهم فما أشبههم بالذين قال الله تعالى فيهم ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨].
ومن عظم قدر اللحية عند أوائل هذه الأمة أن قيس بن سعد بن عبادة ﵄ كان سناطًا ليس في وجهه شعرة وكانت الأنصار تقول لوددنا أن نشتري لقيس بن سعد لحية بأموالنا.
ذكر ذلك الحافظ ابن حجر عن الزبير بن بكار وذكره ابن عبد البر عن غيره، وهذا بعكس ما عليه المفتونون بالتقاليد الإفرنجية في زماننا.
فأما الأنصار الذين هم من صفوة هذه الأمة وخيارها فيودون أن يشتروا لسيدهم لحية بأموالهم.
وأما الأغمار الذين هم من رذالة هذه الأمة وشرارها فيبذلون من أموالهم لمن يزيل عنهم اللحى أو بعضها، فشتان ما بين هؤلاء وبين أولئك قال الله تعالى ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر: ٥٨].
وقد ذكر البخاري في تاريخه الكبير عن عبد الرزاق قال: أخبرني أبي وغير واحد من أشياخنا أن همام بن منبه قعد إلى ابن الزبير في نفر من قريش وكان بنجران رجل من الأبناء يعظمونه
[ ٤٩ ]
يقال له حبشي ولم تكن له لحية وكان كوسجًا فقال له رجل من القرشيين ممن أنت؟ قال من أهل اليمن فقال ما فعلت عجوزكم - يريد حبشيًا - قال عجوزنا أسلمت مع سليمان لله رب العالمين وعجوزكم حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد فبهت الرجل فقال له ابن الزبير: ما تدري من كلمت لما تعرضت لابن منبه.
وفي هذه القصة إشارة إلى عظم قدر اللحية عند أوائل هذه الأمة ولهذا وصف الرجل القرشي من لا لحية له من الأبناء بصفة النساء فقال ما فعلت عجوزكم وأقره ابن الزبير والحاضرون عنده على ذلك.
ولكن لما كان مراده الغض من حبشي ومن يعظمه من أهل اليمن عدل همام في جوابه إلى ذكر امرأتين ذكرهما الله تعالى في كتابه إحداهما ممدوحة وهي ملكت أهل اليمن التي أسلمت مع سليمان لله رب العالمين، والأخرى مذمومة وهي من قريش.
[ ٥٠ ]