(فصلٌ)
والمشروع تغيير الشيب بغير السواد كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ. وأما ترك الشيب أبيض ناصعًا لا يغير فذلك من فعل اليهود والنصارى وقد نهينا عن التشبه بهم كما في الصحيحين ومسند الإمام أحمد والسنن الأربع عن أبي هريرة ﵁ قال قال النبي ﷺ إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم.
هذا لفظهم سوى الترمذي ولفظ الترمذي غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود ثم قال الترمذي حديث حسن صحيح وفي رواية للإمام أحمد غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى وأخرجه ابن حبان في صحيحه بهذا اللفظ وفي رواية للنسائي أن اليهود والنصارى لا تصبغ فخالفوا عليهم فاصبغوا. وله أيضًا عن الزبير وابن عمر ﵃ عن النبي ﷺ مثل رواية الترمذي ولكن قال النسائي كلاهما غير محفوظ.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري قوله إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم يقتضي مشروعية الصبغ والمراد به صبغ شيب اللحية والرأس ولا يعارضه ما ورد من النهي عن إزالة الشيب لأن الصبغ لا يقتضي الإزالة. ثم إن المأذون فيه مقيد بغير السواد لما أخرجه مسلم من حديث جابر ﵁ أنه ﷺ قال وجنبوه غيروه السواد انتهى.
[ ١٢٥ ]
وفي قوله ﷺ غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى دليل على أن التشبه بهم يحصل بغير قصد منا ولا فعل بل بمجرد ترك تغيير ما خلق فينا وهذا أبلغ من الموافقة الفعلية الاتفاقية قاله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وقال أيضًا قد تبين أن نفس مخالفتهم أمر مقصود للشارع في الجملة ولهذا كان الإمام أحمد بن حنبل وغيره من الأئمة يعللون الأمر بالصبغ بعلة لمخالفة قال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول ما أحب لأحد إلا أن يغير الشيب ولا يتشبه بأهل الكتاب لقول النبي ﷺ غيروا الشيب ولا تشبهوا بالسواد.
وقال إسحاق بن إبراهيم سمعت أبا عبد الله يقول لأبي يا أبا هاشم اختضب ولو مرة واحدة فأحب لك أن تختضب ولا تشبه باليهود انتهى.
وروى الإمام أحمد من حديث أبي أمامة ﵁ قال خرج رسول الله ﷺ على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم فقال يا معشر الأنصار حمروا أو صفروا وخالفوا أهل الكتاب قال الحافظ ابن حجر إسناده حسن قال وأخرج الطبراني في الأوسط نحوه من حديث أنس ﵁ قال وفي الكبير من حديث عتبة بن عبد ﵁ كان رسول الله ﷺ يأمر بتغيير الشعر مخالفة للأعاجم انتهى.
وقد دل حديث أبي أمامة ﵁ على أن تغيير الشيب يكون بالحمرة أو بالصفرة. وفي المسند والسنن عن أبي ذر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «إن أحسن ما غيرتم به هذا
[ ١٢٦ ]
الشيب الحناء والكتم» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضًا ابن حبان.
وفي رواية للنسائي أفضل ما غيرتم به الشمط الحناء والكتم. قال النووي الكتم بفتح الكاف والتاء المثناه من فوق المخففة هذا هو المشهور وهو نبات يصبغ به الشعر يكون بياضه أو حمرته إلى الدهمة وقال ابن حجر العسقلاني الكتم نبات باليمن يخرج الصبغ أسود يميل إلى الحمرة وصبغ الحناء أحمر فالصبغ بهما معًا يخرج بين السواد والحمرة انتهى.
وفي صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال دخلت على أم سلمة ﵂ فأخرجت إلينا شعرًا من شعر النبي ﷺ مخضوبًا.
زاد أحمد وابن ماجه بالحناء والكتم. وفي سنن أبي داود والنسائي عن أبي رمثة ﵁ قال أتيت أنا وأبي النبي ﷺ وكان قد لطخ لحيته بالحناء.
وفي رواية للنسائي قال أتيت النبي ﷺ ورأيته قد لطخ لحيته بالصفرة. ورواه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه ولفظهما قال أتيت النبي ﷺ وعليه بردان أخضران وله شعر قد علاه الشيب وشيبه أحمر. زاد الحاكم مخضوب بالحناء.
وفي رواية للإمام أحمد قال فرأيت برأسه ردع حناء قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
[ ١٢٧ ]
وفي مستدرك الحاكم أيضًا عن محمد بن عبد الله بن زيد أن أباه شهد النبي ﷺ عند المنحر هو ورجل من الأنصار فحلق رسول الله ﷺ رأسه في ثوبه فأعطاه فقسم منه على رجال وقلم أظفاره فأعطاه صاحبه قالوا فإنه عندنا مخضوب بالحناء والكتم قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الحافظ في تلخيصه.
وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال خضب أبو بكر وعمر ﵄ بالحناء والكتم وفي رواية اختضب أبو بكر ﵁ بالحناء والكتم واختضب عمر ﵁ بالحناء قال النووي معناه خالصًا لم يخلط بغيره انتهى.
وهو بفتح الباء وإسكان الحاء. وروى مالك في الموطأ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قال وكان جليسًا لهم وكان أبيض اللحية والرأس قال فغدا عليهم ذات يوم وقد حمرهما قال فقال له القوم هذا أحسن فقال إن أمي عائشة زوج النبي ﷺ أرسلت إلي البارحة جاريتها نخيلة فأقسمت علي لأصبغن وأخبرتني أن أبا بكر الصديق كان يصبغ.
وفي سنني أبي داود وابن ماجة عن ابن عباس ﵄ قال مر على النبي ﷺ رجل قد خضب بالحناء فقال ما أحسن هذا قال فمر آخر قد خضب بالحناء والكتم فقال هذا أحسن من هذا قال فمر آخر قد خضب بالصفرة فقال هذا أحسن من هذا كله.
[ ١٢٨ ]
وفي مستدرك الحاكم من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول الصفرة خضاب المؤمن والحمرة خضاب المسلم والسواد خضاب الكافر.
وقال الحكم بن عمرو الغفاري ﵁ دخلت أنا وأخي رافع بن عمرو على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأنا مخضوب بالحناء وأخي مخضوب بالصفرة فقال لي عمر بن الخطاب ﵁ هذا خضاب الإسلام وقال لأخي رافع هذا خضاب الإيمان رواه الإمام أحمد قال الهيثمي وفيه عبد الصمد بن حبيب وثقه ابن معين وضعفه أحمد وبقية رجاله ثقات.
وروى البخاري في تاريخه والحسن بن سفيان في مسنده عن حسان بن أبي جابر السلمي ﵁ قال كنا نطوف مع النبي ﷺ بالبيت فرأى قومًا صفروا لحاهم وآخرين حمروها فسمعته يقول مرحبًا بالمصفرين والمحمرين.
وفي سنني أبي داود والنسائي عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال كان النبي ﷺ يلبس النعال السبتية ويصفر لحيته بالورس والزعفران وكان ابن عمر ﵄ يفعل ذلك ورواه الإمام أحمد في مسنده بنحوه وليس عنده ذكر الورس والزعفران وفي رواية لأبي داود والنسائي عن زيد بن أسلم قال رأيت ابن عمر ﵄ يصفر لحيته بالخلوق فقلت يا أبا عبد الرحمن إنك تصفر بالخلوق قال إني رأيت رسول الله ﷺ يصفر بها لحيته ولم يكن
[ ١٢٩ ]
شيء من الصبغ أحب إليه منها. وذكر تمام الحديث. وهذا لفظ النسائي.
وفي سنن ابن ماجه عن سعيد ابن أبي سعيد أن عبيد بن جريج سأل ابن عمر ﵄ قال رأيتك تصفر لحيتك بالورس فقال ابن عمر ﵄ أما تصفيري لحيتي فإني رأيت رسول الله ﷺ يصفر لحيته. إسناده صحيح وهو مخرج في الصحيحين لكن بغير هذا اللفظ وقد رواه الإمام مالك في موطئه والإمام أحمد في مسنده من طريق مالك بنحو رواية ابن ماجه.
وقال أبو مالك الأشجعي عن أبيه ﵁ كان خضابنا مع رسول الله ﷺ بالورس والزعفران رواه الإمام أحمد. وقد أفادت هذه الأحاديث أن الألوان التي يصبغ بها الشيب ثلاثة الأحمر والأصفر والأدهم وهو ما بين الحمرة والسواد.
وأفاد حديث ابن عباس ﵄ أن أحسنها الصفرة ثم الدهمة ثم الحمرة. وقد كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى يخضب بالحمرة قال أبو داود رأيت أحمد يخضب بالحمرة ورأيته قبل ذلك يخضب لحيته ولا يخضب رأسه وكان الشيب في رأسه يومئذ قليلًا. وقال أحمد رحمه الله تعالى إني لأرى الشيخ المخضوب فأفرح به.
وقال صالح بن الإمام أحمد جاء رجل من جيراننا قد خضب فقال أبي إني لأرى الرجل يحيي شيئًا من السنة فأفرح به.
[ ١٣٠ ]
وذاكر أحمد رحمه الله تعالى رجلًا فقال لم لا تختضب فقال أستحي قال سبحان الله سنة رسول الله ﷺ. وقال المروذي قلت - يعني لأحمد - يحكى عن بشر بن الحارث أنه قال قال لي ابن داود خضبت قلت أنا لا أتفرغ لغسلها فكيف أتفرغ لخضابها فقال أنا أنكر أن يكون بشر كشف عمله لابن داود.
ثم قال النبي ﷺ قال غيروا الشيب. وأبو بكر وعمر ﵄ خضبا والمهاجرون فهؤلاء لم يتفرغوا لغسلها النبي ﷺ قد أمر بالخضاب فمن لم يكن على ما كان عليه رسول الله ﷺ فليس من الدين في شيء.
[ ١٣١ ]