(فصلٌ)
وقد كان رسول الله ﷺ كث اللحية ضخمها عظيمها قد ملأت نحره وكان أشبه الناس بإبراهيم خليل الرحمن كما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أنا أشبه ولد إبراهيم به».
وفي الصحيحين أيضًا من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم.
وفي رواية لأحمد نظرت إلى إبراهيم فلم أنظر إلى أرب منه إلا نظرت إليه مني حتى كأنه صاحبكم.
وفي هذين الحديثين دليل على أن إبراهيم ﵊ كان ذا لحية عظيمة تشبه لحية رسول الله ﷺ وقد كان إعفاء اللحى من ملته وهدي من قبله ومن بعده من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وفي حديث الإسراء أن رسول الله ﷺ رأى هارون بن عمران وقال في نعته تكاد لحيته تصيب سرته من طولها رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقد أخبر الله عنه أنه قال لأخيه موسى: يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي فدلت الآية الكريمة على أنه كان ذا لحية طويلة يتمكن موسى من الأخذ بها.
[ ٢٨ ]
وقد روى الحاكم عن هشام بن العاص الأموي قال: بعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام - فذكر القصة بطولها وفيها أن هرقل أراهم صور الأنبياء فذكر في صفة نوح ﵊ أنه كان حسن اللحية، وفي صفة إبراهيم ﵊ أنه كان أبيض اللحية وفي صفة إسحاق ﵊ أنه كان خفيف العارضين وفي صفة عيسى ﵊ أنه كان شديد سواد اللحية.
قال الحافظ ابن كثير إسناده لا بأس به.
وروى الحاكم أيضًا في مستدركه عن كعب الأحبار أنه قال كان إسحاق بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام جعد الرأس واللحية.
وقد جاء وصف رسول الله ﷺ في حديث قدسي بأنه كث اللحية، فروى إسحاق بن بشر عن سعيد بن أبي عروبة ومقاتل عن قتادة عن عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة ﵁ قال: أوحى الله ﷿ إلى عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام =فذكر الأثر وفيه= صدقوا النبي الأمي العربي = فذكر جملة من صفاته ومنها = الجعد الرأس الكث اللحية.
ورواه البيهقي في دلائل النبوة من طريق يعقوب بن سفيان حدثنا فيض البجلي حدثنا سلام بن مسكين عن مقاتل بن حيان قال: أوحى الله إلى عيسى فذكره.
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث محمد بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب ﵁ قال كان رسول الله ﷺ كث اللحية.
[ ٢٩ ]
قال الجوهري كث الشيء كثاثة أي كثف وكذا قال ابن منظور في لسان العرب قال ولحية كثة وكثاء كثرت أصولها وكثفت وقصرت وجعدت فلم تنبسط وفي صفته ﷺ أنه كان كث اللحية أراد كثرة أصولها وشعرها وأنها ليست بدقيقة ولا طويلة وفيها كثافة قال: وقال ابن دريد لحية كثة كثيرة النبات انتهى.
وروى الإمام أحمد أيضًا والحاكم في مستدركه من طريق عثمان بن مسلم بن هرمز عن نافع بن جبير بن مطعم عن علي بن أبي طالب ﵁ قال كان رسول الله ﷺ ضخم الرأس واللحية، قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
قال الجوهري وابن منظور في لسان العرب الضخم الغليظ من كل شيء وقال صاحب القاموس العظيم من كل شيء، والمراد بضخامة اللحية عظمها لما روى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند بأسانيد جيدة من طريق عبد الملك بن عمير وصالح بن سعيد عن نافع بن جبير بن مطعم عن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ عظيم اللحية.
وفي المسند وصحيح مسلم عن جابر بن سمرة ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ كثير شعر اللحية.
وفي سنن النسائي عن البراء ﵁ قال كان رسول الله ﷺ كث اللحية.
[ ٣٠ ]
وروى الترمذي في الشمائل والطبراني في الكبير والبيهقي في شعب الإيمان وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة من حديث هند بن أبي هالة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ كث اللحية.
وروى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه نعت رسول الله ﷺ فذكر من صفته أنه كان كث اللحية.
وقد وصفته أيضًا أم معبد الخزاعية لزوجها حين مر بها رسول الله ﷺ في هجرته إلى المدينة فقالت وفي لحيته كثاثة رواه الحاكم في مستدركه وصححه والبيهقي وأبو بكر الآجري في حديث طويل.
وروى الإمام أحمد في مسنده والترمذي في الشمائل عن يزيد الفارسي قال: رأيت النبي ﷺ في النوم زمن ابن عباس ﵄ فقلت لابن عباس إني رأيت رسول الله ﷺ في النوم فقال ابن عباس ﵄ إن رسول الله ﷺ كان يقول إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي فمن رآني في النوم فقد رآني هل تستطيع أن تنعت هذا الرجل الذي رأيته في النوم قال نعم أنعت لك رجلًا بين الرجلين جسمه ولحمه أسمر إلى البياض أكحل العينين حسن الضحك جميل دوائر الوجه قد ملأت لحيته ما بين هذه إلى هذه قد ملأت نحره فقال ابن عباس ﵄ لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا.
[ ٣١ ]