لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا * فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ وقال تعالى ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾.
الوجه الرابع: أن كلام الصواف ينقض بعضه بعضا فقد ذكر ههنا أن أول من قال بحركة الأرض حول محورها "كوبرنيكس". وذكر في صفحة ٣١ أن بعض الفلكيين في زمن العباسين قالوا بحركة الأرض، وهذا تناقض. والصحيح ما ذكره ههنا، وهذه الأولية بالنسبة لإحياء مذهب فيثاغورس اليوناني بعد أن كان عاطلا مهجورا من قبل زمان المسيح بنحو مائة وخمسين سنة، وأما على الإطلاق فالأولية لفيثاغورس فهو أول من قال بحركة الأرض ودورانها حول الشمس.
ومن تناقض الصواف أيضا أنه ذكر في هذا الموضع أن الشمس والكواكب السيارة وأقمارها تجري في الفضاء نحو برج النسر بسرعة غير معهودة لنا على الأرض. وقال في صفحة ٣٨ أن النظام الشمسي كله ينهب الفضاء نهبا بسرعة متجهة نحو برج هركيوليس، وقال في صفحة ٦١ أن الشمس ثابتة ومتحركة في آن واحد، ثابتة على محورها ومتحركة حول هذا المحور أي دائرة حول نفسها مثل المروحة السقفية الكهربائية، وهذا تناقض عجيب. وقد تقدم التنبيه عليه، وهذه الأقوال المتناقضة كلها باطلة كما هو موضح فيما تقدم وفيما سيأتي إن شاء الله تعالى.
الوجه الخامس: أن ما زعمه الصواف من كون "سيمون" حجة في عام الفلك مردود. وكذلك غير "سيمون" من الفلكيين فليس قول أحد منهم
[ ١٠٧ ]
وتخرصه حجة على غيره.
وقد أجمع المسلمون على أن الرسول - ﷺ - هو الحجة.
قال مجاهد ليس أحد بعد النبي - ﷺ - إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي - ﷺ - رواه البخاري في جزء رفع اليدين بإسناد صحيح.
واختلف العلماء في قول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف منهم، والصحيح أنه حجة.
واختلف الرواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى في الاحتجاج بقول عمر بن عبد العزيز ﵁، والصحيح أنه ليس بحجة.
وأما من سواه من التابعين ومن بعدهم، فلا خلاف أنه لا حجة في قول أحد منهم.
وإذا كانت أقوال علماء المسلمين بعد الصحابة ليست بحجة، فأقوال فلاسفة الإفرنج وتخرصاتهم أولى وأحرى أن لا تكون حجة، ولاسيما في الأخبار عن الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا طريق الوحي فإن أقوالهم فيها وتخرصاتهم مردودة عليهم بلا توقف.
الوجه السادس: أن يقال من قلب الحقائق وصف هوس "سيمون" وهذيانه بأنه من أعظم الحقائق التي اكتشفها العقل البشري في كافة العصور، وكفى بالرجل جهلا وغباوة أن يرى الهوس والهذيان من أعظم الحقائق.
الوجه السابع: أن يقال أن العقول البشرية أضعف وأعجز من أن تكتشف ما في السماء الدنيا التي بينها وبين الأرض مسيرة خمسمائة عام، وهي عن اكتشاف ما هو أبعد من ذلك أضعف وأعجز، فضلا عن اكتشاف البرج
[ ١٠٨ ]
الذي زعمه "سيمون" في هوسه وهذيانه وحدد بعده الشاسع تحديد من ذهب إليه وقاسه أو من كان معه نص عن الله تعالى أو عن رسوله - ﷺ - يطابق ما قاله.
والتحقيق أن ما قاله "سيمون" هو الجهل والهوس والهذيان الذي يشبه هذيان المجانين، ومع هذا فقد صادف هوسه وهذيانه آذانا مصغية إليه وقلوبا فارغة من العلم النافع بل منكوسة ترى الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق، ولم يقف أهلها عند هذا الحد بل جعلوا كتاب الله ملعبة لهم يلحدون فيه ويتأولونه على ما يوافق تخرصات المتخرصين وهذيان المبرسمين، عافانا الله وإخواننا المسلمين مما ابتلاهم به.
الوجه الثامن: أن البروج كلها في السماء الدنيا بنص القرآن قال الله تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾.
قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو صالح والحسن وقتادة: البروج هي الكواكب العظام، وقال البغوي: هي النجوم الكبار مأخوذ من الظهور يقال تبرجت المرأة أي ظهرت. وقال أيضا: وسميت بروجا لظهورها.
وقال تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ وقال تعالى ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ففي هذه الآيات كلها النص على أن الكواكب في السماء، وفي الآية من سورة الصافات وما بعدها النص على أنها في السماء الدنيا.
[ ١٠٩ ]
والنسر من جملة الكواكب الثوابت التي قد جعلت زينة للسماء الدنيا، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال «بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة» رواه عن النبي - ﷺ - أربعة من الصحابة وهم عبد الله بن عمرو وأبو هريرة والعباس وأبو سعيد ﵃، وروي أيضا عن ابن مسعود ﵁ موقوفا وله حكم الرفع كنظائره.
وفي الآيات التي ذكرنا مع هذه الأحاديث أبلغ رد على ما هذى به "سيمون" في بعد النسر.
الوجه التاسع: قال بعض السلف أن ارتفاع العرش عن الأرض السابعة خمسون ألف سنة، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄. ولو كان الأمر في بعد النسر على ما زعمه "سيمون" لكان محله فوق العرش وهذا من أبطل الباطل فإنه ليس فوق العرش شيء سوى الله تعالى.
الوجه العاشر: أن الله تعالى قال ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ وقال تعالى ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ وقال تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾.
وقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على أن السموات مستديرة وقرروا أن كل سماء محيطة بالسماء التي تحتها وما حوت، والشمس في السماء بنص القرآن، وسيأتي ما يدل على أنها في السماء الدنيا، وعلى هذا فالسموات الشداد التي ليس لها فروج وليس فيها فطور قد أحاطت بالشمس من كل جانب، فليس لها طريق تنفذ منه وتذهب نحو البرج الذي توهمه "سيمون"
[ ١١٠ ]
بعقله الفاسد.
الوجه الحادي عشر أن الله تعالى قال ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ وقال تعالى مخبرا عن نوح ﵇ أنه قال لقومه ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾. وفي هذه الآيات النص على أن الشمس في السماء.
وقد روى ابن مردويه عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «أما السماء الدنيا فإن الله خلقها من دخان، وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وزينها بمصابيح، وجعلها رجوما للشياطين، وحفظا من كل شيطان رجيم».
وروى البيهقي في كتاب الأسماء والصفات بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال «خلق الله سبع سموات، وخلق فوق السابعة الماء، وجعل فوق الماء العرش، وجعل في السماء الدنيا الشمس والقمر والنجوم والرجوم».
وفي الآيات التي ذكرنا مع هذين الحديثين ومع ما تقدم في الوجه الثامن من النصوص على أن الكواكب في السماء الدنيا أبلغ رد على ما هذى به "سيمون" في بعد النسر عن الشمس.
وعلى هذا فنقول على سبيل الفرض والتقدير لو كان النسر ثابتا في موضع من السماء لا يزايله ثم سارت الشمس نحوه لوصلت إليه في يوم واحد أو أقل من ذلك، لأنها تقطع الفلك في يوم وليلة وتقطع من كل موضع منه إلى ما يقابله من الناحية الأخرى في اثنتي عشرة ساعة، والمسافة بين جرمين يضمهما سماء واحد لا تكون أكثر من نصف الفلك والله أعلم.
[ ١١١ ]
الوجه الثاني عشر: أن يقال أن القرآن منزه عن تخرصات كوبرنيكس وهوس سيمون وهذيانه، وما زعمه الصواف من كون القرآن الكريم قد قرر ذلك وأنه من معجزات القرآن العلمية فهو كذب على الله وعلى كتابه. وقد قال الله تعالى ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ قال أبو قلابة: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة.
وأين في القرآن أن للأرض محورا وأنها تدور حوله، وأن ما يظهر للناس من حركة الشمس والنجوم إنما هو ناتج من دوران الأرض؟
وأين في القرآن أن للكواكب السيارة أقمارا، وأن هناك مجموعة شمسية، وأن الشمس والكواكب السيارة وأقمارها تجري في الفضاء نحو برج النسر بسرعة غير معهودة للناس على الأرض يكفي لتصويرها أننا لو سرنا بسرعة مليون ميل يوميا فلن تصل مجموعتنا الشمسية إلى هذا البرج إلا بعد مليون ونصف مليون سنة من وقتنا الحاضر؟
أما يستحي الصواف من إيراد هذا الهذيان الذي يضحك منه الصبيان فضلا عن العقلاء؟
أما يستحي من الجراءة العظيمة على الله وعلى كتابه؟
أما يخاف أن يلحقه الوعيد الشديد الذي توعد الله به المفترين عليه.
الوجه الثالث عشر: أن يقال أن تخرصات كوبرنيكس وهوس سيمون ليست من علوم المسلمين، ومع هذا فقد أدخلها الصواف في علم الفلك الذي نسبه إلى المسلمين، وهذا من أكبر الخطأ وأعظم الفرية.
[ ١١٢ ]