وقال الشيخ أيضا: " قد ثبت بالكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة أن الأفلاك مستديرة". ثم ذكر الأدلة على ذلك، ومنها قوله تعالى ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ثم ذكر كلام ابن عباس ﵄ الذي تقدم ذكره، قال: "وهذا صريح الاستدارة والدوران، وأصل ذلك أن الفلك في اللغة هو الشيء المستدير، يقال تفلك ثدي الجارية إذا استدار، ويقال لفلكة المغزل المستديرة فلكة لاستدارتها، فقد اتفق أهل التفسير واللغة على أن الفلك هو المستدير. والمعرفة لمعاني كتاب الله إنما تؤخذ من هذين الطريقين: من أهل التفسير الموثوق بهم من السلف، ومن اللغة التي نزل القرآن بها وهي لغة العرب".
قال: "والحس مع العقل يدل على ذلك فإنه مع تأمل دوران الكواكب القريبة من القطب في مدار ضيق حول القطب الشمالي، ثم دوران الكواكب المتوسطة في السماء في مدار واسع، وكيف يكون في أول الليل وفي آخره - يعلم ذلك، وكذلك من رأى الشمس وقت طلوعها واستوائها وغروبها في الأوقات الثلاثة على بعد واحد وشكل واحد ممن يكون على ظهر الأرض علم أنها تجري في فلك مستدير" انتهى.
وقد جزم الصواف في صفحة ٤٩ أن الأفلاك مستديرة فنقض ما قرره في صفحة ٣١.
فصل
وفي صفحة ٣١ أيضا ذكر الصواف عن الفلكيين من أهل بغداد ممن كان في زمان الرشيد والمأمون أنهم شكوا في ثبات الأرض، بل قال بعضهم بحركتها.
والجواب عن هذا من وجهين أحدهما أن ما ذكره في هذا الموضع قد قرر خلافه في صفحة ٤٣، حيث قال: "كان أول من قال بحركة الأرض حول محورها كوبرنيكس في عام ١٥٤٣"
[ ٥٠ ]
وقد كفانا الصواف مؤنة الرد عليه حيث رد هو على نفسه.
وما ذكره في صفحة ٤٣ قد ذكر مثله محمد فريد وجدي في دائرة المعارف فقال في الكلام على علم الفلك بعد أن ذكر المشتغلين به في زمان بني العباس وما بعده ما نصه:
"في كل هذه القرون كان مذهب بطليموس هو المعول عليه، وهو المذهب الذي يعتبر الأرض مركز الكون، فلما نشأ كوبرنيكس البروسي في منتصف القرن السادس عشر - أي الميلادي - أحيا مذاهب فيثاغورس الذي يفرض أن الشمس مركز المجموعة الشمسية، وأن الأرض وبقية السيارات تدور حولها".
وذكر محمد فريد أيضا في الكلام على الأرض: "أن فيثاغورس قال بدوران الأرض حول الشمس، فقبل الناس نظريته زمانا طويلا حتى نبغ الفلكي الاسكندر بطليموس الذي كان عائشا قبل الميلاد بنحو قرن ونصف، فقرر أن الأرض وإن كانت كروية إلا أنها ساكنة غير متحركة، وأن الشمس هي التي تدور حولها فراجت نظريته هذه في العقول وبقيت شائعة سائدة حتى ظهر الفلكي البولوني الشهير كوبرنيكس في القرن السادس عشر الميلادي، فقرر رأي فيثاغورس، وأيده بالأدلة الرياضية علماء الهيئة في كل مكان، ولا تزال هي السائدة إلى اليوم "انتهي.
قلت: إنما كانت سائدة عند فلاسفة الإفرنج ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من العصريين، فأما عند المتمسكين بالكتاب والسنة فهي باطلة مردودة لمخالفتها للأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول الصحيح، وقد ذكرت الأدلة على بطلانها في أول الصواعق الشديدة فلتراجع هناك.
[ ٥١ ]