وإذا كان يوم القيامة لم تبق الشمس على حالها في الدنيا بل تكور ويذهب ضوؤها كما دل على ذلك الكتاب والسنة.
فصل
وقال الصواف في صفحة ٦٠ - ٦١ - ٦٢ - ٦٣ ما نصه.
(سكون الشمس وجريانها) والقول بجريانها وسيرها أو ثبوتها وقرارها قد سبق إليه العلماء الأعلام ممن اشتغل بهذا العلم من المسلمين في القديم والحديث وغيرهم، أما القول بثبوتها وقرارها كما يثبت الجبل في محله والسهل في مكانه فلم يقل به أحد فيما نعلم، والذين قالوا بقرارها قالوا هي ثابتة ومتحركة في آن واحدة، ثابتة على محورها الذي أرساه الله لها، ومتحركة حول هذا المحور أي هي دائرة حول نفسها، ومثلها مثل المروحة السقفية الكهربائية فهي ثابتة في سقفها، وهي متحركة حول نفسها وبحركتها ينطلق الهواء المطلوب، وهؤلاء استدلوا بقوله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ وفسروا المستقر بالمحور، وقد قال بمثل هذا القول رجال من سلف هذه الأمة الخيار، وهم من خير العصور، بل هم من العصر الأول الذي هو خير العصور، فقد ورد عن التابعي المشهور مجاهد ﵀ أنه قال في تفسير قوله تعالى ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾: "إنه كحسبان الرحى" وتبعه على ذلك بعض العلماء، وهذا يوافق قول من قال أنها تجري حول نفسها، وهل يجد القارئ الكريم فرقا بين المثل الذي ضربته وهو المروحة حيث تتحرك وهي ثابتة وبين ما قاله مجاهد ومثله بالرحا، حيث تتحرك كذلك حول نفسها وهي ثابتة بمكانها، وقد ذكر قول مجاهد هذا الإمام البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب بدأ الخلق حيث قال: "باب صفة الشمس والقمر، بحسبان: قال مجاهد: كحسبان
[ ١٥٥ ]
الرحا، وقال غيره: بحسبان ومنازل لا يعدوانها، وحسبان جمع حساب مثل شهاب وشهبان، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري عند هذه الترجمة ما نصه: "قوله قال مجاهد: كحسبان الرحى، وصله
الفريابي في تفسيره من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، ومراده أنهما يجريان على حساب الحركة الرحوية الدورية وعلى وضعها. قال وقال غيره حساب ومنازل لا يعدوانا. ووقع في نسخة الصغاني عن ابن عباس. وقد وصله عبد بن حميد من طريق أبي مالك وهو الغفاري مثله. وروى الحربي والطبري عن ابن عباس نحوه بإسناد صحيح وبه جزم الفراء. انتهى.
ونقل هذا المعنى عن مجاهد جماعة من المفسرين الكبار الأئمة منهم الإمام أبو جعفر بن جرير والإمام أبو عبد الله القرطبي وغيرهما، كما نقل عن مجاهد ﵀ وجه آخر يخالف هذا الوجه، وذلك فيما رواه عنه الإمام أبو جعفر ابن جرير في تفسيره حيث قال عند تفسير قوله جل وعلا في سورة الأنعام ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾: "حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ قال هو مثل قوله ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ومثل قوله ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ " انتهى.
وقال ابن حبان في تفسيره البحر المحيط: "قال مجاهد: الحسبان الفلك المستدير شبهه بحسبان الرحى، وهو العود المستدير الذي باستدارته تستدير المطحنة"
ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن أبي الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي وأبي محمد بن حزم وأبي الفرج بن الجوزي أنهم حكوا الإجماع على أن الأفلاك مستديرة، كما ذكرنا ذلك سابقا.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن العلماء الأعلام من
[ ١٥٦ ]
الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى زمننا كلهم مجمعون على القول بجريان الشمس في الفلك تصديقا لما أخبر الله به في كتابه، وما أخبر به رسول الله - ﷺ - في الأحاديث الصحيحة، ولم يقل أحد منهم بثبات الشمس واستقرارها لا في القديم ولا في الحديث، والعبرة بهم لا بغيرهم.
ومن حاد عن منهاج الصحابة والتابعين من الفلكيين وغيرهم، فهو من الجهال لا من العلماء ولا عبرة به.
الوجه الثاني أن يقال إن الذين سبقوا إلى القول بثبات الشمس واستقرارها هم فيثاغورس اليوناني وأتباعه في القديم، وكوبرنيك البولوني وهرشل الإنجليزي وأتباعهما من فلاسفة الإفرنج في الحديث، وهؤلاء ليسوا من المسلمين فضلا عن أن يكونوا من العلماء الأعلام.
وزَعْمُ الصواف أنهم من المسلمين، ومن العلماء الأعلام لا أساس له من الصحة، وإنما هو تمويه وتلبيس على الجهلة الأغبياء.
الوجه الثالث أن الصواف قد جمع في كلامه بين النقيضين فقال في الترجمة ما نصه (سكون الشمس وجريانها) وهذا تناقض لا يصدر من عاقل لأن السكون ينافي الجريان.
الوجه الرابع أن كلام الصواف يوهم أن الفلكيين المنتسبين إلى الإسلام في القديم كانوا يقولون بثبات الشمس واستقرارها، وهذا كذب عليهم لأن الفلكيين قبل ظهور أهل الهيئة الجديدة كانوا على القول بثبات الأرض واستقرارها وجريان الشمس وسيرها، وأول من قال بخلاف ذلك هو كوبرنيك البولوني في أثناء القرن العاشر من الهجرة وتبعه على ذلك من كان بعده من فلاسفة الإفرنج، ولما كان في القرن الرابع عشر من الهجرة كثر المقلدون
[ ١٥٧ ]
لأهل الهيئة الجديدة من العصريين المنتسبين إلى العلم، فخالفوا ما جاء في كتاب الله وما صح عن رسول الله - ﷺ - وما أجمع عليه المسلمون، ولا عبرة بهؤلاء العصريين المفتونين بآراء الإفرنج وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة، وكما أنه لا يعتد بأقوال أعداء الله في شيء من المسائل العلمية فكذلك لا يعتد بأقوال أتباعهم ومقلديهم بطريق الأولى ولو كانوا من المسلمين.
الوجه الخامس ذكر الألوسي في صفحة ٢٩ من كتابه الذي سماه (ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة) أن أصحاب الزيج الجديد ذهبوا إلى أن الشمس ساكنة لا تتحرك أصلا، وأنها مركز العالم وأن الأرض وكذا سائر السيارات والثوابت تتحرك عليها، وهذا يرد قول الصواف أن القول بثبات الشمس واستقرارها كما يثبت الجبل في محله لم يقل به أحد.
الوجه السادس أنه لم يجئ في كتاب الله تعالى ولا عن النبي - ﷺ - قط أن للشمس محورًا تدور عليه، ومن أثبت أن للشمس أو غيرها من الأجرام العلوية ما لم يخبر الله به ولا رسوله - ﷺ - فهو متخرص متبع للظن. وقد قال الله تعالى ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾.
والعلم ما جاء في كتاب الله تعالى، وما ثبت عن النبي - ﷺ - قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
الوجه السابع أن القول بثبات الشمس على محورها، ودورانها حول نفسها
[ ١٥٨ ]
وتمثيلها بالمروحة السقفية الكهربائية ينافي ما أخبر الله به من جريانها وسبحها في الفلك ودؤوبها في ذلك، وما أخبر به من طلوعها وغروبها ودلوكها وأنه يأتي بها من المشرق، وما أخبر به رسول الله - ﷺ - من جريانها وذهابها إلى مستقرها تحت العرش إذا غربت، ورجوعها إلى مطلعها وطلوعها وارتفاعها واستوائها وزوالها ودنوها للغروب وغروبها، وحبسها ليوشع بن نون حين حاصر القرية حتى فتحها الله عليه، وقد ذكرت الآيات والأحاديث الدالة على جريان الشمس في أول الصواعق الشديدة فلتراجع هناك.
وقد وقال النبي - ﷺ - لأبي ذر ﵁ حين غربت الشمس «تدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد، فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾» رواه الشيخان والإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وفي رواية لمسلم أن رسول الله - ﷺ - قال يوما «أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال: إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها ارجعي ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها».
[ ١٥٩ ]
وهذا الحديث الصحيح صريح في بيان المراد من قول الله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ وفيه الرد على من تأول الآية على غير تأويلها.
الوجه الثامن قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: "من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله، ملحد في آيات الله، محرف للكلم عن مواضعه". انتهى.
ومن الافتراء على الله والإلحاد في آياته وتحريف الكلم عن مواضعه تفسير المستقر بالمحور الذي تدور عليه الشمس على حد زعمهم الباطل. ومخالفة ما ثبت عن النبي - ﷺ - في تفسير قول الله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ الآية. وقد تقدم حديث أبي ذر ﵁ في ذلك وفيه كفاية في الرد على من فسر المستقر بالمحور.
الوجه التاسع أن تفسير المستقر بالمحور الذي تدور عليه الشمس وهي ثابتة في موضعها كما تدور المروحة السقفية الكهربائية خطأ مردود من وجهين.
أحدهما أن الذي يجري لا يثبت في موضعه بل يفارقه بالانتقال إلى غيره كما قال الله تعالى مخبرا عن سفينة نوح ﵇ ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ الآيات إلى قوله تعالى ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ الآية ففرق ﵎ بين جري السفينة في الماء وبين رسوها واستوائها على جبل الجودي.
وقال تعالى ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * إِنْ يَشَا يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ ففرق ﷾ بين جري السفن في الماء وبين ركودها على ظهر البحر وهو وقوفها وسكونها عليه.
[ ١٦٠ ]
وقال تعالى ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ الآية. والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا.
ثانيهما أن الذي يدور على محوره مع ثباته في موضعه لا يوصف بالجريان وإنما يوصف بالدوران فقط. والله ﵎ قد وصف الشمس بصفات لا تنطبق على ما هو ثابت في موضعه ودائر على محوره فوصفها بالجريان والدؤوب في ذلك والسبح في الفلك والطلوع والغروب والدلوك والتزاور. وأخبر أنه يأتي بها من المشرق. وكذلك الرسول - ﷺ - قد وصفها بالجريان والطلوع والارتفاع والاستواء والزوال والدنو من المغرب والغروب والذهاب إلى مستقرها تحت العرش إذا غربت ورجوعها بعد ذلك إلى مطلعها، وأخبر أنها حبست ليوشع بن نون حين حاصر القرية حتى فتحها الله عليه، وهذه الصفات لا تنطبق على ما هو ثابت في موضعه ودائر على محوره كالمروحة السقفية الكهربائية وإنما تنطبق على ما هو سائر على الدوام.
وبما ذكرنا يتضح بطلان ما حاوله المقلدون لأهل الهيئة الجديدة من حمل الآية الكريمة على زعمهم الباطل.
وههنا أمران ينبغي التنبيه عليهما. أحدهما أن لفظ الدوران لفظ مشترك لأنه يطلق على ما يدور على نفسه وهو ثابت في موضعه كالمراوح الكهربائية. ويطلق على ما يجري ويدور في شيء متسع جدا كالشمس والقمر والنجوم التي تجري في الفلك وتدور على الأرض، فمن جعل جريانها في الفلك ودورانها على الأرض مثل دوران المراوح الكهربائية فقد غلط غلطا فاحشا، ومن فرق بينها وبين ما يدور على نفسه وهو ثابت في موضعه فقد أصاب.
[ ١٦١ ]
الأمر الثاني أن المواصفات بالجريان أو الدوران على ثلاثة اضرب.
الأول ما يوصف بالجريان فقط كالرياح والسفن والخيل والأنهار والعيون وغيرها ممن يجري في جهة أو جهات غير مستديرة.
الثاني ما يوصف بالدوران فقط كالمراوح الكهربائية التي تدور وهي ثابتة في مواضعها.
الثالث ما يجري في شيء مستدير فهو بهذا يجمع بين الجريان والدوران كالشمس والقمر والنجوم فإنها تجري في الفلك - والفلك مستدير بالإجماع - وتدور على الأرض فمن أجل كونها تجري في الفلك توصف بالجريان كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة من القرآن ومن السنة أيضا في جريان الشمس، ومن أجل كونها تدور على الأرض في فلك مستدير تقطعه في كل يوم وليلة توصف بالدوران كما قال ذلك من قاله من السلف كمجاهد وغيره.
ونظير ذلك الطائف بالكعبة فإنه يجمع بين المشي والدوران على الكعبة، وكما لا يقول عاقل إن الطائف بالكعبة إنما يوصف بالدوران على نفسه، فكذلك لا يقول عاقل إن الشمس والقمر والنجوم إنما توصف بالدوران فقط كما تدور المراوح الكهربائية.
الوجه العاشر أن الصواف أخطأ خطأ كبيرا على مجاهد وغيره من الرجال الذين أشار إليهم بقوله (وقد قال بمثل هذا القول رجال من سلف هذه الأمة الخيار وهم من خير العصور بل هم من العصر الأول الذي هو خير العصور).
وهذا كذب على مجاهد وغيره ممن أشار إليهم في كلامه هذا، فلم يقل أحد
[ ١٦٢ ]
من الصحابة الذين هم خير العصور ولا التابعين ولا تابعيهم بإحسان ولا أئمة العلم والهدى من بعدهم أن الشمس ثابتة، وأنها تدور حول نفسها كما تدور المروحة السقفية الكهربائية، وأن مستقرها هو محورها الذي تدور عليه، ومن زعم أن أحدا منهم قال بهذا القول الباطل فهو مفتر أثيم. وقد قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ قال أبو قلابة: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة.
وقد سبق للصواف أن أورد آيات من القرآن وألحد فيها، حيث تأولها على غير تأويلها، وحملها على ما هو مفتون به من آراء الإفرنج وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة، ومن كان جريئا على الإلحاد في آيات الله وتحريف الكلم عن مواضعه فغير مستبعد منه أن يفتري على مجاهد وغيره من السلف الصالح ويقول عليهم ما لم يقولوه ولا يحتمله كلامهم.
الوجه الحادي عشر أن مجاهدًا إنما أراد بالحسبان الفلك الذي تجري فيه الشمس والقمر والنجوم ولم يرد به المحور الذي زعمه الصواف تبعا لأئمته أهل الهيئة الجديدة، فروى ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدًا يقول ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قال النجوم والشمس والقمر فلك كفلكة المغزل، وقال مثل ذلك الحسبان يعني حسبان الرحى وهو سفودها القائم الذي تدور عليه، وكان مجاهد يفسر قوله تعالى ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ بهذا. قال مجاهد: "ولا يدور المغزل إلا بالفلكة ولا تدور الفلكة إلا بالمغزل، ولا يدور الحسبان إلا بالرحى، ولا تدور الرحى إلى بالحسبان". قال: فكذلك النجوم والشمس والقمر هي في فلك لا يَدُمْنَ إلا به، ولا يدوم
[ ١٦٣ ]
إلا بهن، قال فنقر لي بإصبعه، قال: فقال مجاهد: "يدمن كذلك كما نقر" قال: "فالحسبان والفلك يصيران إلى شيء واحد غير أن الحسبان في الرحى والفلك في المغزل".
قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى بعد ما ذكر هذا الأثر عن مجاهد: "قوله: لا تدوم إلا به، أي لا تدور إلا به، ومنه الدُّوامة بالضم والتشديد، وهي فلكة يرميها الصبي بخيط، فتدوم على الأرض أي تدور، ومنه تدويم الطير وهو تحليقه ودورانه في طيرانه ليرتفع إلى السماء، وقوله فنقر بإصبعه يعني نقر بها في الأرض، وأدارها ليشبه بذلك دوران الفلك". انتهى.
وروى ابن جرير عن مجاهد ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ قال هو مثل قوله ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ومثل قوله ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾.
وقال ابن كثير عند قوله تعالى في سورة الأنبياء ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: أي يدورون، قال ابن عباس ﵄ يدورون كما يدور المغزل في الفلكة، قال مجاهد فلا يدور المغزل إلا بالفلكة ولا الفلكة إلا بالمغزل، كذلك النجوم والشمس والقمر لا يدورون إلا به ولا يدور إلا بهن كما قال تعالى ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
وقال ابن كثير أيضا في تفسير سورة يس: "وقوله ﵎ ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ يعني الليل والنهار والشمس والقمر كلهم يسبحون أي يدورن في فلك السماء، قاله ابن عباس ﵄ وعكرمة والضحاك والحسن وقتادة وعطاء الخراساني، قال ابن عباس ﵄ وغير واحد من السلف في فلكة كفلكة المغزل، وقال مجاهد: الفلك كحديد الرحى أو كفلكة المغزل لا يدور المغزل إلا بها ولا تدور إلا به".
وقال أبو حيان في تفسيره: "قال مجاهد: الحسبان الفلك المستدير شبهه بحسبان
[ ١٦٤ ]
الرحى، وهو العود المستدير الذي باستدارته تستدير المطحنة". انتهى.
ومما ذكرنا يعلم أن البخاري قد اختصر قول مجاهد ولم يورده بتمامه.
ويعلم أيضا أن مجاهد إنما أراد بالحسبان الفلك الذي تدور فيه النجوم والشمس والقمر، ولم يرد به المحور الذي توهمه الصواف وأئمته من فلاسفة الإفرنج.
وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: "فأما قوله تعالى ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ وقوله ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ فقد قيل هو من الحساب وقيل بحسبان كحسبان الرحى وهو دوران الفلك فإن هذا مما لا خلاف فيه، بل قد دل الكتاب والسنة وأجمع علماء الأمة على مثل ما عليه أهل المعرفة من أهل الحساب من أن الأفلاك مستديرة لا مسطحة". انتهى.
الوجه الثاني عشر أن القمر قرين الشمس في الحسبان كما أنه قرينها في الجريان والسبح في الفلك والدؤوب في السير والبزوغ والأفول. قال الله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ وقال تعالى ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ وقال تعالى في أربعة مواضع من القرآن: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وقال تعالى في موضعين ﴿وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ وقال تعالى ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
وإذا كان القمر قرين الشمس في كتاب الله تعالى فإنه يلزم أن يقال فيه
[ ١٦٥ ]
مثل ما قيل في الشمس، فمن قال أن للشمس محورًا تدور عليه وهي ثابتة في مكانها كما تدور المروحة السقفية على محورها، وأن ذلك المحور هو الحسبان الذي ذكره الله في كتابه، فلازم قوله أن يكون للقمر محور يدور عليه، وهو ثابت في مكانه، كما تدور المروحة السقفية على محورها، وهذا ما لا محيد للصواف عنه، وهو من أبطل الباطل كما أن التفريق بين الشمس والقمر فيما جمع الله بينهما فيه من أبطل الباطل أيضا.
والتفريق بينهما هو الذي عليه أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج وأتباعهم من العصريين المفتونين بآرائهم وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة.
ومثل هؤلاء الذين يفرقون بين ما جمع الله بينه كمثل اليهود يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.
الوجه الثالث عشر أن يقال قد تبين لمن له أدنى علم وفهم أن الصواف قد افترى على مجاهد وعلى العلماء الذين زعم أنهم قالوا إن الشمس ثابتة وأنها تدور حول نفسها، كما تدور المروحة السقفية على محورها، وأن مستقرها هو محورها الذي تدور عليه.
وحينئذ فقوله (وهل يجد القارئ الكريم فرقا بين المثل الذي ضربته وهو المروحة حيث تتحرك وهي ثابتة، وبين ما قاله مجاهد ومثَّله بالرحا حيث تتحرك كذلك حول نفسها وهي ثابتة بمكانها).
جوابه أن يقال الفرق بينهما واضح جلي، أما مجاهد فإنه شبه الفلك الذي تجري فيه الشمس والقمر والنجوم ويدرن فيه على الأرض بفلكة المغزل وحسبان الرحى؛ لأن كلا من الفلك والفلكة والحسبان يدار عليه، فهذا وجه تشبيه مجاهد وغيره من السلف للفلك بفلكة المغزل وحسبان الرحى.
[ ١٦٦ ]
وأما الصواف فإنه زعم أن الحسبان هو المحور الذي تدور عليه الشمس وهي ثابتة في مكانها كما تتحرك المروحة السقفية على محورها، وهذا القول الذي ذهب إليه الصواف لا أصل له من كتاب ولا سنة، ولا قاله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أئمة العلم من بعدهم، وإنما قاله أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من العصريين المفتونين بآرائهم وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة.
ومجاهد رحمه الله تعالى أجل قدرا من أن يقول بهذا القول الباطل المخالف لكتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد - ﷺ -.
الوجه الرابع عشر قد تقدم أن مجاهدًا قال في قوله تعالى ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: للنجوم والشمس والقمر فلك كفلكة المغزل، وقال: مثل ذلك الحسبان يعني حسبان الرحى، وهو سفودها القائم الذي تدور عليه، قال: ولا يدور المغزل إلا بالفلكة ولا تدور الفلكة إلا بالمغزل ولا يدور الحسبان إلا بالرحى ولا تدور الرحى إلى بالحسبان، قال: فكذلك النجوم والشمس والقمر هي في فلك لا يدمن إلا به ولا يدوم إلا بهن.
وإذا كان مجاهد قد جمع بين الشمس والقمر والنجوم في تفسير الفلك والحسبان ولم يفرق بينها، فإنه يلزم على قول الصواف أن يكون مجاهد يرى أن كلًا من الشمس والقمر والنجوم له محور يدور عليه وهو ثابت في مكانه، كما تدور المروحة السقفية الكهربائية على محورها وهي ثابتة في سقفها، وهذا ما لا محيد للصواف عنه، وحينئذ فلا بد للصواف ومن قال بقوله من أحد أمرين: أحدهما أن يلزموا مجاهدا بهذا القول الباطل الذي لم يقل به أحد من المسلمين فضلا عن مجاهد، وإما أن يرجعوا عما افتروه على مجاهد في تخصيص الشمس بالثبات في مكانها دون القمر والنجوم.
[ ١٦٧ ]
الوجه الخامس عشر أن قول مجاهد في الحسبان والسبح في الفلك متفق.
وما جاء في بعض الروايات عنه من ذكر الدوران فالمراد به دوران الشمس والقمر والنجوم على الأرض وهي في فلكها الذي تسبح فيه أي تجري فيه بسرعة كما تقدم إيضاح ذلك. وليس هو بدوران فقط كما تدور المراوح الكهربائية.
ويدل على ذلك ما رواه ابن جرير عنه أنه قال في قوله تعالى ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ قال: "هو مثل قوله ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ والسبح هو الجري بسرعة".
قال الراغب الأصفهاني: "السبح المرُّ السريع في الماء وفي الهواء يقال سبح سبحا وسباحة، واستعير لمر النجوم في الفلك نحو ﴿وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، ولجري الفرس نحو ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ ولسرعة الذهاب في العمل نحو ﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ ".
وقال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: "السباحة تتضمن الجري بسرعة كما ذكر ذلك أهل اللغة". انتهى.
وإذا علم هذا فكلام مجاهد صريح في كونه يرى أن الشمس والقمر والنجوم سابحة في الفلك أي جارية فيه بسرعة، وإن الفلك لهن مثل الحسبان للرحى والفلكة للمغزل، يعني أنهن يدرن حول الأرض في فلك مستدير، وفي هذا رد على من تقول عليه وزعم أنه يقول إن الشمس ثابتة ودائرة على نفسها مثل المروحة السقفية الكهربائية، وأما زعم الصواف أن قول مجاهد يخالف بعضه بعضا فهو خطأ مردود.
الوجه السادس عشر لو فرضنا أن مجاهدا قال إن الشمس ثابتة، وأنها تدور على نفسها مثل المروحة السقفية الكهربائية، فقوله ليس بحجة وإنما الحجة فيما أخبر الله به من جريان الشمس وسبحها في الفلك ودؤوبها في ذلك وطلوعها وغروبها ودلوكها وتزاورها، وأنه يأتي بها من المشرق فهذا يدل
[ ١٦٨ ]
دلالة واضحة على دوران الشمس على الأرض لا على نفسها، وكذلك ما أخبر به الرسول - ﷺ - من جريان الشمس وطلوعها وارتفاعها واستوائها وزوالها ودنوها من الغروب وغروبها وذهابها بعد الغروب إلى مستقرها تحت العرش، وأنها حسبت ليوشع بن نون حين حاصر القرية حتى فتحها الله عليه.
وما أشرت إليه ههنا من الآيات المحكمات والأحاديث الصحيحة فهو الحجة، وما خالفها فهو باطل مردود على قائله كائنا من كان.
وقد ثبت عن مجاهد أنه قال: "ليس أحد بعد النبي - ﷺ - ألا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي - ﷺ - "رواه البخاري في جزء رفع اليدين بإسناد صحيح.
الوجه السابع عشر أن الصواف قد قرر في صفحة ٩٩ وصفحة ١٠٠ أن الشمس تسير في كل برج شهرًا، وأنها تقطع البروج كلها مرة في السنة، وهذا يناقض ما قرره ههنا من كون الشمس ثابتة على محورها ومتحركة حول هذا المحور مثل المروحة السقفية الكهربائية، وما قرره ههنا فهو باطل مردود بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة وقد تقدم ذكر بعضها والإشارة إلى الباقي في الوجه السابع.
وما قرره في ٩٩ - ١٠٠ فهو الحق الثابت بالنصوص الكثيرة من الكتاب والسنة. وقد ذكرت الأدلة على ذلك مستوفاة في أول الصواعق الشديدة فلتراجع هناك ..
وأما قوله: "وقال ابن حبان في تفسيره البحر المحيط". فجوابه أن يقال إن مصنف البحر المحيط في التفسير هو أبو حيَّان بالياء المثناة التحتية، لا بالباء الموحدة وهو من أعيان المائة الثامنة من الهجرة، وأما ابن حبان بالباء الموحدة فهو صاحب الصحيح المسمى بالأنواع والتقاسيم، وهو من أعيان المائة الرابعة من الهجرة والقول بأن البحر المحيط من تصنيفه وهم وغلط.
[ ١٦٩ ]