وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية: "العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم كالحازي الذي يدعي علم الغيب أو يدعي الكشف" انتهى.
إذا علم هذا فكل من ادعى شيئا من علم الغيب فهو طاغوت كافر ومن صدقه فهو ممن آمن بالطاغوت.
وقد أخبر الله تعالى عن الكاهن بأنه أفاك أثيم، وفي هذا أبلغ ذم للكهان وأبلغ تحذير من تصديقهم فيما يدعونه من علم الغيب قال الله تعالى ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ قال قتادة: "هم الكهنة يسترق الجن السمع ثم يلقون إلى أوليائهم من الإنس".
وقال ابن كثير على قوله ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾: "أي كذوب في قوله وهو الأفاك أثيم، وهو الفاجر في أفعاله، فهذا هو الذي تنزل عليه الشياطين من الكهان وما جرى مجراهم من الكذبة الفسقة" انتهى.
وقد روى البزار عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - «ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له» قال المنذري إسناده جيد، وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح خلا إسحاق بن الربيع وهو ثقة.
وروى الطبراني عن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - نحوه، قال المنذري وإسناده حسن.
وروى عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - «من اقتبس بابًا من علم النجوم لغير ما ذكر الله فقد اقتبس شعبة من السحر،
[ ٦٩ ]
المنجم كاهن، والكاهن ساحر، والساحر كافر» وروي عن علي ﵁ أنه قال «الكاهن ساحر والساحر كافر» ذكره الذهبي في كتاب الكبائر.
وروى الطبراني عن ابن الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «لن ينال الدرجات العلى من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر تطيرًا» قال المنذري والهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما ثقات.
قلت: وقد رواه ابن مردويه وأبو نعيم والبغوي بنحوه، ولفظ البغوي «من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة».
الوجه الثالث: أن الصواف ذكر أقوال المتكهنين في بدء العالم ومدة عمره وعمر الأرض وأقرها وذلك يدل على رضاه بهذا التكهن وتصديقه به، وتلك مصيبة من أعظم المصائب على هذا المسكين لو كان يعقل.
فقد روى الإمام أحمد وأهل السنن والبخاري في التاريخ الكبير عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول أو أتى امرأة حائضا أو أتى امرأة في دبرها فقد برئ مما أنزل على محمد - ﷺ -» وفي رواية بعضهم «من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ -».
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في شرح التوحيد: "ظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان". قال: "وهل الكفر في هذا الموضع كفر دون كفر فلا ينقل عن الملة أو يتوقف فيه فلا يقال: يخرج عن الملة، ولا ما يخرج، وهذا أشهر الروايتين عن أحمد رحمه الله تعالى.
وقال القرطبي: "المراد بالمنزل الكتاب والسنة" انتهى.
[ ٧٠ ]
وروى الإمام أحمد أيضا والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال «من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ -» قال الحاكم صحيح على شرطهما جميعا ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى البزار عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - «ليس منها من تطير أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ -» قال المنذري إسناده جيد، وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح خلا إسحاق بن الربيع وهو ثقة.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في شرح التوحيد: "كل من تلقى هذه الأمور عمن تعاطاها، فقد برئ منه رسول الله - ﷺ -، لكونها أما شرك كالطيرة أو كفر كالكهانة والسحر، فمن رضي بذلك وتابع فهو كالفاعل لقبوله الباطل واتباعه" انتهى.
وروى البزار أيضا عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي - ﷺ - قال «من أتى كاهنًا فصدقه بما قال فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ -» قال المنذري إسناده جيد قوي.
وروى البزار أيضا وأبو يعلى عن ابن مسعود ﵁ قال «من أتى عرافًا أو ساحرًا أو كاهنًا فسأله فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ -» قال المنذري إسناده جيد. وقال الهيثمي رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا هبيرة بن يريم وهو ثقة، ورواه البزار أيضا والطبراني في الكبير والأوسط بنحوه قال الهيثمي: ورجال الكبير والبزار
[ ٧١ ]
ثقات، وقال المنذري: رواه الطبراني في الكبير ورواته ثقات.
وقد رواه أبو نعيم في الحلية من حديث عمرو بن قيس الملائي عن أبي إسحاق - يعني السبيعي - قال حدثنا هبيرة بن يريم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي - ﷺ - «من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه بما يقول فقد برئ مما أنزل على محمد - ﷺ -» ثم قال أبو نعيم رواه الثوري عن أبي إسحاق مثله، ورواه علقمة وهمام بن الحارث عن عبد الله موقوفا.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في شرح التوحيد: "فيه دليل على كفر الكاهن والساحر لأنهما يدعيان علم الغيب وذلك كفر، والمصدق لهما يعتقد ذلك ويرضى به وذلك كفر أيضا "انتهى.
وروى الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد برئ مما أنزل على محمد - ﷺ - ومن أتاه غير مصدق له لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» قال الهيثمي: فيه رشدين بن سعد، وهو ضعيف، وفيه توثيق في أحاديث الرقاق، وبقية رجاله ثقات.
قلت: وما تقدم من الأحاديث الصحيحة يشهد له ويقويه.
وروى الطبراني أيضا عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من أتى كاهنا فسأله عن شيء حجبت عنه التوبة أربعين ليلة فإن صدقه بما قال كفر» إسناده ضعيف ولكنه يتقوى بما تقدم وما يأتي.
[ ٧٢ ]
وروى الإمام أحمد ومسلم عن صفية بنت أبي عبيد عن بعض أزواج النبي - ﷺ - عن النبي - ﷺ - قال: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة».
وروى الطبراني في الأوسط عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - «من أتى عرافًا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» قال الهيثمي: رجاله ثقات.
وروى الطبراني أيضا في الأوسط عن عمر بن الخطاب ﵁ قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول «من أتى عرافًا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» قال الهيثمي: رواه الطبراني عن شيخه مصعب بن إبراهيم بن حمزة الدهري، ولم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح.
وأيضا فإن التصديق بالتكهن من الإيمان بالجبت والطاغوت وقد قال الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾.
قال عمر ﵁: الجبت السحر والطاغوت الشيطان. وكذا قال الشعبي ومجاهد.
وقد تقدم حديث ابن عباس ﵄ مرفوعا وفيه «والكاهن ساحر» وعن علي ﵁ مثله وتقدم أيضا.
وعن الشعبي أيضا: الجبت الكاهن، وقال محمد بن سيرين ومكحول: الجبت الكاهن والطاغوت الساحر. وقال سعيد بن جبير وأبو العالية: الجبت الساحر بلسان الحبشة والطاغوت الكاهن.
وقال الجوهري: "الجبت كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك".
وقال جابر بن عبد الله ﵄: «الطواغيت كهان تنزل عليهم الشياطين» رواه ابن أبي حاتم بإسناد حسن.
[ ٧٣ ]
ويشهد له قول الله تعالى ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ وقد تقدم قول قتادة أنهم الكهنة.
والمقصود ههنا التحذير من تصديق الذين يتكهنون ويدعون علم الغيب، وبيان أن من صدقهم في ذلك فهو ممن آمن بالجبت والطاغوت شاء أم أبى.
فليستيقظ الصواف من رقدته ولينتبه من غفلته ولا يكن كحاطب الليل يضع في حطبه الأفاعي القاتلة وهو لا يشعر، بل أن ضرر الأفاعي أوهى مما وضعه الصواف في رسالته من الأقوال الباطلة المتضمنة لمحادة الله تعالى ورسوله - ﷺ -، واتباع غير سبيل المؤمنين، لأن ضرر هذه الأقوال الباطلة على الدين وضرر الأفاعي على البدن وشتان ما بين الضررين.
الوجه الرابع: أن ما زعمه أعداء الله تعالى من معرفة الشهر الذي بدأ فيه العالم وتعيين اليوم الذي بدأ فيه من ذلك الشهر وتحديد عمر العالم وعمر الأرض - فكله تخرص مردود بقول الله تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ وقوله تعالى ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية. وقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ الآية. وقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ الآية. وقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآية.
وفي الحديث الصحيح أن جبريل قال للنبي - ﷺ - «أخبرني عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها أعلم بأعلم من السائل» رواه الإمام أحمد ومسلم
[ ٧٤ ]
وأهل السنن من حديث عمر ﵁.
ورواه الإمام أحمد والشيخان وابن ماجة من حديث أبي هريرة ﵁.
ورواه النسائي من حديث أبي هريرة وأبي ذر ﵄.
وإذا كان أشرف الملائكة وأشرف البشر لا يعلمان متى تقوم الساعة، فغيرهما من المخلوقين أولى وأحرى أن لا يعلموا ذلك فضلا عما يزعمه المتخرصون من معرفة الشهر الذي بدأ فيه العالم، وتعيين اليوم الذي بدأ فيه من ذلك الشهر، وتحديد عمر العالم وعمر الأرض.
ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
الغيب يعلمه المهيمن وحده وعن الخلائق أجمعين مغيب
وقال آخر:
الزجر والطير والكهان كلهم مضللون ودون الغيب أقفال
الوجه الخامس: أنه لم يجئ في كتاب الله تعالى ولا عن رسول الله - ﷺ - أن للأرض عمرا معلوما إذا انتهى زالت من مكانها وذهبت بالكلية. بل الذي يدل عليه القرآن العظيم أن الأرض لا تزال باقية إلى الأبد إلا أنها تبدل يوم القيامة. قال الله تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ فقد دلت هذه الآيات على أن الأرض لا تزال باقية على الأبد، وأما تبديلها يوم القيامة فقد قال تعالى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ قال
[ ٧٥ ]
ابن كثير: "أي وعده هذا حاصل يوم تبدل الأرض غير الأرض وهي هذه على غير الصفة المألوفة المعروفة". ثم ذكر الأحاديث والآثار الواردة في تبديل الأرض وهي كثيرة، فلتراجع في آخر تفسير سورة إبراهيم.
وأما زعم الفلكيين أن عمر الأرض حوالي ألف وأربعمائة مليون سنة، فهو تخرص مردود عليهم.
الوجه السادس: أن الصواف سمى رسالته المسلمون وعلم الفلك، وذكر في مقدمتها في صفحة ١٢ أن ما جمعه فيها هو مما تركه العلماء الأعلام، وقال في صفحة ٥١ و٦٥ أنهم سلفه الصالح، وقال في صفحة ٦٧ أنهم علماؤه الأعلام، وقد نقل في هذا الموضع الذي نرد عليه عن "جيمس أوثر" وعن الفلكيين أصحاب المراصد في "ليك ومونت ويلسون وبالومار" ونقل أيضا في صفحة ٤٠ عن "لابلاس" وفي صفحة ٤٣ عن "سيمون" وفي صفحة ٥٨ عن الدكتور "توماس جولد" وفي صفحة ٦٠ عن المرصد الأمريكي وعن الدكتور "دونالد مينزل" وفي صفحة ٧١ عن "اللورد افبري" وفي صفحة ٨٠ عن البريطاني "سبريل هازارد" وزميله " البروفيسور شميدت" وفي صفحة ١٠٨ عن "أرثر فندلاي" و"سيمون ينوك" وهؤلاء كلهم من الإفرنج ومع هذا فقد جعل الصواف تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة وتحكمهم على الغيب من علوم المسلمين، بل ظاهر كلامه أنه يرى أنهم من المسلمين، ومن العلماء الأعلام والسلف الصالح، نعوذ بالله من تقليب الأفئدة والأبصار.
وأما قوله: وجاء في أحد الكتب الهندية المقدسة الخ.
فجوابه: أن يقال إنما تكون الكتب مقدسة إذا كانت منزلة من الله تعالى أو مأثورة عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
[ ٧٦ ]
فأما ما وضعه أعداء الرسل من عند أنفسهم وما توحيه الشياطين إليهم فهو باطل مردود وليس بمقدس.
وكتاب الهند الذي نقل الصواف عنه تحديد عمر العالم هو من هذا الجنس الباطل المردود لما فيه من التحكم على الغيب والتعاطي لما استأثر الله بعلمه.
وأما قوله: ويعتمد الفلكيون في عمر الكرة الأرضية على النظرية القائلة بأن شيئا حدث في الفضاء في قديم الزمان جعل المادة تتناثر من مركز مشترك واحد.
فجوابه أن يقال هذا من تخرصات أهل الهيئة الجديدة وظنونهم الكاذبة. وقد قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾.
وقد ذكرت في الصواعق الشديدة ما ذكره الألوسي عن أهل الهيئة الجديدة في ذلك، وتعقبته بالرد، فليراجع ذلك في المثال الخامس عشر من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة.
وأما قوله: وقد دلت الدراسة التي استمرت ٢٠ عاما للضوء المنبعث من الكواكب البعيدة على أن هذه الكواكب لا تزال ممعنة في الابتعاد في الفضاء، وأن سرعتها تزداد كلما ازداد ابتعادها.
فجوابه: أن يقال هذا من جنس ما قبله من التخرصات والظنون الكاذبة
[ ٧٧ ]
وهذا القول الباطل مبني على قولهم أن سعة الجو غير متناهية، وأنه ليس فوقنا سموات مبنية. وقد استوفيت الرد على هذا القول الباطل في الصواعق الشديدة في المثال الثالث من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة فليراجع هناك.
ولو كان الأمر على ما زعموه من نفي وجود السموات وأنه ليس فوقنا إلا فضاء لا نهاية له، وأن الكواكب لا تزال ممعنة في الابتعاد فيه، لكان يختفي ضوؤها عن أهل الأرض شيئا فشيئا حتى لا يروا منها شيئا، ويكفي في معرفة بطلان قولهم ما يشاهده الناس من استمرار ضوء كل كوكب على حاله على ممر الأزمان.
وأيضا فإن الله تعالى قال ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ وقال تعالى ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ وقال تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾.
وقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على أن السموات مستديرة، وقرروا أن كل سماء محيطة بالسماء التي تحتها وما حوت، والكواكب قد جعلت زينة للسماء الدنيا بنص القرآن. فالسموات الشداد التي ليس لها فروج وليس فيها فطور محيطة بالكواكب من كل جانب ولا طريق لها إلى ما زعموه من الابتعاد المتوهم.
وأيضا فإن الله تعالى قد جعل السماء سقفا لما تحتها من المخلوقات، وجعل الكواكب زينة لهذا السقف المحفوظ فقال تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ
[ ٧٨ ]
الْكَوَاكِبِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ وهذه الزينة لا تزال على حالها ما بقيت الدنيا، فإذا قامت القيامة زالت هذه الزينة عن محلها وانتثرت على الأرض كما أخبر الله تعالى بذلك في قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ قال البغوي وغيره في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ أي تناثرت من السماء وتساقطت على الأرض كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾.
وروى ابن أبي حاتم عن الشعبي أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ وجهنم هو هذا البحر الأخضر تنتثر الكواكب فيه، وتكور في الشمس والقمر ثم يوقد فيكون هو جهنم).
وروى ابن أبي حاتم أيضا عن ابن عباس ﵄ أنه قال (يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث ريحا دبورا فيضرمها نارا) وكذا ذكر البغوي في تفسيره عن ابن عباس ﵄، قال ابن كثير: "وكذا قال عامر الشعبي".
وفيما ذكرته ههنا من الآيات وقول حبر الأمة كفاية في رد ما زعمه أعداء الله تعالى من كون الكواكب لا تزال ممعنة في الابتعاد عن الأرض.
وأيضا فإن الله تعالى قد جعل الكواكب زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدي بها أهل الأرض في ظلمات البر والبحر. ولو كانت لا تزال ممعنة في الابتعاد عن الأرض كما زعمه أعداء الله تعالى لفاتت هذه المصالح منها،
[ ٧٩ ]