تسيير الجبال ومرورها مثل مر السحاب إنما يكون يوم القيامة. وقد أوضح الله ذلك في آيات كثيرة من القرآن سوى ما ذكرنا ههنا. وقد ذكرتها مستوفاة في الصواعق الشديدة مع الرد على من استدل بالآية من سورة النمل على حركة الأرض وسيرها فلتراجع هناك.
الوجه الثاني: أن الله تعالى ذكر في القرآن مرور الجبال وسيرها، ولم يذكر عن الأرض مرورا وسيرا أبدا، ولو كان الأمر على ما زعمه الصواف وأشباهه من أتباع أهل الهيئة الجديدة لنص ﵎ على سير الأرض ومرورها ولم يخص الجبال بالنص دون الأرض. وقد قال الله تعلى ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
وتخصيص الجبال بالمرور يدل على أن ذلك خاص بها دون الأرض.
وقد أوضح الله ذلك بقوله ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ وقوله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾.
فصل
قال الصواف في صفحة ٤٢ - ٤٣ ما نصه
كما ورد في القرآن أن الله رب المشرق والمغرب، وأنه رب المشرقين والمغربين، وأنه رب المشارق والمغارب. أي أن المشرق والمغرب يختلف يوما عن يوم فهناك أقصى وأقرب مشرقين، وأقصى وأقرب مغربين بينهما مشارق ومغارب، هذا قول القرآن الكريم من ألف وأربعمائة سنة. فما قول العلم؟
كان أول من قال بحركة الأرض حول محورها العالم "كوبرنيكس" في
[ ١٠٣ ]
عام ١٥٤٣ أي بعد تاريخ القرآن بألف سنة وقرر أن ما يظهر للناس من حركة الشمس والنجوم إنما هو ناتج من دوران الأرض، وقد اتهمه رجال الدين عندئذ بالكفر والمروق عن الدين، وتوالت بعد ذلك أبحاث علماء الفلك حتى وصلوا إلى ما قرره القرآن الكريم، وليس هناك أبلغ ولا أدق مما يقوله حجة علم الفلك العالم "سيمون" من أن أعظم الحقائق التي اكتشفها العقل البشري في كافة العصور هي حقيقة أن الشمس والكواكب السيارة وأقمارها تجري في الفضاء نحو برج النسر بسرعة غير معهودة لنا على الأرض يكفي لتصويرها أننا لو سرنا بسرعة مليون ميل يوميا فلن تصل مجموعتنا الشمسية إلى هذا البرج إلا بعد مليون ونصف المليون سنة من وقتنا الحاضر. أليست هذه إحدى معجزان القرآن العلمية؟
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال أن الظاهر من صنيع الصواف حيث ذكر المشرق والمغرب، والمشرقين والمغربين، والمشارق والمغارب، ثم عقب ذلك برأي "كوبرنيكس وسيمون" أنه يرى أن المشرق والمغرب والمشرقين والمغربين والمشارق والمغارب - للأرض؛ لأنها هي التي تدور على الشمس على حد زعمهم الكاذب وتقريرهم الفاسد الذي ذكره ههنا عن "كوبرنيكس" وهو أن ما يظهر للناس من حركة الشمس والنجوم إنما هو ناتج من دوران الأرض، وهذا من قلب الحقيقة ومن الإلحاد في آيات الله تعالى وتحريف الكلم عن مواضعه.
الوجه الثاني: أن يقال ليس في الآيات التي ذكر الله فيها المشرق والمغرب والمشرقين والمغربين والمشارق والمغارب ما يدل على حركة الأرض ودورانها بوجه من الوجوه، وإنما هي حجة على من أنكر جريان الشمس في الفلك وسيرها من المشرق إلى المغرب كل يوم، وسواء من زعم أنها ساكنة لا تتحرك أصلا
[ ١٠٤ ]
ومن زعم أنها ثابتة على محورها ومتحركة حول هذا المحور مثل المروحة السقفية الكهربائية، ومن قال أنها ومجموعتها تجري في الفضاء بسرعة عظيمة نحو برج النسر. ومن قال أنها ونظامها تنهب الفضاء نهبا بسرعة عظيمة متجهة نحو برج هركيوليس، فكل هؤلاء متخرصون وضالون عن الحق، وفي الآيات التي أشرنا إليها أبلغ رد عليهم.
وقد قال الله تعالى ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَاتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَاتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ وقال تعالى ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ الآية. ثم قال تعالى ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ فذكر ﵎ في الآية الأولى أنه يأتي بالشمس من المشرق، وأضاف في الآية الثانية والآية الثالثة المطلع والمغرب إليها فدل على أن المراد بالمشرق والمغرب عند الإطلاق مشرق الشمس ومغربها، وكذلك المراد بالمشرقين والمغربين والمشارق والمغارب، وهذا أمر معلوم بالضرورة عند كل عاقل كما أنه معلوم بالمشاهدة أيضا، وقد قرر ذلك المفسرون وأئمة اللغة.
قال ابن كثير في تفسير سورة الرحمن عند قوله تعالى ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾: يعني مشرقي الصيف والشتاء ومغربي الصيف والشتاء. وقال في الآية الأخرى ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾: وذلك باختلاف مطالع الشمس وتنقلها في كل يوم وبروزها منه إلى الناس. وقال في الآية الأخرى ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾: وهذا المراد منه جنس المشارق والمغارب.
وقال أيضا في تفسير سورة الصافات: وقال تعالى في الآية الأخرى ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ يعني في الشتاء والصيف للشمس والقمر.
[ ١٠٥ ]
وقال ابن منظور في لسان العرب: "وقوله تعالى ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ أحد المغربين أقصى ما تنتهي إليه الشمس في الصيف والآخر أقصى ما تنتهي إليه في الشتاء، وأحد المشرقين أقصى ما تشرق منه الشمس في الصيف وأقصى ما تشرق منه في الشتاء، وبين المغرب الأقصى والمغرب الأدنى مائة وثمانون مغربا، وكذلك بين المشرقين"
وفي التهذيب: "للشمس مشرقان ومغربان فأحد مشرقيها أقصى المطالع في الشتاء والآخر أقصى مطالعها في القيظ، وكذلك أحد مغربيها أقصى المغارب في الشتاء وكذلك في الجانب الآخر، وقوله جل ثناؤه ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ جمع لأنه أريد أنها تشرق كل يوم من موضع وتغرب في موضع إلى انتهاء السنة".
وفي التهذيب: "أراد مشرق كل يوم ومغربه فهي مائة وثمانون مشرقا ومائة وثمانون مغربا، والغروب غيوب الشمس غربت الشمس تغرب غروبا ومغيربانا غابت في المغرب، وكذلك غرب النجم وغرب" انتهى.
الوجه الثالث: أن ما ذكره الصواف عن كوبرنيكس وسيمون ليس بعلم كما زعم ذلك في قوله "فما قول العلم" وإنما هي تخرصات وظنون كاذبة أوحاها الشيطان إليهم وفتنهم بها وفتن بها أتباعهم والمقلدين لهم من الجهلة الأغبياء الذين لا يسمعون ولا يعقلون ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾.
وقد قال الله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ الآيات إلى قوله تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا
[ ١٠٦ ]