تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ وقال تعالى ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
وما كان زينة للسماء ورجوما للشياطين فليس بسموات ولا أرضين
فصل
وقال الصواف في صفحة ٥٤ ما نصه:
(وقوف حركة الأرض) يقول الحق ﵎ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ الله ﵎ يذكر الناس بهذه الآية من آيات الكون ويخاطبهم وكأنه يقول لهم: اسمعوا وانظروا وتبصروا فلو أن الكرة الأرضية توقفت عن دورانها وتعطلت حركتها وأصبح نصفها المواجه للشمس نهارا دائما لا يبرح فمن يأتيكم بليل تسكنون وتستريحون من عناء النهار غير الله ﷾ الذي يقلب الليل والنهار؟ ولو كان العكس فوقفت حركة الأرض وكانت الشمس إلى الجهة الأخرى التي تقابلنا وكان علينا الليل سرمدا دائما فمن يأتينا بضياء غير الله ﷾؟
والجواب أن يقال ليس للأرض حركة كما زعمه الصواف تقليدا لفلاسفة الإفرنج ومن يوافقهم ويحذو حذوهم من العصريين، وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على سكونها وثباتها، وأجمع المسلمون على ذلك، وقد ذكرت ذلك مستوفى في أول الصواعق الشديدة فليراجع هناك، ففيه رد لما زعمه الصواف من حركة الأرض.
وأما كلامه في معنى الآيتين من سورة القصص فهو من الإلحاد في آيات
[ ١١٤ ]
الله وتحريف الكلم عن مواضعه.
وقد نص الله ﵎ على جريان الشمس في عدة آيات من القرآن والجريان ضد الثبات والاستقرار، ونص أيضا على أنها تسبح في الفلك، والجريان ضد الثبات والاستقرار، ونص أيضا على أنها تسبح في الفلك، والسبح هو المر السريع نص على ذلك أئمة اللغة، ونص أيضا على أنها هي والقمر بحسبان، ونص أيضا على أنه سخرهما دائبين، والدأب إدامة السير، نص على ذلك غير واحد من أئمة اللغة، وقرر معناه غير واحد من المفسرين، ونص أيضا على أنه يأتي بها من المشرق، ونص أيضا على طلوعها وغروبها ودلوكها أي زوالها، وفي هذه النصوص أوضح دليل على أن الشمس هي التي تجري وتدور على الأرض لقيام معايش العباد ومصالحهم، والنهار هو ضوء الشمس وهو تابع لها يسير بسيرها.
وقد نص رسول الله - ﷺ - على جريان الشمس وطلوعها وارتفاعها وزوالها ودنوها الغروب وغروبها، وأنها تذهب بعد الغروب حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، ثم يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، وأنه يقال لها في آخر الزمان: ارجعي ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح من مغربها.
ونص أيضا على أنها حبست ليوشع بن نون حين حاصر القرية حتى فتحها الله عليه.
وفي كل ما ذكرنا أوضح دليل على جريان الشمس ودورانها على الأرض، وفيه أيضا أبلغ رد لما زعمه الصواف في معنى الآيتين من سورة القصص.
وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في مفتاح دار السعادة: "ثم تأمل حال الشمس في طلوعها وغروبها لإقامة دولتي الليل والنهار، ولولا طلوعها لبطل
[ ١١٥ ]
أمر العالم وكيف كان الناس يسعون في معايشهم ويتصرفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم، وكيف كانوا يتهنون بالعيش مع فقد النور.
ثم تأمل الحكمة في غروبها فإنه لولا غروبها لم يكن للناس هدوء ولا قرار مع فرط الحاجة إلى السبات وجموم الحواس وانبعاث القوى الباطنة وظهور سلطانها في النوم المعين على هضم الطعام وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء، ثم لولا الغروب لكانت الأرض تحمى بدوام شروق الشمس واتصال طلوعها حتى يحترق كل ما عليها من حيوان ونبات، فصارت تطلع وقتا بمنزلة السراج يرفع لأهل البيت ليقضوا حوائجهم ثم تغيب عنهم مثل ذلك ليقروا ويهدؤوا، وصار ضياء النهار مع ظلام الليل وحر هذا مع برد هذا مع تضادهما متعاونين متظاهرين بهما تمام مصالح العالم.
وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى ونبه عباده عليه بقوله ﷿ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
وقال ابن القيم أيضا: "ثم تأمل الحكمة في طلوع الشمس على العالم كيف قدره العزيز العليم سبحانه، فإنها لو كانت تطلع في موضع من السماء فتقف فيه ولا تعدوه لما وصل شعاعها إلى كثير من الجهات؛ لأن ظل أحد جوانب كرة الأرض يحجبها عن الجانب الآخر، وكان يكون الليل دائما سرمدا على من لم تطلع عليهم، والنهار سرمدا على من هي طالعة عليهم، فيفسد هؤلاء وهؤلاء، فاقتضت الحكمة الإلهية والعناية الربانية أن قدر طلوعها من أول النهار من المشرق، فتشرق على ما قابلها من الأفق الغربي، ثم لا تزال تدور وتغشى جهة بعد جهة حتى تنتهي إلى المغرب فتشرق على ما استتر عنها في أول النهار، فيختلف
[ ١١٦ ]