لأنهم يرون أن سعة الجو غير متناهية، وإنه ليس فوقنا سموات مبنية شداد كثف كل واحدة منهن خمسمائة سنة، والأرض في وسط السماء الدنيا منهن وكل سماء منهن محيطة بما تحتها وما حوت.
وقد وجد أعداء الله لتخرصاتهم وهذيانهم قبولا عند الأغبياء من المسلمين، وهذا أكبر مقاصد أعداء الله فإنهم حريصون على إضلال المسلمين وردهم إلى الكفر كما أخبر الله عنهم بذلك في قوله تعالى ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وفي هذه الآية الأخيرة الحث على التمسك بالكتاب والسنة، وفي الآيات التي قبلها التحذير من طاعة أعداء الله تعالى والإصغاء إلى تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة التي تصد عن سبيل الله تعالى، وتورد من أصغى إليها موارد العطب، فمن تمسك بالكتاب والسنة حصلت له الهداية في الدنيا والسعادة في الآخرة، ومن أعرض عنهما وتمسك بظنون الناس وتخرصاتهم فقد ضل وشقي في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾.
قال ابن عباس ﵄: من اقتدى بكتاب الله لا يضل في الدنيا
[ ٦٤ ]
ولا يشقى في الآخرة. ثم تلا هذه الآية ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ رواه رزين وغيره.
وقال الله تعالى ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَامُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
وإذا علم هذا فلابد للمتكلم فيما يتعلق بالأرض والسموات والشمس والقمر والنجوم من أحد أمرين: إما التمسك بما جاء عن الله تعالى ورسوله - ﷺ - في ذلك وما أجمع المسلمون عليه من ذلك، ونبذ التخرصات والظنون الكاذبة وراء الظهر، وأما التمسك بتخرصات أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم ونبذ ما عارض ذلك من أدلة الكتاب والسنة والإجماع وراء الظهر. فليختر المرء ما يناسبه من أحد الأمرين، فأما الجمع بينهما فغير ممكن لأنهما ضدان فلا يجتمعان، وكثير من العصريين المفتونين بتخرصات أهل الهيئة الجديدة وظنونهم الكاذبة يرومون الجمع بين ما أخبر الله به ورسوله - ﷺ - وبين تخرصات أهل الهيئة الجديدة وظنونهم الكاذبة وذلك بحمل الآيات والأحاديث على غير محاملها لتتفق مع ظنون أهل الهيئة الجديدة وتخرصاتهم فيجمعون
[ ٦٥ ]
بين قبول الباطل وبين الإلحاد في آيات الله تعالى وتحريف الكلم عن مواضعه.
الوجه الثالث: أن الله تعالى نص على جريان الشمس في مواضع من كتابه، ونص أيضا على أنها تسبح في الفلك، ونص أيضا على أنه يأتي بها من المشرق، ونص أيضا على طلوعها وتزاورها ودلوكها وغروبها. وقال تعالى ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ والدأب إدامة السير كما نص على ذلك أئمة اللغة وقرر معناه أهل التفسير، وفي هذه الآيات أوضح دليل على أن الشمس تجري وتدور على الأرض لقيام معايش العباد ومصالحهم.
وقد نص رسول الله - ﷺ - على جريان الشمس وطلوعها وارتفاعها وزوالها ودنوها من الغروب وغروبها، وأخبر أنها تذهب بعد الغروب حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، ثم يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، وكل ذلك يدل على دوران الشمس على الأرض على الدوام ورد ما هذى به المتخرصون من كون النظام الشمسي ينهب الفضاء نهبا بسرعة متجها نحو برج هركيوليس.
الوجه الرابع: أن كلام الصواف ينقض بعضه بعضا، فقد ذكر في هذا الموضع أن النظام الشمسي ينهب الفضاء نهبا بسرعة متجهة نحو برج هركيوليس، وذكر في صفحة ٤٣ أن الشمس والكواكب السيارة وأقمارها تجري في الفضاء تحو برج النسر بسرعة غير معهودة لنا على الأرض، وقال في صفحة ٦١ أن الشمس ثابتة ومتحركة في آن واحد ثابتة على محورها، ومتحركة حول هذا المحور، أي دائرة حول نفسها ومثلها مثل المروحة السقفية الكهربائية، وهذا تناقض عجيب، وهكذا الباطل لا تجده إلا مختلفا ينقض
[ ٦٦ ]