وأما قوله: لأنهم يرون من عجائب صنع الله ما لا يراه غيرهم.
فجوابه أن يقال: إن رؤية أعداء الله من الأطباء والفلكيين وغيرهم من الكفار لعجائب صنع الله لم تنفعهم شيئا، كما قال الله تعالى فيهم وفي أشباههم: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.
وأما الأطباء والفلكيون المنتسبون إلى الإسلام فانتفاعهم بما يرونه من عجائب صنع الله أقل من انتفاع غيرهم من المسلمين. ويدل على ذلك ما هم عليه من التهاون ببعض المأمورات، ولاسيما الصلاة وارتكاب كثير من المنهيات، ولو كان إيمانهم قويا لكانوا يحافظون على فعل المأمورات. ويبعدون عن فعل المنهيات.
فصل
وقد انبرى أبو الأعلى المودودي وعلي الطنطاوي لمؤازرة الصواف، وتأييد ما نشره من الأقوال الباطلة، فصارا شريكين له في كل ما نشره في كتابه مما هو مخالف لمدلول الكتاب والسنة والإجماع.
وقد قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾
وفي المسند وصحيح مسلم والسنن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام
[ ٣٢١ ]
من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
قال النووي: سواء كان ذلك الهدي أو الضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقًا إليه. انتهى.
وروى الطبراني وغيره من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أعان ظالما بباطل ليدحض به حقا فقد برئ من ذمة الله وذمة رسوله».
ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم والمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهم بعضا ليدفع معور عن معور
فطن لكل مصيبة في ماله وإذا أصيب بدينه لم يشعر
فأما المودودي فقد ابتدأ كلامه بإطراء الصواف، ومجاوزة الحد في مدحه، وقد أنكر النبي - ﷺ - على المداحين، وأمر أن يُحثى في وجوههم الترابُ. وقد ذكرت الأحاديث في ذلك قريبا عند ذكر مدح المحاسني للصواف، فلتراجع.
وفي كلامه أيضًا أخطاء كثيرة سأذكرها، واتبعها بالرد إن شاء الله تعالى.
فمن أخطائه قوله في رسالة الصواف: إنها قيمة.
والجواب أن يقال: هذا كلام لا يصدر إلا من رجل قد التبست عليه الحقائق حتى صار يرى الباطل في صورة الحق. وكيف تكون رسالة الصواف قيمة، وهو قد حشاها بتخرصات الإفرنج وظنونهم الكاذبة ورجمهم بالغيب عما لا يعلمونه. وفيها أيضا الشيء الكثير من القول على الله، وعلى كتابه
[ ٣٢٢ ]
وعلى رسوله - ﷺ - وعلى المسلمين بغير علم. وفيها أيضا تعظيم أعداء الله تعالى من الكفرة الفجرة والمبالغة في الثناء عليهم والدعاء لهم بالرحمة والرضا. فهي بلا شك رسالة تهور وجهل وضلال. ومن استحسنها ورأى أنها رسالة قيمة فأحسن الله عزاءه في علمه وعقله. ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
يقضي على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن
وأحسن من هذا وأبلغ قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾.
ومن أخطائه أيضا قوله في الصواف: إنه أقام بمكة؛ ليبلغ رسالة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها.
والجواب أن يقال: ليس الأمر، كما زعمه المودودي، فإن الصواف لم يقم بمكة؛ ليبلغ رسالة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وإنما أقام بها؛ ليأخذ المرتبات الضخمة لا غير.
ويقال أيضا: إن الصواف لم يبلغ رسالة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وإنما بلغ فيها ما يخالف الكتاب والسنة والإجماع من تخرصات فيثاغورس اليوناني وتخرصات أتباعه من فلاسفة الإفرنج المتأخرين وظنونهم الكاذبة ورجمهم بالغيب عن السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم، فهذا هو الذي نشره الصواف وبثه في مشارق الأرض ومغاربها وقد قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.
ومن أخطائه أيضا قوله: إن الذي ورد في كتاب الله تعالى في بعض آياته
[ ٣٢٣ ]
عن الأمور الكونية لم يرد ليعلم الإنسان علم الطبيعة. وإنما ورد ليلفت نظر الإنسان إلى ما في آيات الله الكونية من دلائل قاطعة وحجج دامغة على توحيد الله تعالى والبعث بعد الموت.
والجواب أن يقال: إن الله ﵎ هو الذي خلق العالم كله علويه وسفليه وأودع فيه من عجائب قدرته وبديع إتقانه ما أودع، وليس شيء من ذلك من فعل الطبيعة كما يزعمه أهل الجهل بالله. وإذا لم يكن شيء من ذلك من فعل الطبيعة، فأي بعلم يتعلق بها أو ينسب إليها.
والذي ورد في كتاب الله تعالى عن الأمور الكونية كله حق يجب الإيمان به واعتقاد أنه هو الحق وما خالفه فهو باطل.
وبما ورد في كتاب الله تعالى عن الأمور الكونية يستدل المسلم على عظمة الخالق ﷻ وعظيم إنعامه على خلقه حيث سخر لهم ما في السموات وما في الأرض. ومن ذلك تسخيره للشمس والقمر يجريان دائبين لقيام معايش العباد ومصالحهم.
وقد جعل المودودي هذه المقدمة التي ذكرنا عنه تمهيدًا لمنع الاستدلال على جريان الشمس ودورانها حول الأرض بالآيات التي فيها النص على جريانها وطلوعها ودلوكها وتزاورها وغروبها، وأن الله يأتي بها من المشرق، وأنها تجري لمستقرها الذي أخبر عنه رسول الله - ﷺ - في الحديث الصحيح عن أبي ذر ﵁؛ لمنع الاستدلال أيضا على سكون الأرض وثباتها بما أخبر الله به من إلقاء الرواسي فيها، وجعلها أوتادا لها، وهذا خطأ كبير. وكيف يترك الاستدلال بكلام الله تعالى على جريان الشمس حول الأرض ويستدل بتخرصات
[ ٣٢٤ ]
أعداء الله وظنونهم الكاذبة على سكونها وثباتها أو ما يزعمه بعضهم من دورانها على محورها.
وكيف يترك الاستدلال على سكون الأرض، وثباتها بما أخبر الله به من إلقاء الرواسي فيها، وجعلها أوتادًا لها، وجعلها قرارا للمخلوقات. ويستدل على دورانها حول نفسها وحول الشمس بتخرصات أعداء الله وظنونهم الكاذبة ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.
ولا يعرض عن كلام الله والاستدلال به على ما أخبر الله به عن الأمور الكونية، ويرى أن الحق فيما زعمه أعداء الله من تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة إلا من هو مصاب في دينه وعقله. اللهم إنا نعوذ بك من زيغ القلوب وانتكاسها.
ومن أخطائه أيضا قوله: إن القرآن لم ينتهج لذكره أسلوبا يصطدم مع علوم الإنسان في عصر من العصور اصطدامًا صريحا يحول بين الإنسان، وبين إيمانه بالله تعالى وبكتابه ولأجل ذلك لم يصرح القرآن بصورة قاطعة من آية من آياته بدوران الأرض وثبوت الشمس أو ثبوت الأرض وجريان الشمس حولها.
والجواب أن يقال: أما العلوم الصحيحة من علوم الإنسان، فإن القرآن لا يصادمها وإنما يصادم الأقوال الباطلة والتخرصات والظنون الكاذبة.
ومن الأقوال الباطلة والتخرصات والظنون الكاذبة التي يصادمها القرآن ويشهد ببطلانها ما زعمه فيثاغورس اليوناني وتبعه عليه أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج المتأخرين وما تخرصوه في قولهم: إن الشمس ثابتة وأن الأرض تدور حولها.
[ ٣٢٥ ]
والسنة أيضا تصادم هذا القول الباطل وتشهد ببطلانه.
وقد ذكرت الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة على ثبات الأرض وجريان الشمس حولها في أول الصواعق الشديدة، فلتراجع هناك. وذكرت أيضا إجماع المسلمين، وأهل الكتاب على القول بوقوف الأرض وسكونها، فليراجع أيضا.
ومن الأقوال الباطلة التي يصادمها القرآن والسنة إنكار أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم من العصريين وجود السموات السبع وزعمهم أن سعة الجو غير متناهية. وزعمهم تعدد الشموس والأقمار إلى غير ذلك من أقوالهم الباطلة التي يصادمها القرآن والسنة. وقد ذكرت في الصواعق الشديدة تسعة عشر مثالا منها، فلتراجع هناك.
وقد ذكر الصواف في رسالته التي وافقه المودودي عليها شيئا كثيرًا من تخرصات أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم في الأرض والسموات والشمس والقمر والنجوم، وزعم أن ذلك من علوم المسلمين في الفلك. وكلها أقوال باطلة يصادمها القرآن والسنة. وقد نبهت على كل جملة منها في موضعها من هذا الرد، ولله الحمد والمنة. وفي كل موضع من تلك المواضع رد على المودودي في زعمه أن القرآن لم ينتهج لذكره أسلوبا يصطدم مع علوم الإنسان في عصر من العصور.
وأما قوله: إن القرآن لم يصرح بصورة قاطعة من آية من آياته بدوران الأرض وثبوت الشمس.
فجوابه أن يقال: هذا صحيح فليس في القرآن ما يدل على دوران الأرض وثبات الشمس البتة.
[ ٣٢٦ ]
وقد استدل الصواف وغيره من العصريين على ما زعموه من دوران الأرض بآيات زعموا أنها تدل على ذلك، ولا دليل في شيء منها على دوران الأرض ولكنهم تأولوها على غير تأويلها وذلك من الإلحاد في آيات الله تعالى وتحريف الكم عن مواضعه. وقد ذكرت ما استدلوا به من الآيات والرد عليهم في الصواعق الشديدة، فليراجع هناك.
وأما زعمه أن القرآن لم يصرح بصورة قاطعة من آية من آياته بثبوت الأرض، وجريان الشمس حولها.
فجوابه أن يقال: هذا خطأ وقول بلا علم، فقد جاء التصريح بجريان الشمس في خمسة مواضع من القرآن. وصرح في الآية من سورة يس أن الشمس تجري لمستقر لها. وسيأتي تفسير ذلك بما في الحديث الصحيح إن شاء الله تعالى. وصرح في آيتين أنها تسبح في الفلك.
قال الراغب الأصفهاني السبح المر السريع في الماء وفي الهواء يقال: سبح سبحا وسباحة واستعير لمر النجوم في الفلك نحو: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ولجري الفرس نحو: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ ولسرعة الذهاب في العمل نحو: ﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ انتهى.
وروى ابن أبي حاتم عن الضحاك: ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قال: الفلك السرعة والجري في الاستدارة، ويسبحون يعملون.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: يريد أن لفظ الفلك يدل على الاستدارة، وعلى سرعة الحركة، كما في دوران فلكة المغزل ودوران الرحى.
[ ٣٢٧ ]
وقال الشيخ أيضا: ولفظ الفلك في لغة العرب يدل على الاستدارة. قال الجوهري: فلكة المغزل سميت بذلك لاستدارتها والفلكة قطعة من الأرض أو الرمل تستدير وترتفع على ما حولها والجمع فلك. وقال: ومنه قيل: فلك ثدي الجارية تفليكا وتفلك استدار.
قال الشيخ: قلت: والسباحة تتضمن الجري بسرعة، كما ذكر ذلك أهل اللغة. انتهى.
وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ قال أهل اللغة: الدأب إدامة السير والمبالغة فيه.
وفي هذه الآية أوضح دليل على أن الشمس تجري وتدور على الأرض لقيام معايش العباد ومصالحهم.
وقال تعالى: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَاتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَاتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
وفي هذه الآية أوضح دليل على سير الشمس ودورانها على الأرض.
ونص ﵎ على طلوعها وغروبها في عدة آيات من القرآن.
ونص أيضا على دلوكها وهو زوالها عن وسط السماء وعلى تزاورها. وفي كل آية من هذه الآيات التي أشرت إليها أوضح دليل على جريان الشمس ودورانها على الأرض. وقد ذكرت هذه الآيات وغيرها من الآيات الدالة على سير الشمس ودورانها على الأرض في أول الصواعق الشديدة، فلتراجع هناك.
وذكرت أيضا الآيات التي تدل على ثبات الأرض واستقرارها، فلتراجع أيضا ففي كل ما ذكرته هناك أبلغ رد على المودودي في زعمه أن القرآن لم يصرح بصورة قاطعة من آية من آياته بثبوت الأرض وجريان الشمس حولها.
[ ٣٢٨ ]
وقد جاء عن النبي - ﷺ - أحاديث كثيرة تدل على سير الشمس ودورانها على الأرض. وأحاديث أخرى تدل على ثبات الأرض واستقرارها، وقد ذكرتها في الصواعق الشديدة، فلتراجع أيضا ففيها أبلغ رد على المودودي في زعمه أن القرآن لم يصرح بصورة قاطعة بثبوت الأرض وجريان الشمس حولها.
وما صرح به النبي - ﷺ - فهو مما صرح به القرآن قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وقد ذكرت في الصواعق الشديدة أيضا إجماع المسلمين على القول بوقوف الأرض وسكونها، وإجماع المسلمين حجة قاطعة، لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
ومن أخطائه أيضا قوله: أما قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ فليس معنى ذلك أن الشمس تدور حول الأرض بل معناه أن الشمس سارية إلى مستقرها الذي لا يعلمه الإنسان، وهذا المدلول لا يعارضه علم الهيئة في العصر الحاضر.
والجواب أن يقال: إن النبي - ﷺ - قد فسر هذه الآية الكريمة في الحديث الصحيح فلم يدع لقائل مقالا.
فروى الإمام أحمد والشيخان وأبو داود الطيالسي والترمذي عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر حين غربت
[ ٣٢٩ ]
الشمس: «تدري أين تذهب» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد، فلا يقبل منها وتستأذن، فلا يؤذن لها يقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قول الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾» هذا لفظ البخاري. وفي رواية مسلم قال: ثم قرأ في قراءة عبد الله. وذلك مستقر لها. وللترمذي نحوه وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وفي رواية لمسلم أن رسول الله - ﷺ - قال يوما: «أتدرون أين تذهب هذه الشمس» قالوا: الله ورسوله أعلم قال: «إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارجعي ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها» فقال رسول الله - ﷺ -: «أتدرون متى ذاكم. ذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا».
وفي هذا الحديث الصحيح أوضح دليل على أن الشمس تجري وتدور على الأرض، وفيه التصريح بأنها تنتهي إلى مستقرها تحت العرش كل ليلة فتسجد حينئذ وتستأذن في الطلوع فيؤذن لها حتى إذا كان في آخر الزمان أمرت بالطلوع من مغربها.
[ ٣٣٠ ]
وفيه رد على المودودي حيث زعم أن الشمس سارية إلى مستقرها الذي لا يعلمه الإنسان. يعني أنها لا تزال سارية إلى مستقرها ولم تصل إليه بعد. وكأنه والله أعلم قد اعتمد على كلام العصريين المفتونين بتخرصات الإفرنج وظنونهم الكاذبة، فقد نقل الصواف في صفحة ٦٣ عن قطب أنه قال: والله يقول: إنها تجري لمستقر لها. هذا المستقر الذي ستنتهي إليه لا يعلمه ألا هو سبحانه ويعلم موعده سواه انتهى.
فكلام المودودي شبيه بكلام قطب وهما ومن قال بقولهما من العصريين كلهم عيال على فلاسفة الافرنج المتأخرين. فقد ذكر الصواف عنهم في صفحة ٣٨ أنهم قالوا: إن النظام الشمس ينهب الفضاء نهبًا متجهًا نحو برج هر كيوليس.
وذكر أيضا في صفحة ٤٣ عن الفلكي الجاهل (سيمون) أنه قال: إن الشمس والكواكب السيارة وأقمارها تجري في الفضاء نحو برج النسر بسرعة غير معهودة لنا على الأرض يكفي لتصويرها أننا لو سرنا بسرعة مليون ميل يوميا، فلن تصل مجموعتنا الشمسية إلى هذا البرج إلا بعد مليون ونصف مليون سنة من وقتنا الحاضر. انتهى هذيانه.
وهذه التخرصات والظنون الكاذبة مردودة بما أخبر به النبي - ﷺ - من انتهاء الشمس إلى مستقرها تحت العرش كل ليلة وسجودها حين تنتهي إليه، واستئذانها في الطلوع وأنه يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فتصبح طالعة من مطلعها إلى آخر الحديث الذي تقدم ذكره.
وقد تقدم في أول الكتاب الجواب عما لعله يورده بعض الناس على هذا الحديث من كون الشمس لا تزال طالعة على الأرض، فليراجع مع الكلام على ما زعمه الصواف من حركة الأرض.
[ ٣٣١ ]
وأما قول المودودي أن مستقر الشمس لا يعلمه الإنسان.
فجوابه أن: يقال قد أخبر النبي - ﷺ - في رواية مسلم التي تقدم ذكرها أن مستقرها تحت العرش وأنها تنتهي إليه كل ليلة، فتسجد حينئذ، وتستأذن في الطلوع.
وفي الصحيحين ومسند الإمام أحمد عن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن قول الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾. قال: «مستقرها تحت العرش»
وأما قوله وهذا المدلول لا يعارضه علم الهيئة في العصر الحاضر.
فجوابه أن يقال: أما تأويله للآية على ما يوافق تخرصات سيمون وأمثاله من فلاسفة الإفرنج الذي نقل عنهم الصواف في صفحة ٣٨ و٤٣ ما نقل فهو كما قال لا يعارض جل الهيئة في العصر الحاضر بل يوافقه. وأما على التأويل التصحيح الثابت عن النبي - ﷺ - من حديث أبي ذر ﵁ فمدلول الآية يعارض جهل أهل الهيئة في العصر الحاضر ويرده).
وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله ملحد في آياته محرف للكلم عن مواضعه. انتهى.
وإذا كان المخالف لتفسير الصحابة والتابعين متصفا بهذه الصفات الذميمة؛ فالمخالف لتفسير النبي - ﷺ - أولى وأحرى أن يكون متصفا بها.
[ ٣٣٢ ]
ومن أخطائه أيضا قوله: إن القرآن لم يصرح في آية من آياته بكون الأرض ثابتة ساكنة وكون الشمس دائرة حولها.
والجواب عن هذا الخطأ قد تقدم قريبا، فليراجع.
ومن أكبر أخطائه أيضا قوله: إن الإنسان في القرون الماضية كان يفسر الرواسي والأوتاد في نطاق معرفته وحسب علمه بالأمور الكونية آنذاك.
ويحق له أن يفسرها اليوم في ضوء ما اكتشفه من الأمور الكونية.
والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن يقال أن العلماء في القرون الماضية كانوا أعلم بالأمور الكونية من جهلة العصريين المفتونين بتقليد فلاسفة الإفرنج والعض على تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة بالنواجذ.
وتفسر العلماء في القرون الماضية للرواسي والأوتاد بما يقتضي وقوف الأرض وثباتها هو التفسير الصحيح، كما تدل على ذلك لغة العرب. وهم إنما يعتمدون في تفاسيرهم على ما جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. ثم على ما جاء عن التابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم. ثم على لغة العرب التي نزل القرآن بها. وأما العصريون فكثير منهم قد جعلوا القرآن ملعبة لهم يتأولونه على غير تأويله ويحملونه على ما يوافق تخرصات الإفرنج وظنونهم الكاذبة.
الوجه الثاني: أن يقال: إن تفسير العلماء في القرون الماضية للرواسي والأوتاد بأنها وضعت على الأرض لإرسائها وتثبيتها ينافي تفسير العصريين من أتباع أهل الهيئة الجديدة وقولهم: إنها إنما وضعت على الأرض لتحفظ عليها توازنها مع دورانها على نفسها وعلى الشمس.
والذي يظهر من كلام المودودي أنه كان يذهب إلى تغليط الذين فسروا الرواسي والأوتاد بأنها وضعت على الأرض لإرسائها وتثبيتها ويرى أن الصواب في قول العصريين الذين فسروها في ضوء ما اكتشفه لهم فلاسفة الإفرنج المتأخرون من الأمور الكونية. وهذه إحدى الكبر من المودودي لما يلزم على قوله هذا
[ ٣٣٣ ]
من تغليط النبي ﷺ وتغليط علي وابن عباس ﵃ وغير واحد من التابعين وكثير من أئمة المفسرين الذين قرروا في تفاسيرهم وقوف الأرض وثباتها وأنها قد أرسيت بالجبال وجعلت الجبال أوتادًا لها.
وقد ذكرت في الوجه الأول أن هذا هو التفسير الصحيح.
والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن انس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أن قال: «لما خلق الله الأرض جعلت تمتد، فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت».
وهذا نص في استقرار الأرض وسكونها. قال في القاموس وشرحه: قر بالمكان يقر بالكسر والفتح قرارًا وقرورًا وقرًا وتقرة ثبت وسكن فهو قار كاستقر وتقار وهو مستقر. انتهى.
وروي ابن جرير عن علي ﵁ أنه قال: (لما خلق الله الأرض قمصت وقالت: تخلق علي آدم وذريته يلقون علي نتنهم ويعملون علي الخطايا فأرساها بالجبال فمنها ما ترون ومنها ما لا ترون).
وروى أبو الشيخ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (إن الجبال لتفخر على الأرض بأنها أثبتت بها).
وقال وهب لما خلق الله الأرض جعلت تمر فقالت الملائكة: إن هذه غير مقرة أحدا على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال، فلم تدر الملائكة مِمَّ خلقت الجبال.
وروي عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن نحوه.
وروي سعيد عن قتادة عن الحسن عن قيس بن عباد نحو ذلك أيضا.
[ ٣٣٤ ]
وكلام المفسرين في تفسير الرواسي والأوتاد بأنها وضعت على الأرض لإرسائها وتثبيتها كثير موجود في تفاسيرهم. وقد ذكرت جملة من ذلك في أول الصواعق الشديدة، فلتراجع هناك.
وإذا علم ما ذكرنا فالمودودي بين خطتين لا بد له من إحداهما. إما أن يقول بتغليط النبي ﷺ حيث نص على استقرار الأرض لما ألقيت الجبال عليها. وتغليط علي وابن عباس ﵃ ومن ذكر بعدهم من التابعين ومن أشرنا إليهم من أئمة المفسرين الذين قرروا أن الرواسي إنما وضعت على الأرض وجعلت أوتادًا لها لتثبتها وتمنعها من الحركة.
وإما أن يرجع عن قوله: إنه يحق للإنسان أن يفسر الرواسي والأوتاد في ضوء ما اكتشفه من الأمور الكونية. وما قبله من الكلام الذي يفهم منه تجهيل من فسر الرواسي والأوتاد بأنها وضعت على الأرض لإرسائها وتثبيتها وأن نطاق معرفتهم وعلمهم بالأمور الكونية كان قاصرا عن نطاق معرفة أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم ومقلديهم من جهلة العصريين وعلمهم بالأمور الكونية.
الوجه الثالث: أن ما يزعمه فلاسفة الإفرنج من اكتشاف حركة الأرض ودورانها على نفسها وعلى الشمس. وما يزعمونه أيضا من الاكتشافات عن الشمس وثباتها وعن القمر والنجوم فكلها تخرصات وظنون كاذبة ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ وتسميتها ضوءًا من قلب الحقيقة. ومن قال: إنه يحق للإنسان أن يفسر شيئا من القرآن على ما يوافقها فقد فتح للملحدين باب الإلحاد في آيات الله وأغرى المحرفين للكلم عن مواضعه على التحريف.
وليعلم أن القول في القرآن بمجرد الرأي حرام شديد التحريم وقد ورد
[ ٣٣٥ ]
الوعيد الشديد على ذلك كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والبغوي عن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار» هذا لفظ ابن جرير وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وروى الترمذي أيضا أبو داود وابن جرير والبغوي عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» قال الترمذي: هذا حديث غريب. قال: وهكذا روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم أنهم شددوا في هذا في أن يفسر القرآن بغير علم. وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن أو فسروه بغير علم أو من قبل أنفسهم. وقد روي عنهم ما يدل على ما قلنا أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم.
ثم روى بإسناده عن قتادة أنه قال: ما في القرآن آية ألا وقد سمعت فيها شيئا. وروي أيضا بإسناده عن مجاهد أنه قال: لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم احتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت. انتهى كلام الترمذي.
وقال البغوي: قال شيخنا الإمام: قد جاء الوعيد في حق من قال في القرآن براية وذلك فيمن قال من قبل نفسه شيئًا من غير علم. قال: وأما التفسير وهو الكلام في أسباب نزول الآية وشأنها وقصتها، فلا يجوز إلا بالسماع بعد ثبوته من طريق النقل. انتهى.
وقد تقدم قول شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين، فهو مفتر على الله ملحد في آيات الله محرف للكلم عن مواضعه. انتهى.
[ ٣٣٦ ]
وقد كان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄، وهما من أعلم هذه الأمة بكتاب الله تعالى يهابان القول في القرآن بغير علم. كما روي شعبة عن سليمان وهو الأعمش عن عبد الله بن مرة عن أبي معمر قال: قال أبو بكر الصديق ﵁: (أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم).
ووري أبو عبيد القاسم بن سلام عن إبراهيم التيمي أن أبا بكر الصديق ﵁ سئل عن قول الله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا أنا قلت في كتاب الله ما لا اعلم).
وروي أبو عبيد أيضا ومحمد بن سعد وابن جرير بأسانيد صحيحة عن أنس ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ على المنبر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأب ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر. وزاد ابن سعد في روايته: فما عليك أن لا تدريه.
وإذا علم هذا فقد روي الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة عن حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» قال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي وللترمذي أيضا من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي - ﷺ - نحوه.
ومن أخطائه أيضا قوله: وأن الله تعالى لم يجعل إيماننا وعقيدتنا مربوطا بعلم عصر من العصور بحيث إذا تغير هذا العلم وتبدل اضطر الإنسان إلى أمرين إما أن يؤمن بالله تعالى وينكر صحة العلم. أو يكفر بالله تعالى ويؤمن بصحة العلم.
والجواب أن يقال: هذه إحدى الكبر من المودودي حيث قرر ما يهذو
[ ٣٣٧ ]
به جهلة العصريين من حرية الفكر حتى فيما يتعلق بالإيمان والعقيدة. وهذا القول من أبطل الباطل.
والحق أن الإيمان والعقيدة مربوطان بعلم العصر النبوي، وهو علم الكتاب والسنة. وهذا العلم لا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.
وما جاء في الكتاب والسنة من الأدلة على ثبات الأرض واستقرارها وأجمع المسلمون عليه لا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة. ومن قال بخلاف ذلك: فقوله باطل مردود عليه لمخالفته للأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
وكذلك ما جاء في الكتاب والسنة من النصوص على جريان الشمس ودؤوبها في ذلك وأن الله سخرها لخلقه تأتي من المشرق كل يوم وتغرب في المغرب كل ذلك لا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة. ومن قال بخلاف ذلك فقوله باطل مردود عليه لمخالفته لنصوص الكتاب والسنة وما كان عليه المسلمون في قديم الدهر وحديثه سوى من شذ عنهم في هذه الأزمان الأخيرة من أتباع أهل الهيئة الجديدة.
وكذلك ما جاء في القرآن من النص على أن الله تعالى زين السماء الدنيا بالمصابيح، وهي النجوم. وفي الآية من سورة الصافات: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ فهذه النصوص لا تتغير ولا تتبدل إلى يوم القيامة. ومن
[ ٣٣٨ ]
قال بخلاف ذلك من فلاسفة الإفرنج وأتباعهم من العصريين الذين يزعمون في أبعاد الكواكب ومقادير أجرامها ما يزعمون فأقوالهم باطلة مردودة عليهم لمخالفتها لنصوص القرآن.
وكذلك ما جاء في الكتاب والسنة من النصوص الكثيرة على إثبات السموات السبع وأن السماء بناء وسقف محفوظ مرفوع وأنهن شداد وأن لهن أبوابا وحجابا. كل ذلك لا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة. ومن قال بخلاف ذلك من فلاسفة الإفرنج وأتباعهم من العصريين الذين يزعمون أن السماء ليست بناء وإنما هي فضاء وجو سعته غير متناهية فأقوالهم باطلة مردودة عليهم لمخالفتها لنصوص الكتاب والسنة.
وكذلك ما جاء في الكتاب والسنة من النصوص على اتحاد كل من الشمس والقمر، فهي لا تتغير ولا تتبدل إلى يوم القيامة. ومن قال بخلاف ذلك وزعم أن هناك شموسا وأقمارا متعددة فقوله باطل مردود عليه لمخالفته لنصوص الكتاب والسنة.
إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة مما قامت عليه الأدلة من الكتاب والسنة وقال أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم بخلاف ذلك وقد ذكرت جملة منها في الصواعق الشديدة. ومنها كثير مفرق في هذا الكتاب.
والمقصود ههنا بيان أن الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع لا تتغير ولا تتبدل إلى يوم القيامة. وإنما التي تتغير وتتبدل في كل زمان هي الآراء والتخرصات والظنون الكاذبة. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال البغوي معناه لكن من رحم ربك فهداهم إلى الحق؛ فهم لا يختلفون. قال ومحصول الآية أن أهل الباطل مختلفون وأهل
[ ٣٣٩ ]
الحق متفقون، فخلق الله أهل الحق للاتفاق وأهل الباطل للاختلاف. انتهى.
وإذا علم هذا، فالواجب على المسلمين اعتقاد ما جاء في الكتاب والسنة، وما أجمع عليه المسلمون ونبذ ما خالف ذلك من أقوال الناس وآرائهم وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة وراء الظهر.
وقد سمى المودودي تخرصات أهل الهيئة الجديدة وظنونهم الكاذبة في السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم علما، وهذا من أكبر الخطأ ومن قبل الحقيقة فليست التخرصات والظنون الكاذبة بعلم، وإنما هي جهل وضلال، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا * فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ وقال: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾.
وأما قوله أن الإنسان يضطر إلى أمرين هما أن يؤمن بالله تعالى، وينكر صحة العلم أو يفكر بالله تعالى ويؤمن بصحة العلم.
فجوابه أن يقال: قد ذكرنا أن تخرصات أهل الهيئة الجديدة وظنونهم الكاذبة في السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم ليست بعلم، وإنما هي جهل وضلال. ولا بد إذا من أحد أمرين: إما الإيمان بما جاء عن الله تعالى ورسوله - ﷺ - ورد ما جاء عن أهل الهيئة الجديدة من الجهل والضلال. وأما
[ ٣٤٠ ]
الإيمان بالجهل والضلال ورد ما جاء عن الله ورسوله - ﷺ -. فليختر المرء ما يناسبه من إحدى الخطتين. فأما الجمع بينهما فغير ممكن.
وأما قوله: فإذا كان الإنسان القديم مسلما صحيح الإسلام على رغم قوله بثبوت الأرض كذلك لا شك في صحة إسلام الإنسان الحاضر على اعتقاده بدوران الأرض.
فجوابه أن يقال: إذا كنت لا تشك في إسلام من يقول بدوران الأرض، فغيرك قد يشك في إسلامه ولاسيما إذا قامت عليه الحجة بأن بلغته الأدلة الدالة على سكون الأرض واستقرارها وبلغه إجماع المسلمين على القول بوقوف الأرض وسكونها مقصورة على المخالفة والعناد، فهذا قد يشك في إسلامه لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
وقد صرح بعض المحقين بتكفير من يقول بحركة الأرض ودورانها. وقد ذكرت ذلك في الصواعق الشديدة بعد ذكر الأدلة العقلية على ثبات الأرض واستقرارها، فليراجع هناك.
وأما قوله: ولذلك أنا أوافق رأي أخي محمد محمود الصواف
فجوابه أن يقال: بئس ما اخترت لنفسك من الموافقة على التخرصات والظنون الكاذبة التي تخالف مدلول الكتاب والسنة وإجماع المسلمين. وإنما يعود وبال هذه الموافقة عليك قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.
[ ٣٤١ ]