حد محدود فيما يدعونه من الإلحاد في أسماء الله تعالى وآياته وتحريف كلام الله ورسوله عن مواضعه، ولا يرون الصلوات الخمس ولا صيام شهر رمضان ولا حج البيت الحرام ولا تحريم ما حرم الله ورسوله من الميتة والدم ولحم الخنزير وغير ذلك.
وهؤلاء يدعون المستجيب لهم أولا إلى التشيع والتزام ما توجبه الرافضة وتحريم ما يحرمونه، ثم بعد هذا ينقلونه درجة بعد درجة، ينقلونه في الآخر إلى الانسلاخ من الإسلام، وأن المقصود هو معرفة أسرارهم وهو العلم الذي به تكمل النفس كما تقول الفلاسفة الملاحدة، فمن حصل له هذا العلم وصل إلى الغاية، وسقطت عنه العبادات التي تجب على العامة كالصلوات وصيام رمضان وحج البيت وحلت له المحرمات التي لا تحل لغيره" ثم ذكر ما تقدم عن أبي الغزالي أنه قال فيهم: "ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض". انتهى.
فصل
وذكر الصواف في صفحة ٣٧ عن عبد الرزاق نوفل أنه نقل عن الفلكيين أنهم قالوا بأن الأرض كوكب من الكواكب التي تدور حول الشمس، وتتبعها في سيرها أينما سارت، قال: وهي تدور بنا حول نفسها مرة كل أربع وعشرين ساعة.
والجواب أن يقال هذا قول باطل مردود بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول الصحيح وقد استوفيت الرد عليه في الصواعق الشديدة فليراجع هناك.
فصل
وقال في صفحة ٣٨ أن الأرض تدور حول الشمس في فلك يبلغ محيطه
[ ٦٠ ]
٥٨٠ مليون ميل، فمعدل سرعتها في هذه الحركة يبلغ ٦٠ ألف ميل في الساعة أو بنحو ألف ميل في الدقيقة، والنظام الشمسي كله بما فيه الأرض ينهب الفضاء نهبا بسرعة لا تقل عن ٢٠ ألف ميل في الساعة أي أكثر من ٣٠٠ ميل في الدقيقة متجهة نحو برج هركيوليس.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال أن إثبات مثل هذه الأمور يحتاج إلى نص قاطع من كتاب الله تعالى أو من سنة رسوله - ﷺ -، ولم يقم على شيء تخرصوه دليل البتة لا من المنقول ولا من المعقول الصحيح، وقد انقطع الوحي من السماء بموت النبي - ﷺ -، ولم يبق مع المدعين سوى التخرصات والظنون الكاذبة، وقد قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ وقال تعالى ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ وقد جمعت هذه الآية الكريمة بين الأمر باتباع ما أنزل الله، والنهي عن اتباع ما سوى ذلك من أقوال المتخرصين.
الوجه الثاني: أن يقال ليس للأرض فلك تدور فيه كما زعم ذلك أهل الهذيان والتخرص، وإنما الفلك للشمس والقمر والنجوم والليل والنهار، قال الله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ
[ ٦١ ]
كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.
قال ابن جرير: "قوله ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ يقول: وكل ما ذكرنا من الشمس والقمر والليل والنهار في فلك يجرون، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل".
وقال ابن كثير: "قوله ﵎: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ يعني الليل والنهار والشمس والقمر كلهم يسبحون أي يدورون في فلك السماء. قاله ابن عباس وعكرمة والضحاك والحسن وقتادة وعطاء الخراساني.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: "والله سبحانه قد أخبر بأن الشمس والقمر والليل والنهار كل ذلك يسبح في الفلك فقال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. والفلك هو المستدير كما ذكر ذلك من ذكره من الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء المسلمين، والمستدير يظهر شيئا بعد شيء، فيراه القريب منه قبل البعيد عنه".
وقال الشيخ أيضا: "لفظ الفلك يدل على الاستدارة وعلى سرعة الحركة كما في دوران فلكة المغزل ودوران الرحى".
وقال أيضا: "والسباحة تتضمن الجري بسرعة كما ذكر أهل اللغة". انتهى.
وأما الأرض فإنها ساكنة ثابتة لا تتحرك ولا تزول من موضعها فضلا عن أن يكون لها فلك تدور فيه، وقد ذكرت الأدلة على سكونها في الصواعق الشديدة فلتراجع هناك.
وأما تحديدهم لمحيط فلك الأرض الذي توهموه بعقولهم الفاسدة بما ينيف على سبعين ألف سنة، وتحديدهم أيضا لمعدل سرعتها في الساعة والدقيقة، وما
[ ٦٢ ]
زعموه أيضا من النظام الشمسي وسرعة سيره في الساعة والدقيقة واتجاهه نحو هركيولس - فكله هذيان لا يقوله عاقل، ونسبة هذا الهذيان إلى المسلمين فرية بلا مرية.
وقد قال الله تعالى ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ وقال تعالى ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ وقال تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾.
وقد ذكرت في الصواعق الشديدة ما ذكره العلماء من الإجماع على أن السموات مستديرة، وما ذكروه أيضا من الإجماع على أن الأرض مثل الكرة، وبيان أنها مثبتة في وسط كرة السماء كالنقطة في الدائرة، وذكرت أيضا النص على أن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة، وأن كسف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، فلو كان للأرض فلك يبلغ محيطه ٥٨٠ مليون ميل كما زعم ذلك من زعمه من فلاسفة الإفرنج ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من ضعفاء البصيرة من المسلمين لكان مدارها من فوق الكرسي بمسافة بعيدة، وهذا ظاهر البطلان.
وأيضا فالسموات السبع الشديدة البناء التي ليس لها فروج وليس فيها فطور قد أحاطت بالأرض من كل جانب، والكرسي من فوق السموات قد أحاط بالجميع فلا طريق للأرض إلى اختراق السموات والكرسي، والصعود إلى ما فوق ذلك حتى يتهيأ لها الدوران في الفلك الذي توهموه بعقولهم الفاسدة.
وإنما قال أعداء الله ما قالوه من هذا الهذيان الذي يضحك منه كل عاقل
[ ٦٣ ]