الجواب، أن يقال: لا شك أن هذا من المحادة لله ولرسوله - ﷺ - واتباع غير سبيل المؤمنين وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
فصل
وقال الصواف في صفحة ١١٥: ووجدنا إلى أبواب جهنم هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا من أجابهم دعوتهم الضالة، وفتنتهم المضللة قذفوه فيها، وألقوه في الحميم وتركوه في الجحيم.
والجواب أن يقال: أما تخشى - يا صواف - أن تكون من هؤلاء الدعاة إلى أبواب جهنم وأنت لا تشعر، أما علمت أن رسالتك في علم الفلك قد اشتمل أكثر مباحثها على مخالفة الكتاب والسنة والإجماع. وما كان ذلك فهو من أعظم أسباب الضلال الذي يدعو إلى جهنم. وقد قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.
فصل
وقال الصواف في صفحة ١١٥: ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
والجواب أن يقال: وهل ظننت - أيها الصواف - أن صلاح أول هذه الأمة إنما كان بالاشتغال بعلم الفلك وإنشاء المراصد الذي ألفت كتابك لتأييده وحشوته من تخرصات أعداء الله وظنونهم الكاذبة وأقوالهم الباطلة. وزعمت في أوله أن علم الفلك كان من أول العلوم التي لفتت أنظار العلماء المسلمين، وجلبت اهتمامهم وعنايتهم بها. ثم زعمت في آخره أن الكثير من الشباب اليوم في حاجة
[ ٣٠٨ ]
ماسة إلى مثل كتابك.
كلا، بل إنما كان صلاح أول هذه الأمة بالتمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - وبذلك ظهورا على الأمم في مشارق الأرض ومغاربها وعلت كلمة الله، وظهر دينه على الدين كله. ولم يكن أحد منهم يشتغل بعلم الفلك أو يلتفت إليه. وإنما ظهر الاشتغال بعلم الفلك في زمن المأمون حين عربت كتب الأوائل ومنطق اليونان، فظهر الضعف في المسلمين منذ ذلك الزمان، وما زال الضعف يزداد فيهم شيئا فشيئا بقدر إعراضهم عن الكتاب والسنة وإقبالهم على العلوم المردية المهلكة حتى آل الأمر بكثير منهم إلى الردة والانسلاخ من دين الإسلام بالكلية، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه في قوله «إن الناس دخلوا في دين الله أفواجا وسيخرجون منه أفواجا» رواه الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
وروى الحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - نحوه وقال الحاكم صحيح الإسناد ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وقد تقدم في أول الكتاب كلام شيخ الإسلام أبي العباس بن تيمية في المأمون بسبب ما أدخله على هذه الأمة من العلوم الفلسفية. وكلام الذهبي والمقريزي في ذلك أيضا، فليراجع فإنه حسن جدا.
وإذا علم أن صلاح أول هذه الأمة، إنما كان بالتمسك بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - فليعلم أن صلاح آخر هذه الأمة إنما يكون بذلك. والله المسؤول المرجو الإجابة أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يرزقهم الرجوع إلى ما كان عليه أول هذه الأمة، وأن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون.
[ ٣٠٩ ]